www.arabnc.org
التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية 30التجدد الحضاري 30الاستقلال الوطني والقومي 30صفقة القرن 30الوحدة العربية 30الديمقراطية وحقوق الإنسان 30التقرير السياسي 30بيان الى الأمة 30أمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلام
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
جدول الأعضاء المشاركين عام 2019
نشاطات نيسان 2000 - أيار 2001
نشاطات أيار 2001 - نيسان 2002
نشاطات حزيران 2003 - نيسان 2004
نشاطات نيسان 2004 - نيسان 2005
نشاطات نيسان 2005 - نيسان 2006
نشاطات نيسان 2006 - نيسان 2007
نشاطات نيسان 2007 - أيار 2008
نشاطات أيار 2008 - شباط 2009
نشاطات أيار 2010 - أيار 2011
نشاطات أيار 2011 - أيار 2012
نشاطات 31 أيار 2012 - 28 أيار 2013
نشاطات 30 أيار 2013 - 10 حزيران 2014
نشاطات حزيران 2014 - أيار 2015
نشاطات أيار 2015 - نيسان 2016
نشاطات 10 نيسان 2016 – 8 ايار 2017
نشاطات 10 أيار/مايو 2017 – 22 تموز/يوليو
نشاطات 23 تموز 2018 – 25 حزيران 2019
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
الديمقراطية وحقوق الإنسان 30 ((الديمقراطية وحقوق الإنسان 30))
المؤتمر القومي العربي
ARAB NATIONAL CONFERENCE
التوزيع: محدود
الرقم: م ق ع 30/وثائق 3
التاريخ: 5/7/2019
ـــــــــــــ
المؤتمر الثلاثون
5 – 6 تموز/يوليو 2019
بيروت - لبنان


الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي**
د. خديجة صبار*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عضو المؤتمر القومي العربي، مقررة المكتب التنفيذي لمؤسسة الجابري للفكر والثقافة، أكاديمية، باحثة
** لا تعبر هذه الورقة بالضرورة عن رأي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.
 

الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي
د. خديجة صبار
مقدمة
يكاد الفكر العربي الحديث والمعاصر منذ ما يراوح القرنين، يجتر ما تطرحه التيارات الفكرية في الغرب من قضايا ومفاهيم منذ حركة النهضة، محاولا إعادة إنتاجها، في أفضل الحالات، لتنسجم مع معطيات القضايا المطروحة في الساحة العربية، انطلاقا من الرؤى المختلفة التي تبنتها النخبة المثقفة العربية من رفاعة الطهطاوي إلى اليوم. تم ذلك مع محاولة توطين مفاهيم سياسية وفكرية في التربة العربية، شأن مفهوم الديمقراطية والحرية والعدل وسن الدساتير وحقوق الإنسان، أملا في الحد من استبداد الحكم المطلق، تلت ذلك محاولات الفكر الليبرالي والاشتراكي في مرحلة ما بين الحربين، ثم ظهرت غداة ميلاد الدولة الوطنية والتيارات القومية والماركسية. وبعد فشل الدولة الوطنية وتحولها في جل الحالات إلى دولة تابعة خارجيا وقامعة داخليا، برزت تيارات الفكر الديمقراطي ومنظمات حقوق الإنسان، لكن بقي تأثير التيارات السابقة محصورا في شرائح اجتماعية معينة داخل الطبقة الوسطى من المجتمع المدني بالدرجة الأولى قبل أن يكتسح مفهوم العولمة، بسرعة فائقة، الحواضر والبوادي، لأنه يمس حياة الناس، بحكم تأثيره اليومي على جميع الفئات، عبر ثقافة الصورة، ليفرز نتائجه في مجتمع يشكو من التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ثمة العديد من القضايا، هي اليوم أكثر راهنية مما كانت عليه بالأمس: قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، التحديث والحداثة، قضايا التحرر والنهضة والوحدة، قضايا الاستقلال والتبعية والمساواة، جعلها أكثر إلحاحا على التفكير والانشغال، الوعي بضرورتها، لأنها لم تنجز بعد، ومصيرنا أصبح متوقفا على إنجازها اليوم أكثر من ذي قبل. واهتمام المؤتمر القومي العربي بمبدأي الديمقراطية وحقوق الإنسان،  ضمن أهدافه الستة، يستشكل صلب القضية السياسية ومجالها في المجتمع العربي المعاصر، ويشد الوعي إلى بعد الوضع المهدد للوجود الحضاري للأمة العربية ولمصالحها القومية، بسبب أزمات الاجتماع السياسي العربي المتشعبة واختلال التعامل معها: (أزمة السلطة، أزمة المعارضة، مأزق تعثر المسار الديمقراطي وما يتفرع عنه من فشل مشاريع التعليم والتنمية، مأزق انتشار الروابط القبلية والطائفية والإثنية وعجز الدولة على رتقها، مأزق التجزئة والتطرف الديني وأزمة النظام الإقليمي). ولا أتصور مواطنا ينشد الديمقراطية فلا يهتم بالدستور وبالإصلاح السياسي وبالانتخابات وبحقوق الإنسان. كما لا أتصور مواطنا يجري دم العروبة في عروقه، لا يقلقه ما يحدث في أي قطر عربي على حدة، وفي الأقطار العربية مجتمعة. وجذور هذه الأزمات تمتد إلى"الدولة الوطنية" الحديثة في البلاد العربية أو دولة الاستقلال وتكوينها الهجين، إذ شكلت من موروث الدولة السلطانية بتقاليدها الاستبدادية ومن الحكم الاستعماري التحديثي، فولدت مركب تحديث/حداثة: تحديث اقتصادي تقني مفصول عن مقدماته الفكرية والثقافية والاجتماعية. قد يتعايش هذا الثنائي على مستوى الخطاب، لكن من الصعب أن يتعايش على مستوى الواقع، لاسيما وقد طرأ تطور كيفي في العلاقة مع الخارج كمحيط لا مفر من التعامل معه أو التحصن بالعزلة أو الانعزال عنه، بل بوجوب فهم واقعه، واستيعاب قوانينه بمقدرة ودراية ووعي.
تحديد المفهوم
إن المفهوم الحديث للديمقراطية وحقوق الإنسان وليد الفلسفة السياسية الحديثة التي ظهرت في الغرب منذ نهاية القرون الوسطى، بفضل الرشدية اللاتينية والتوماسية ومدرسة الحق الطبيعي، والإرادية ونظريات العقد الاجتماعي، والرؤية الجديدة للطبيعة، والوضعانية القانونية المتمثلة في نظرية الدولة. حقوق الإنسان يدل على مفهوم مركب: "حق" في صيغة الجمع و"الإنسان" في صيغة المفرد. ولكل مفهوم تاريخ خاص يعود إلى مجتمع بعينه، لأنه يبني، وقد يبقى فارغا فقيرا شأن جل المفاهيم السياسية أو التشريعية مثل "ديمقراطية"، "مواطنة"، "حقوق الإنسان"، متى ظل مفصولا عن مرجعيته. والمقصود بالمرجعية "طبيعة الاجتماع البشري" أي العمران، بمعنى أن مفهوم "حقوق الإنسان" يندرج في طبيعة عمرانية معينة وتركيب ذهني خاص، لأن للمفهوم مرجعية ذهنية ومرجعية مادية وتأسيس سياسي تشريعي. وإقحامه في إطار خطاب آخر بمرجعيات معرفية واعتقادية ومادية أخرى، خطأ منهجي وقهر للوقائع والتاريخ، وأسلوب غير علمي. 
هناك علاقة جدلية بين الديمقراطية وحقوق الإنسان. فلا يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بدون اعتماد الديمقراطية كمرجع ضروري، وإرساء أسسها مع احترام حقوق الإنسان، لأن انتهاك تلك الحقوق يأتي نتيجة ضعفها أو انعدامها. وانتهاكات الحقوق يعد بمثابة إنكار لحق الأفراد والجماعات، وامتداد الانتهاكات يمس النسيج المجتمعي برمته، ويؤثر على القيم والممارسات على صعيد المجتمع. المفارقة اليوم، أن المرحلة الانتقالية والتحولات العميقة، المادية والثقافية والتشريعية التي تعتمل في مجتمعاتنا العربية، أساسها الشعور بالذاتية والوعي بحقوق الإنسان، الإنسان الفرد المشرع لنفسه، الذي منه تنطلق الأشياء وإليه تعود، البعيد كل البعد عن الإنسان العبد، أو الرعية، بل الإنسان المواطن. أما الديمقراطية بما تعنيه من تعددية ومشاركة شعبية فاعلة في الحياة السياسية والتوزيع العادل للسلطة، فتشكل أهم أهداف التطوير، لأنها المحدد للعلاقة بين المجتمع والدولة، والأفراد والسلطة، ووسيلة لتحقيق النمو الاقتصادي في الوقت ذاته. ومن مبادئها تحقق تكافؤ الفرص، باعتبار الأنظمة الديمقراطية تتمتع بضوابط مؤسساتية ضد أشكال الجشع والنهب وانعدام الكفاءة. وتستند إلى رقابة شعبية عبر انتخابات دورية نزيهة تجدد نخبها بطريقة عادية، ويمكن عزلهم من مهامهم عن طريق التصويت في الانتخابات اللاحقة، ما دامت الشرعية تأتي من الديمقراطية، وهي ومصيرها يعنيان كافة مقومات المجتمع. 
الديمقراطية وحقوق الإنسان بما فيها حقوق المرأة والطفل والأقليات، مفتاح كل ممارسة سياسية ومدخل للقومية والوحدة والاشتراكية. وتخلف مؤشرهما، رغم الأمل الذي حمله الحراك الاجتماعي، حيث استمرار تردي الأوضاع في غالبية الدول، بالأخص تلك التي تعاني من حروب داخلية وخارجية، مما جعلها مركزا لعدم الاستقرار، أو تلك التي تنعم بنوع من الاستقرار لكن في إطار وضع هش على جميع الأصعدة. وهما العنصران المحركان لوعي الشباب من الجنسين بحقوقه ومطالبه، بالأخص مطلب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، في دول تعاني من العجز، ونقص حاد في الإنسجام الاجتماعي، وضعف القدرة على تحديث شكلها السلطوي والتفاعل الإيجابي مع المطالب الملحة لفئة الشباب التي تخلصت من التكيف مع ثقافة الخوف والرعب، لمعاناتها من انسداد الأفق، في حاضر مثقل بالخلل والعيوب والإحباط، والقدرة المتدنية في وظائف إدارة الحكم وأزماتها على صعيد السياسة والاقتصاد والاجتماع، ناهيك عن تفشي الفساد وتعثر مكافحته وتلازم الفقر والبطالة وانعدام الأمن، وغياب خطط ناجعة للتنمية وثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ جميعها عوامل تفاقم مشكل الديمقراطية والتعددية والمواطنة والحق في الاختلاف، كحق من حقوق الإنسان والمدخل الأساس للديمقراطية، أي الطريقة التي تمارس بها السلطة أساسا، ونوع العلاقة بين الحاكمين والمحكومين المبنية على احترام "حقوق الإنسان والمواطن"، كحق التعبير الحر وحق الانتخاب. والمقصود بالتعددية معناها السياسي (الأحزاب السياسية والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني( التي تقوم بدور تأطير المواطنين سياسيا، وتأطير الحملات الانتخابية لمرشحيها. عموما ليس هناك نسيج سياسي عربي إلا ونراه مصابا بالهشاشة والتفكك مع استحضار عامل النسبية. 
 جرب عالمنا العربي طرقا من أجل التغيير المأمول، مند منتصف القرن العشرين، لكنه لم يجرب بعد حقيقة النضال من أجل الديمقراطية، وبالديمقراطية التي أساسها الحريات العامة وحقوق الإنسان. واليوم أمام التكنولوجيا ومكاسب الحداثة في الذود عن القيم الإنسانية وقد حولتها العولمة، آخر ما قدمته الحداثة التي عم تأثيرها الكرة الأرضية بفضل ثورة المعلومات، إلى قيم كونية، عرت الأنظمة السلطوية واستقرارها المشروط بقدراتها الأمنية القمعية. وظهر جليا أن الدول العربية أخطأت موعدها مع جوهر الديمقراطية مستعيضة عنها بشكلها، فكان لازما أن تعي جماهير الشباب جوهر إشكال قضيتها وعيا بأهمية التقنية، التي خطت خطوات عملاقة، ونقصان الوعي بعامل الفكر والتنظيم والتخطيط والوعي التاريخي. وأنه لم يعد هناك ما يبرر تأجيل تفعيل مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، في سياق عربي جعلها من "دوائر الخوف،"  وسياق دولي أعلن "الإسلام" عدوا للغرب. 
لماذا "لا تسود الديمقراطية في العالم العربي؟ "  تساءل يوما غسان سلامة ؟ لماذا يدير هذا العالم ظهره لأنجع الحلول العلمية: نظام التداول والتناوب على الحكم بالطرق السلمية والمؤسسية والقانونية عوض الطابع السلطوي لأنظمته ؟ أين نحن منها؟ لماذا رغم عقود من تجريب نظم سياسية لم يحدث أي تغيير رئيس في البنية الاجتماعية والسياسية القائمة؟ وما سبب عسر استنباتها في تربتنا العربية؟ 
هشاشة الدولة والمجتمع في السياق العربي
هل الديمقراطية هي الحل في واقعنا العربي؟ وهل إجراء انتخابات حرة ونزيهة يجعل من دولة ما ديمقراطية؟ أليس هناك أسس يبنى عليها صرحها؟ وإلا تحولت إلى بناء هش لا يلبث أن يتهاوى؟ أليس ابتسار الديمقراطية خير سبيل لإقبارها كما يؤكد روبرت كبلان.  هل يعتبر كل مجتمع سياسي منظم دولة؟ أم ثمة أشكال كثيرة منها لا تمت بصلة إلى الدولة؟  أقصد بهشاشة حركية المجتمع المعوقات والمعاناة التي تولد الحراك من رحمهما وشكل رجة عنيفة حررت جيل الشباب كأفراد من سياسات الخوف والاستبداد، لكن، ليس بعد من آلام الفقر والجهل والبطالة والمرض والفساد. الديمقراطية حق لا شيء يبرر تعليقه، غير أن واقعها في الأنظمة السياسية العربية المعاصرة كما يشخصه سمير أمين:"وقد أخذت الحكومة العربية المعاصرة بمبدإ الاعتراف بالمواطن ذي الحقوق السياسية، ومنها أساسا حق الانتخاب في إطار دستور يحدد قواعد تكوين وممارسة السلطة، ولكن هذه المبادئ بقيت شكلية غير معمول بها جديا. فلم تعتبر السلطة الحاكمة ولا مختلف طبقات الشعب أن هذه المبادئ مقدسة، ظلت الدساتير حبرا على ورق، والانتخابات حفلات لتدعيم الحاكم. وسنرى أن المجتمعات العربية لم تتقدم بعد في ممارسة الوسائل التي تعطي مضمونا للنظام الديمقراطي." 
الديمقراطية، خلاصة تطور اجتماعي واقتصادي طبقا ل دو توكفيل(Alexis de Tocqueville) :" لقد اهتدى الغرب إلى الديمقراطية ليس عن طريق حافز أخلاقي كهذا الذي يحاول الغرب اليوم أن يرفعه، ولكن كتطور لنظام اجتماعي."  هي استكمال لمسيرة طويلة ونتاج لتطور موضوعي، أما في مجتمعاتنا العربية، فقد ساد المجتمع الأسري القبلي كل تاريخنا الاجتماعي كما حلل هشام شرابي: إن الأنماط التقليدية للعلاقات الموروثة والأشكال النموذجية لممارسة القوة والسلطة في إطار الأسرة هي التي أنشأت أنماط الأبوة في السلطة السياسية."  في نفس السياق يقول المؤرخ عبد الله العروي:" إذا كانت تربية الزاوية هي كل ثقافة الأم، مجسدة في كلامها وسلوكها ونصائحها، أما يعمل ذلك، في ظروف مواتية، على تحويل فرع الحزب أو النقابة أو الجمعية أو الأندية إلى زاوية؟ النخبة السياسية تتجدد بالانتخاب، أما النخبة الاجتماعية فتتحكم في جلها الطبيعة، عبر النوازع، وبوسيلة التربية الأولية، تربية الأم، بمعني أن وراء الديمقراطية وحقوق الإنسان توجد فلسفة كاملة ولا يمكن إقحامها في أي تصور.
ولأن النخب الثقافية مهمشة في مجتمعاتنا، وتأثيرها ضئيل، ونسبة الأمية الثقافية كبيرة، ولأهمية العامل الثقافي في تحديد الفهم لكثير من مفاهيم الفكر الحديث المحورية،  مع اختلاف الرؤى والأفكار والمذاهب الذي لا يخشى عليه، لأنه مظهر حيوية ومصدر إخصاب، فسأركز على الدولة لدورها المركزي، ولمجالها الأوسع للحركة، باعتبارها ماهية المجتمع ومبدأ التنظيم الجمعي فيه ووسيلة العقلنة ونتيجتها في آن واحد. وتحمل قدرا من العقلانية أينما وجدت (ماكس فيبر)، ونمو قدراتها على التحكم يسبق التغييرات المجتمعية التي تتولد عنها المطالب السياسية. فما نتربى عليه من سلوك وقيم يتوقف عليه مدى نجاح أو فشل الاندماج في عالم اليوم، ومفهوم الثقافة وطبيعتها تغيرا، إذ لم تعد ذلك الشيء الكمالي الذي نفرغ إليه بعد الانتهاء من مهامنا اليومية، بل أصبحت المحدد للسياسات: مبادئ السياسة الاقتصادية، أهداف التربية والتعليم، أسس التوافق على قواعد العمل السياسي والمبادئ التي تقوم عليها المؤسسات السياسية. ولدور الدولة في عالم اقتصاد السوق والمنافسة، والتأصيل الثقافي للديمقراطية، وللتحدي الذي أضحى الليبراليون الجدد يلوحون به، وهم يربطون الحداثة الاقتصادية والحداثة الديمقراطية الليبرالية ربطاً حصرياً بالقيم الثقافية الغربية. فالحقل السياسي إذن هو بؤرة التغيير وشرطه وهدفه الاستراتيجي. غير أنها( الدولة ) تعيش محدودية تجربتها وضعف العلاقة بينها وبين المجتمع، وعدم قدرتها على الانفتاح والمحافظة عليه وتطويره، لأن الفكر العربي المعاصر كما يرى عبد الله العروي يفتقر إلى التفكير حول الدولة. ويحلل كيف أن الاهتمام بها ضعيف في ثقافتنا،  والمثقفون العرب لم يهتموا بالدولة، جل اهتمامهم كان منصبا في السابق عن يوتوبيا الخلافة،  وبالتالي فقد واجهتنا الدولة كمعطي، فهي سابقة عن التساؤلات حولها.  ولم نستنبت فكرة الدولة أو العمران السياسي كما يسميه ابن خلدون بما فيه الكفاية، علما أن قوة الدولة الحقيقية تنبع من تحولها إلى فكرة. وهذا التحول يؤسس شرعيتها، مما يوضح أن الأسئلة التي طرحتها تجربة الحراك بثرائها كانت تحتاج إلى هياكل ومنظومة فكرية وسياسية واقتصادية قادرة على تحويلها إلى أفكار ومناهج وبرامج، تقطع مع الاستبداد وتؤسس للدخول في دورة تأسيسية للديمقراطية والحرية والكرامة. 
ومن الصعب القول بالانتقال العربي إلى فضاء الديمقراطية والعدل في ظرف وجيز، ما دام شرطهما الاجتماعي والثقافي لم يتحقق بعد، وفي ظل هشاشة الدولة، وإخفاق المشاريع العربية الوحدوية. هذا الوضع أدى إلى نتائج سلبية على المجتمع والفرد العربيين.  ولا يمكن أن تنشأ الديمقراطية إلا في رحم دولة قوية تقوم على مؤسسات ديمقراطية واحترام القانون، لأن دولة المؤسسات، أكبر من الأفراد، وملك كل إنسان، ولا واحد فوق الدولة والقانون، تعبر عن المجتمع وتحكم بالإرادة الشعبية الحرة، يختار فيها المجتمع حكامه وممثليه ويعزلهم ويحاسبهم، دولة المساواة وحقوق الإنسان، تقوم على المواطنة أي الانتماء إلى مجموع قائم على الحق القانوني وتعدد الأديان والمذاهب، فلا طبقية ولا عرقية ولا طائفية ولا عنصرية... تطبق المساواة واحترام القوانين والديمقراطية والسلم الاجتماعي. والحال أن السلطة القائمة في مجتمعاتنا العربية تستغل طغيان القضايا الأمنية لتهميش المجتمع وإلجام الأصوات المنادية بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا. والمجتمع المدني ارتبط أساسا بمفاهيم الوطن والدولة والليبرالية والديمقراطية، فلا يمكن أن تنشأ تجربة ديمقراطية ناجحة خارج المجتمع المدني كما لا يمكن أن نتصور مجتمعا مدنيا في ظل حكم مطلق استبدادي، وبالتالي لا يمكن أن تتحقق الديمقراطية إلا بالانتقال التدريجي من النظر إلى السياسة كممارسة للغلبة بالمعنى الخلدوني إلى النظر إليها كعملية صنع قرار يشترك فيه الجميع، أي بتدخل تشريعي وتنفيذي، وبحماية دستورية لرفع الظلم والتهميش، وإعادة التوازن الاقتصادي والاجتماعي ومقاومة الثقافة الذكورية والاتجاهات الدينية المتشددة. ف " الديمقراطية محكومة بتاريخيتها" كما يقول كارل بوبر.
من المؤكد على المستوى التاريخي والسوسيولوجي والفكري أن الدولة هي:" العامل الرئيس للانتقال من نمط للمجتمع إلى نمط آخر."  لعبت دورا جوهريا في انتقال المجتمعات من حالة من التحضر إلى أخرى، بل كان لظهورها دور بارز في الحسم في الانتقال التاريخي من أوضاع اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية إلى أحوال أخرى، باعتبارها فاعل التغيير والانتماء للعصر، بواسطة جملة من الأجهزة والمؤسسات لحفظ توازن وتدبير الشأن العام. وهي نقيض الفوضى والحكم التسلطي، بنيت على التعاقد. وتظهر أهميتها في نقل الإنسان إلى حال الفوضى واللا-دولة، في حالة غيابها، وهو باستمرار نطاق الحياة الحيوانية في الإنسان،"  وليس في المستطاع تقدير النتائج المترتبة عنه ( ولا يعرف قيمتها إلا من عاش تجربة غيابها، يكفي أن نتأمل ما قاسته أول حكومة في ليبيا من فراغ مؤسساتي مهول بعد الحراك). الدولة تركيب اصطناعي الهدف منه خدمة المجتمع،  وما دامت السلطة اختراع إنساني فإن شكلها يمكن أن يتغير بقرار إنساني. ولا ديمقراطية إلا عندما تخضع السلطة السياسية لاحترام الحقوق:الحقوق المدنية أولا ثم الاجتماعية فالثقافية، أي أن تكون العلاقة بين الدولة ومواطنيها مبنية على القانون والرضا لا العنف. وتكتسب فكرة حقوق الإنسان مثل هذه القوة، لأن الهدف الأساس هو الحماية من سلطة تتماهى مع الشعب( بالقوة) ولا تترك مجالا للاحتجاج أو المبادرة. وبقدر ما يؤدي خضوع المجتمع للدولة إلى إضعاف بل إلى تدمير الديمقراطية، يؤدي تماسك ووحدة المجتمع السياسي إلى تقويتها.
وفي هذا السياق تعبر الدولة سوسيولوجيا عن بنية أساسية عقلانية بيروقراطية قانونية عقائدية... وتجسد مشاريع قوى اجتماعية حية، تختلف في مصالحها وتصوراتها ودرجة وعيها."  هي أعلى مراتب التطور السياسي، حاجة ضرورية، ولا يمكن المراهنة على الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان والإصلاح الاقتصادي من خارج إطارها. فكلها تطورت في إطار مؤسسات بالمعنى القانوني والمؤسساتي، دولة الحق والقانون. فهي التي تعمل على تقوية المؤسسات القائمة وبناء أخرى جديدة فاعلة وقادرة على البقاء، والاكتفاء الذاتي... وعلاقة الأفراد بسلطتها مبنية على أساس قانوني متين. ولا يجب أن تحركها نزعات الخوف والعقاب وإلا طرح مشكل الشرعية الديمقراطية. ولا ينظر في ظلها للفرد من منظور المهنة أو الدين أو الإقليم أو المال أو السلطة، وإنما يُعرف قانونيا واجتماعيا بأنه مواطن، عضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات ويتساوى فيها مع الجميع. ولها نظام للتربية والتعليم يهدف إلى تعزيز روح المواطنة والالتحام الوطني. وكل تأويلات خارج ما ذكر مطوقة بأوضاع الخارج  طبقا لعبد الله العروي، لأنها مرتبطة بوجود المجتمع الدولي من جهة وبالصحافة الدولية من جهة أخرى. هناك أيضا اتفاقيات دولية توصي بأمور وتحذر من أخرى، في مجال حقوق الجنس والفرد والأقليات، مكافآت لمن يطبق وعقوبات تفرض على من يفارق، فيسمى مارقا، في هذه الحال لا خيار: إما التطبيق أو العزلة والانزواء. والعزلة مكلفة جدا على المدى الطويل، وإن أمكن تحملها لفترة بسبب الادخار السابق كما هو حال البلاد النفطية.   
 لم تنبثق الدولة ذاتيا، من داخل المجتمع العربي الحديث بمفهومها المعاصر، بالنسبة للبلدان العربية، مفهومها غربي في الأصل، وهي صنيعة القوى الأجنبية، أنظمتها وأجهزتها وردت من الخارج. وفكرتها كتنظيم طبقا للقوانين والدساتير، ومؤسسة سياسية تنهض بالمسؤوليات التطويرية، بحيث ينصب جهدها على تشخيص المشاكل القائمة في المجتمع والتماس الحلول لتلافيها بطريقة عملانية (opérationnelle). ولم تعمل الأنظمة الوريثة لحركات التحرر الوطني على تقويتها وتطويرها، وبناء الهوية الوطنية وترسيخ مفهوم المواطنة، كبديل عن الهويات والثقافات الفرعية، وتحقيق التنمية وتوفير الحياة الكريمة لمواطنيها، رغم الثروات التي تعج بها المنطقة، بل انفردت السلطات بالحكم وحرمت القوى السياسية الاجتماعية من تنظيم نفسها لسنوات، وسيطرت الأجهزة الإدارية الأمنية على الشؤون العامة للبلاد، مما سهل اختراقها أفقيا وعموديا، ومحاصرتها بمشاريع دولية وإقليمية لأنها لم تحصن نفسها عبر مشروع موحد. والاحتجاج ب "الآخر" تبرير يدحضه غياب الوعي بأن القوى الدولية لا يعنيها دمقرطة المجتمعات العربية، بل تزعجها الديمقراطية الحقيقية، ولا ترى مصالحها في دمقرطة المنطقة، ما يحركها بالدرجة الأولى هي مصالحها السياسية والاقتصادية، وإلا لماذا قضت على قومية العالم الثالث في المهد! والاستجابة لمطالب الحراك الشعبي يعطل فاعليتها، والاستبداد الذي لم يفارق جل البلدان العربية كما يؤكد عبد الإله بلقزيز:" شريك ندي للتآمر الخارجي في تمزيق الدولة والمجتمع، لأنه يفقرهما معا من أسباب الحصانة الذاتية ضد التأثير الخارجي." فنحن لم نحقق إلى اليوم سبل تحصيننا كأمة بتمتين الوحدة الاجتماعية والفكرية، ولا ركزنا جهدنا على الاقتصاد والثقافة لتوفير الحاجي في الأول وتفادي الاختلال في الثاني، بل كسبنا الصدارة في التدهور، وأخفقت دولنا في اكتساب الرهان الديمقراطي، وكسب رهانها هي كمؤسسة وطنية جامعة تحمي نفسها من التفكك والانحلال، ولم تستعد المجتمعات العربية المبادرة بالتحول إلى مجتمعات قوية منتجة ديمقراطية، ولم تنجح بعد في تحسين شروط الوجود ومستوى العيش، بعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال. دور الدولة أساسي ويجب تقويتها لأنها الضابط (l’état est un régulateur) غير أنها لم تكتمل بعد، ولم تنطو على مضمون سياسي حداثي، بعيدا عن تكريس التقليد وإعادة إنتاج التأخر التاريخي:"يمكن ازدراء الدولة ولكنها تظل من يقوى على أن يفتح للمجتمع برمته طريق المستقبل." 
علاقة الديمقراطية بالتنمية
يتجلى الفعل المحقق للديمقراطية في التنمية، فهي التي تهيئ المناخ لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجتمع الهادئ المتطور والمستقر. هناك علاقة جدلية بين الاثنين، وفكرتها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتنمية المتجانسة بحكم أن النظم الديمقراطية تتشكل بالفعل في الموقع الذي تنتصر فيه العقلنة. ولا تتم العلاقة بينهما إلا عبر ضلع ثالث هو العنصر البشري، الشرط أساس في عملية التنمية، وتعزيز المزيد من معدلاتها، والتأثير الذي تحدثه الديمقراطية في تطوير قدراته وتفعيل دوره في عمليتها، فالإنسان هو العامل الحاسم والمحرك، فبقدر ما تتاح له الفرص لتطوير الكامن فيه من قدرات وطاقات، بقدر ما تتوفر له الحوافز لتوظيفها، باستخدام الموارد المتاحة لتحقيق تنمية ذات أبعاد إنسانية. هنا تأتي أهمية الديمقراطية، إذ بإفساحها المجال أمام المواطنين للمشاركة في صنع القرار، تمكن من جعل الحاجيات الإنسانية في مقدمة أولويات عملية التنمية، وتلبية هذه الحاجيات تعمل على تطوير قدرات المواطن وتوسيع الخيارات أمامه، لتحقيق ذاته وتفجير طاقات الخلق والإبداع الكامنة فيه. وهذا يتطلب بناء سياسة تحمي شرائح المجتمع وتحفظ حقوق الإنسان الأساسية وتلتزم بقيم العدل والمساواة وتحفظ استقلال الوطن وأمنه وتؤمن مستقبله ومستقبل أجياله. والانطلاق الصحيح يبدأ بإقامة نظام ديمقراطي تعددي يؤسس دولة الحق والقانون ويضعها تحت الرقابة والمحاسبة والمساءلة مع استقلال القضاء وتداول السلطة وحرية الصحافة والرأي والتعبير، فوحده النظام الديمقراطي يستطيع طرح رؤية سياسية اقتصادية اجتماعية وطنية، تعتمد التنمية الشاملة المتجانسة ويعيد تأهيل القوة البشرية، لأنه يتشكل بالفعل في الموقع الذي تنتصر فيه العقلنة، مع تحديث منظومة التعليم والثقافة والإعلام. 
علاقة الديمقراطية بالمواطنة وحقوق الإنسان
المواطنة تفترض وجود مواطنين. فهم مادتها بصفتهم أفرادا أحرارا متساوين أمام القانون في حقوقهم السياسية ما داموا متكافئين في أداء ما عليهم من واجبات الدولة. ولا تكون الديمقراطية قوية إلا عندما تخضع السلطة السياسية لاحترام حق المواطنة. بالديمقراطية يشعر الإنسان بها، أي الانتماء إلى الوطن. ويرتبط مفهوم المواطنة بشكل ملموس ومباشر بالمؤسسات والحقوق والواجبات السياسية والسوسيو- اقتصادية للفرد كمواطن، وبالتالي، فهو في قلب حقوق الإنسان، ويرتبط بالمجتمع والدولة. وتأسيس مبدأ المواطنة في المعاملة الداخلية من شروط الديمقراطية، إذ يستحيل تطور المجتمع الإنساني في غيابها، بوصفها فكرة اجتماعية وسياسية وقانونية تنمي فكرة الصالح العام، في إطار دولة أسها المساواة ونشر ثقافتها وممارسة حقوق المواطنة عبر سن قواعد قانونية ضامنة لحق المواطنة السياسية والقانونية مع التصدي لانتهاك حقوق الإنسان. 
والحديث هنا عن الدولة المدنية المؤسسة لمبدأ الخاصية الفردية للإنسان ولأخلاق المسؤولية المتبادلة، وتمثلها تجاه مواطنيها بحمايتهم من أية نزعة استبدادية. ومن الصعب الحديث عن المواطنة في إطار دولة قمعية تستند إلى المشروعية الدينية. عقود  طويلة مرت، مع اختلاف الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، تدل على غياب الحكم الرشيد والمحاسبة لأنظمة سلطوية أنتجت شبكات من التصرفات اللاعقلانية أهدرت الموارد الاقتصادية، وتسببت في إفقار وتهميش طبقات اجتماعية وخلق تمييز طبقي وديني وفئوي وجنسي، وتهميش اقتصادي وثقافي مما يدل على فقدان الديمقراطية لأساسها. 
وإذا كان رواد النهضة قد ترجموا المظهر الثقافي للإخفاق؛ والمقصود به السياسي، وأن النخب السياسية لم تحقق ما كانت تعد به من تحقيق لآمال الشعوب العربية في الوحدة والحرية والأمن والاستقرار، وبغض النظر عن الأسباب داخلية كانت أو خارجية، فإن الواقع يبين أن العالم العربي يعاني إخفاقا سياسيا لعدم اندثار النظرة الموروثة عن الماضي. لم تغيرنا في العمق إصلاحات الجهاز المتوالية منذ قرون، ولم تغيرنا الأفكار المستوردة من الغرب مثل الليبرالية أو الماركسية أو الوجودية؛ الدليل غياب الوحدة بين الأقطار العربية، بل ما يلاحظ اليوم من حالة التحامل في العلاقات بين الدول العربية ذاتها، السعودية اليمن، الجزائر المغرب، سوريا العراق، العراق الكويت... عبر الجابري على هذا الإخفاق السياسي بقوله:" والثغرة الخطيرة التي تعانيها النخبة العصرية في كثير من البلدان العربية، إذا لم يكن في كلها، هي غياب العلاقة العضوية بينها وبين جماهير الشعب في الميادين السياسية والاجتماعية كافة".  
هنالك إذن إشكالية معقدة في أنظمة الحكم، سواء الملكية منها أو الجمهورية، حيث الشعارات التي يطرحها القابضون على السلطة، هي شعارات المساواة أمام القانون، وحرية التعبير، وعدم انتهاك حقوق المواطن، وغيرها من الشعارات التي يطمئن من يسمعها، لكن الواقع غير ذلك؛ في الوطن العربي لا يسمح بحرية الاعتقاد، ولا وجود لعقد اجتماعي يعتمد المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات. أما في منطقة الخليج، فالأمر أكثر تعقيدا، فالمجتمعات مازالت تعيش في ظل المفاهيم الأبوية، قبلية كانت أو طائفية، هذا النظام الأبوي يصطدم مع فكر الدولة المدنية التي تتكلم بلغة التعددية في الفكر والمعتقد والعرق وتتكلم عن المساواة أمام القانون وعن حقوق الإنسان البعيدة كل البعد عن التراتبية الأبوية. ولا يمكن الإصلاح إلا من خلال تغيير حقيقي في العقلية السائدة سواء لدى الجهات الحاكمة أو مختلف فئات المجتمع التي هي الأخرى مطالبة بتقبل التغيير، وعدم تفصيله بالصورة التي تناسب مصلحتها وإلغاء مصالح الجماعات الأخرى..
الحراك صنيعة أجيال بأفق كوني 
أسباب الحراك عميقة على العموم، دوليا تعبر عن فشل النيو- ليبرالية التي تعتقد أنه يكفي خلق الثروة لتعم المجتمع بأتمه، وتبين أن هذا النموذج فاشل. إقليميا، حراك حضاري عابر لمختلف النظم السياسية، خاضته قوى اجتماعية فاعلة من دون نخبة ومن دون أية خطة سياسية، تشكل في رحم المجتمعات العربية التي بلغت الأوضاع فيها حدودها القصوى من البؤس والتردي والانهيار، قوى جديدة استفاد أصحابها من التحولات الصاحبة لموجة الحداثة بأدواتها المعلوماتية، تشكلت عبرها هويات ثقافية عابرة بأبعادها المتعددة الوطنية والقومية والعالمية والإنسانية. ولم يتوقف الحراك منذ بدأ، وقد يكون بداية لمرحلة ممتدة تستمر لعقود طويلة. الفاعلون يشاركون في صنع عالم مختلف: كسرت الشعوب العربية بالفاعلين والناشطين في الميادين طوق الاستبداد وعرت حقيقة الحكام. خرجت القوى الناشطة من عجزها تتصدر الحدث وتمارس حيويتها، غير مهتمة بما يكلفها ذلك من التضحيات، تتبنى المواقف المتجهة إلى تجاوز أشكال المخاتلات، التي أصبحت سمة ملازمة لصور الفعل السياسي العربي، وتتحمل المسؤولية في اختيار أنظمة حكمها وبناء نماذجها في الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، لينبثق أفق  للعمل السياسي والتحول الديمقراطي بناء على الشفافية والتعددية والشراكة والمواطنة بأبعادها المحلية والإقليمية والعالمية. وضع  أفرزته فتوحات العولمة وثورتها الرقمية والتقنية بأدواتها الفائقة وشبكاتها التواصلية ووقائعها الافتراضية. معطيات غيرت صلة الفكر بالواقع ولغات الفهم، اعتمادا على العقل التداولي في التعامل مع معطيات الوجود، وغيرت نظرة الإنسان إلى نفسه وموقعه في العالم وعلاقته بالمعرفة والثقافة والحرية والسلطة والقوة، وشكلت فرصة وجودية أمام المجتمعات العربية التي عانت من القوى المهيمنة بأنظمتها الاستبدادية ومنظوماتها الإيديولوجية، لتخرج من قصورها العقلي لتمارس حيويتها وتستعيد مبادرتها في ساحات وميادين المدن العربية. وتفكك ثنائية النخبة والجماهير وتكسر المنطق الطائفي. 
وضع جديد تجاوز حركات التحرر الوطني التي (وعدت بمحاربة الاستعمار والرجعية والصهيونية)، لكنها أعادت إنتاج التخلف والاستبداد والفساد والتفاوت الاجتماعي. كسر النموذج النخبوي والبيروقراطي والجهادي المصدر من الحركات الأصولية. طالب بالتغيير الشامل والجذري بدءا من الدساتير وأساليب الحكم وطريقة الدول في إدارة الشأن العام، وطريقة تعاطيها مع الحقوق والحريات، والعمل بمنطق أفقي ديمقراطي، بعد ما أخفقت شعارات الأنظمة في تحقيق التقدم والحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والتنمية وتحديث الاقتصاد، بل خلقت جيوشا من العاطلين عن العمل من حملة الشهادات. على الصعيد الخارجي، بعد أزيد من ستين سنة من شعار التحرير والمقاومة، تراجعت قضية فلسطين، كقضية مركزية، وظهر أن التحرر والقومية مجرد ذرائع تعتاش منها بعض الأنظمة السياسية، وصعود الأصوليات نتيجة إخفاق المد القومي.
     ثقافة جديدة وتحولات بنيوية تعتمل
 المتأمل للمشهد العربي اليوم يلاحظ أن هناك ثقافة جديدة بدأت تطفو إلى السطح، بديلا لحالة الفقر المعرفي والمفاهيمي، أساسها البحث عن الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية والتعددية والتنمية واحترام حقوق الإنسان بوصفها قيما كونية ولها علاقة بفلسفة الأنوار. هذا الوعي مسؤولية الجميع نساء ورجالا من مختلف الأجيال. كانت المرأة دوما شريكة الرجل في صناعة الحياة لكنها ظلت منقوصة الكينونة، مسلوبة الحقوق مهمشة الدور. لم يتغير وضعها مع حركات التحرر الوطني التي لم تكن في مستوى ما طرحته من شعارات، لطغيان الطابع الأبوي الذكوري، ونسبيا مع الحركات النسوية لنخبويتها. ما عده النظام الأبوي حول المرأة ضعفا وعورة، أضحى سلاحا قويا في المقاومة والاحتجاج، إذ شاركت المرأة بقوة غير معهودة في قيادة الحراك والتأثير فيه على نطاق واسع، وعلى قدم المساواة، كمعنى من معاني الديمقراطية التشاركية، بعد أن لم تعد تكفي الديمقراطية السياسية في المعالجة، حيث الثروات مكدسة في أيدي الأقلية مقابل تدهور الأوضاع المعيشية لدى الشرائح العريضة. وهذا مؤشر من مؤشرات الوعي بمسارها العضوي في المجتمع، وبمسؤوليتها في التغيير ودفع الوطن إلى تحقيق الخطط التنموية للخروج من الضمور الحضاري للمجتمع. أدركت المرأة أن التنصيص القانوني غير كاف فهناك نصوص واضحة أقرتها الدساتير العربية تحت ضغط المؤسسات الدولية، لكنها لا تفعل على أرض الواقع. هناك أيضا بداية لتنامي الوعي بالدفاع عن الذات في إطار مفهوم الفاعل والصراع الاجتماعيين، وأساس حقوقها الحرية والمساواة  والبحث عن العدالة التوزيعية بما أنها الإنصاف تحديدا، حسب تعريف جون رولز (John Rawls)، ورصد الجانب اللاعقلاني في تصرفات السلطة؛ لم يعد الفرد مستهلكا للقواعد والمؤسسات بدليل أن الحدث لم تصنعه الإيديولوجيات والنخب والأحزاب رغم أهميتها، ولا الفلسفات العلمانية ولا النصوص الدينية، الاحتجاجات ابنة العصر الرقمي الميداني. 
القضايا المركبة التي تعتمل في مجتمعاتنا تحتاج إلى قراءة شاملة بأبعادها المختلفة والمتداخلة لتعدد زوايا الاجتماع السياسي العربي المعاصر، لكن الواضح رغم ضبابية الوضع أن هناك شعاع من نور يخترق النفق، وأن المجتمعات العربية تبني طريق تقدمها بشكل مطرد، عبر تحولات بنيوية عميقة: هناك مفاهيم تأسيسية تطرح في الميادين رغم حاجتها للتأطير الفكري، قد تتطور في بيئة نظرية واستشكالية لاحقا، لتهيئ شروط الانتقال التدريجي نحو أنظمة ديمقراطية حديثة، بالأخص تلك التي توفرت على هياكل الدولة وتطوير وضع المرأة القانوني:
ثمة عالم عربي جديد يتشكل بخصوص قضايا الديمقراطية والكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص واقتسام الثروة وتطوير الأساليب والمفاهيم والقيم.
لم تعد تجدي مقاومة إرادة التغيير لدى الشعوب التي بدأت تستعيد مبادرتها وتمارس الفعالية والحضور على المسرح الكوني بشروطها(شعارات الجزائر تطالب برحيل رموز الفساد، والسودان يرفض إلباس الحكم العسكري طابعا مدنيا) الأجيال الجديدة فكرت بلغة عصرها، استوعبت أهمية مفهوم الفضاء العمومي (l’espace public)، وأنجزت ما لم ينجز مند عقود، تغيير مفهوم الثورة من تجارب الانقلابات العسكرية والأنظمة الشمولية.
لم تعد الديمقراطية محصورة  في شكل الحكم بل أيضا بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وعلاقات الأفراد بعضهم مع بعض ومع المؤسسات الاجتماعية القائمة، ومع الدولة والحكومة. اتسع مجالها وأصبح المطلوب ممارستها بشكل يومي عبر انخراط الفاعلين الاجتماعيين في الديمقراطية الميدانية الحية بالمشاركة في الرقابة والتقييم وصنع الرأي العام لتغيير القرار، عبر الاستفادة من تقنية العصر الرقمي ووسائل الإعلام والاتصال( نجاح مقاطعة بعض المنتجات في المغرب الحليب ومشتقاته والماء المعدني، التعليم بالتعاقد، الإرث في تونس، حملات مقاطعة منتوجات الكيان الصهيوني ) لم تعد السياسة تصدر من الأعلى نحو الأسفل، وتصنعها صناديق الاقتراع أو برامج الأحزاب أو قرارات الحكام فقط. كسرت ثنائية النخبة والجمهور، الزعيم والرعية، الهيمنة الذكورية وأحلت محلها الشراكة في القضايا المطلبية وإفراز نخبة شبابية ظلت بعيدة عن المشاركة في المجال السياسي، وأصبحت تهتم بالصالح العام في أدق تفاصيله.
من الماهية إلى الذات: إلى وقت قريب كنا نتصور أن الحياة الاجتماعية لم تعد سوى تجليات لسيطرة مطلقة، لكن أن يتجسد الاحتجاج في مفهوم الفاعل الاجتماعي، وهو المفهوم الذي يجعل العلاقة الاجتماعية بعدا أصيلا في الفرد الذي شكل نفسه ك" ذات" مخلصا إياها من الماهية التي شكلتها آليات السلطة المحددة الأدوار. أضحت الذات اسم الفاعل، وهذه الذات هي التي تشكل عصب الحراك الاجتماعي، وعن طريق طرحها للتوجهات الاجتماعية الجديدة تقوم بإنتاج المجتمع، هذا الحدث الذي عد في البداية تمردا يتم على هامش المجتمع دون تأثير، مثل نغمة فريدة في الثقافة العربية المعاصرة غير التصور.
من منطق السيطرة الاجتماعية إلى منطق الحرية: تصرف أعضاء المجتمع كفاعلين بقدر الإمكان ليخلص المجتمع نفسه من نظمه وأيديولوجياته والبلاغية عن طريق اختيار آلية للفعل بواسطتها يسعون إلى انتزاع حقوقهم اقتناعا منهم أنه لا قيام لتنمية بدون دفع كبير للحراك الاجتماعي.
من مبادئ متعالية إلى الإنتاج الحر للذات: ما تعج به الملاعب الرياضية من أناشيد مبتكرة كلمات وألحانا، قصائد شعرية وأعاني ضد الفقر، الرشوة، الظلم، التهميش...النوم في الساحات حتى لا يطوقها العسكر، (أساليب التعبئة عبر شبكات التواصل الاجتماعي) تأكيد الذات وحقوقها في مجتمع تحول الإنسان فيه إلى موضوع.
من انفجار كيان الجماعة إلى الوعي بأهمية التماسك الاجتماعي، والحفاظ على الوحدة الوطنية والاندماج الاجتماعي كما تجلى واضحا فيما يحدث في الجزائر والسودان.
مد الجسور بين مكونات المجتمع السياسي وتبنى الحكومة المدنية التعددية، (حزب النهضة) في تونس ( حزب العدالة والتنمية بالمغرب) في المغرب: تبين أن ما يصنع المجتمع المدني هو الفرد الحر المستقل في التفكير والاختيار، الممارس لهويته بصورة منفتحة عابرة لحاجز الحزب والقبيلة والعشيرة.
التحديات

التحدي الأول: تحرير فلسطين، وإنجاز الوحدة القومية الديمقراطية، والاستقلال الاقتصادي والتحرر من التبعية المالية والتكنولوجية، ودخول عالم الإنتاج والتوزيع الاشتراكي معناه، ربح أعقد التحديات التي تقف في وجه انطلاق المنطقة نحو إمكانيات وشروط تحققها الذاتي في مجال البناء الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي، ووضع حد للتدخل الإمبريالي في الحياة السياسية العربية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدفاعية، باختصار وضع حد للاستعمار الجديد في صيغته الأمريكية. 
التحدي الثاني: يتمثل في تحقيق استقلال وسيادة القرار الوطني، والانفكاك من نمط التبعية للخارج كما عهدناه لعقود طويلة في المنطقة. على قاعدة الندية والمصالح المشتركة وليس التبعية، وإطلاق مشروع تنمية اقتصادية واجتماعية على مستوى الأوطان يعمل على استغلال الثروات الوطنية والطاقات البشرية وفق رؤية مستقبلية شفافة، يقطع مع النهج السابق، أكثر قرباً من الأفراد الذين يهمهم تلمس اختلاف في مستوى المعيشة والكرامة والحصول على العمل، بخلاف ما كان عليه الوضع. في بنية تلك الأنظمة كان يحصر مخرجات الاقتصاد الوطني في يد طبقة ضيقة من المنتفعين والمستفيدين الذين غالباً ما كانوا يشكلون البطانة التي تسند نظام الحكم وتتبادل معه المنافع. 
التحدي الثالث: أن الخلاص لن يأتي إلا عبر بلورة "كتلة تاريخية" تجمع كما صاغها الجابري فئات المجتمع العريضة حول أهداف واضحة تتعلق أولا بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية السياسية والاقتصادية والفكرية، وتتعلق ثانيا بإقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها إلى درجة كبيرة التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للإنتاج، وتقوم ثالثا بحل معضلة ميراثية الدولة، بالتحام الجيش مع النظام، لخلق قوة شعبية مؤثرة بديلة قادرة على قيادة عملية التغيير حتى آخرها. وبما أن مشكلة التنمية مرتبطة في الوطن العربي بقضية الوحدة، فإن هذه الكتلة التاريخية يجب أن تكون ذات بعد قومي في جميع تنظيراتها وبرامجها ونضالاتها.
وتحدي التحديات يتجلى في الإمبراطورية الأمريكية التي تكتسح العالم متبجحة بنشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، تعيد صياغتها وفق سياسات تحمي مصالحها في جميع أنحاء العالم سواء بالتدخل العسكري أو بتطويع القانون لصالح القوة. وقد بين سمير أمين في دراسته ذات الرؤية العالمية "التراكم على الصعيد العالمي" أن التنمية والتخلف ليسا سوى وجهين لعملة واحدة هي التوسع العالمي للرأسمالية. وأن "التخلف" ليس تأخرا في التنمية يمكن تداركه بل نتيجة للتوسع الرأسمالي الموجود واقعيا، والذي تحول راهنيا إلى رأسمالية متوحشة.