www.arabnc.org
الاستقلال الوطني والقومي 28البرنامج النهائي 28المشاركون في الدورة 28البيان الصحفي للدورة 28مبادرات ومواقف المؤتمر 10 نيسان 2016 - 8 أيار 2017المشهد السياسي 28الديمقراطية وحقوق الإنسان 28العدالة الاجتماعية 28التنمية المستقلة 28التجدد الحضاري 28أمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلامالبيان الختامي للدورة 26
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
المشهد السياسي 28 ((المشهد السياسي 28))
المؤتمر القومي العربي
ARAB NATIONAL CONFERENCE

التوزيع: محدود
الرقم: م ق ع 28/وثائق 5
التاريخ: 12/5/2017
ـــــــــــــ
المؤتمر الثامن والعشرون، 12 – 13 أيار/مايو 2017، بيروت - لبنان

التحوّلات العالمية والإقليمية والمشهد العربي**

د. زياد حافظ *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأمين العام للمؤتمر القومي العربي.
*ورقة قدّمت للمؤتمر القومي العربي في دورته الثامنة والعشرين في بيروت في 12 و13 أيار/مايو 2017، كتقرير سياسي عن التحوّلات في العالم والوطن العربي.

التحوّلات العالمية والإقليمية والمشهد العربي

زياد حافظ
الأمين العام للمؤتمر القومي العربي
12 – 13 أيار/مايو 2017

مقدّمة
هذه الورقة مبنية على ما قدمّناه في الدورة السابعة والعشرين للمؤتمر القومي العربي التي عقدت في الحمامات في تونس في نيسان 2016 ولاجتماع الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي في بيروت في تشرين الأول 2015 واجتماعها في بيروت في تشرين الثاني 2016. فهذه الورقة تشكّل الجزء الرابع من رباعية تعبّر عن مقاربة للوضع الدولي والإقليمي والعربي بأبعاده الفكرية والسياسية والاقتصادية والجيوسياسية. الورقة التي قُدّمت في اجتماع الأمانة العامة في تشرين الأول 2015 عرضت مقاربة للمشهد الدولي والإقليمي والعربي مع مواطن الضعف والقوة لكل دولة. أما الورقة التي قُدّمت في دورة حمامات في نيسان 2016 عرضت مقاربة حول منطق الصراعات في الوطن العربي. وما زال ما جاءت به الورقة صحيحا أي أن المشهد العربي يحكمه صراعات بين سياسة تابعة للهيمنة الغربية وسياسة مقاومة لها. الورقة التي قُدّمت في اجتماع الأمانة العامة في تشرين الثاني 2016 استكمال للورقتين السابقتين وركّزت على المستجدّات. أما الورقة الحالية فتبحث في جذور التحوّلات ومظاهرها مع إلقاء الضوء على بعض المستجّدات التي اعتبرناها مفصلية. لا يخلو ذلك من بعض الاستنساب غير أننا نعتبر ما نقدّمه قد يصلح لمناقشة عامة لكافة القضايا التي يعتبرها أعضاء المؤتمر تستحق النقاش.
لقد أشرنا في الأوراق السابقة أن المشهد الدولي يتميّز بمسار تراجعي لقوى كانت تتحكّم بالمسار العالمي، أي الغرب، ومسار صاعد لمجموعة دول كانت في مرتبة أدنى لكنها استطاعت أن تفرض واقعها وتتصدّى لهيمنة الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص. وعندما نتكلّم عن الغرب نقصد بشكل رئيسي الولايات المتحدة وإلى حدّ ما الاتحاد الأوروبي ومن داخل الاتحاد الأوروبي ثلاث دول: المانيا، المملكة المتحدة، وفرنسا لما لها من تأثير مباشر وإن كان محدودا على مسار الأمور في الإقليم. أما فيما يتعلّق بالمحور الصاعد فهو محور دول البريكس الذي ستنضم إليه دول محور المقاومة في تقديرنا في وقت لاحق.
منذ ذلك التاريخ شهد العالم بعض الأحداث التي تصبّ في صلب التحليل الذي قدمناه خاصة فيما يتعلّق بالضعف البنيوي في الاتحاد الأوروبي وما أفضت إليه نتائج الاستفتاء البريطاني للخروج من الاتحاد. كما أن موجة الاحتجاجات المتصاعدة داخل دول الاتحاد الأوروبي أكدّت على وجود أزمة حكم إن لم تكن أزمة نظام تفرض إعادة النظر بالمنظومة الأوروبية. أما في الولايات المتحدة فانتخاب دونالد ترامب أربك النخب الحاكمة في الولايات المتحدة وفي أوروبا ومازالت تداعياته تتفاعل حتى الساعة. أما على الصعيد العربي فالمشهد الميداني في كل من العراق وسورية يشير إلى انحسار استراتيجي لجماعات التعصّب والغلو والتوحّش. وفي لبنان، ونتيجة للتطوّرات الميدانية في سورية وتغيير موازين القوة إقليميا وعربيا استطاع لبنان أن ينتخب رئيسا للجمهورية بشخص العماد ميشال عون.
هذه التحوّلات لم تأت بشكل مفاجئ ولم تأت من الفراغ. فهي تداعيات الحرب الباردة خلال النصف الثاني من القرن الماضي وما أفرزته من نتائج على البنية الفكرية في الغرب. فنهاية الحرب الباردة بين المعسكر السوفيتي والمعسكر الغربي أوجدت دينامية جديدة جذورها تعود إلى الستينات من القرن الماضي وتتجسّد اليوم في أزمة فكرية وسياسية واقتصادية على الصعيد العالمي. فمازال مبكرا التكلّم عمّا ستفضي إليه الأمور لتعقيد وتركيب المشهد الدولي والإقليمي على حد سواء. لكن لا بد من تفكيك مسار المشاهد وإن في لمحات سريعة في محاولة لفهم ما يجري ولاستشراف قدر الإمكان المستقبل. فالترابط بين ما حصل في الماضي القريب واللحظة الراهنة يساعد على استشراف المستقبل ليس من باب حتمية تاريخية غير موجودة في الأساس بل من باب فتح الآفاق والإمكانيات والخيارات. من جهة أخرى فما كان صائبا في التحليل في الحقبات الماضية لم يعد قائما اليوم. وهذا صحيح ليس فقط عند النخب العربية المتغرّبة والتي تبنّت منهج التفكير الغربي ولكن أيضا عند النخب الغربية نفسها. فهناك من لم يستطع التخلّص من اعتبارات الحرب الباردة إما عن عجز في التفكير أو بسبب مصلحة خاصة، والأرجح للسبب الأخير. وكذلك الأمر فيما يتعلّق بأدوات التحليل التقليدية التي تأخذ بعين الاعتبار مفاهيم ك "المؤسسات" والعلاقات بينها دوليا وإقليميا وعربيا أو المرتكزات الفكرية لتلك الأدوات سواء كانت ليبرالية أو نيو ليبرالية أو يسارية. هذا يتماهى مع ندعو إليه باستمرار حول ضرورة إيجاد منظومة معرفية عربية في العلوم الاجتماعية نابعة من واقعنا وتراثنا وتحاكي طموحاتنا. 
فعلى سبيل المثال ما زلنا نحلّل العلاقات السياسية بين الدول على قاعدة الدولة الأم. فهذه القاعدة اهتزّت خلال حقبة العولمة المتفجرة بعد نهاية الحرب الباردة في مطلع التسعينات من القرن الماضي التي شهدت هيمنة شبه مطلقة للولايات المتحدة، وهيمنة الشركات المتعدّدة الجنسية والعابرة للقارات، ونشأة وتطوّر مؤسسات عابرة للدول، وتراجع السياسات الوطنية لصالح عولمة لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح الشعوب والهويات الوطنية والخصوصيات الثقافية. فالعولمة التي تنادي بها قوى تزعم أنها ليبرالية تهدف إلى إضعاف الدولة المركزية في الدول التي انتهجت نموذجا ديمقراطيا، وذلك بسبب الثغرات البنيوية في ذلك النموذج الذي سمح التسلّل لقوى خفية من عالم المال ولا تدين بالولاء لأي شيء غير مصالحها. وهذه القوى الخفية تتستّر وراء ما يُسمّى بالدولة الخفية لمحاربة أي مجهود تغييري أو إصلاحي. لذلك شهدنا تردّي النخب الحاكمة الديمقراطية التي ساهمت في إضعاف الدولة عبر تفكيك القيود الناظمة وعبر محاولات تفكيك دولة الرعاية. هذا ما نشهده في العديد من الدول الغربية وحتى في المنطقة العربية.
غير أن هذا التقدّم للعولمة خلق ردّة فعل نشهد هذه الأيام مظاهرها من صعود حركات وطنية متشدّدة ونبذ التجمّعات التي تطمس الهوية الوطنية كمؤسسة الاتحاد الأوروبي. كما أن العولمة تقدّمت على حساب السيادة الوطنية لكل دولة في أوروبا وغير أوروبا مما زاد في حدّة ردّة الفعل عند الدول التي شعرت بذلك الانتقاص من سيادتها ومن طمس لهويتها. وما يدعم هذه القراءة سلسلة كبيرة من مقالات وتقارير وتحليلات في الجامعات وعلى المواقع الإلكترونية نذكر منها على صعيد المثال وليس الحصر طبعا لكثرتها كدراسة اوكسفام البريطانية والموقع الكندي www.globalresearch.ca أو موقع جامعة ايموري الأميركية www.theglobalizationwebsite. 
وردّة الفعل على العولمة تعكس أيضا التحوّلات في بنية النظام الرأس المالي حيث تحوّل الرأس المال من عامل إنتاج إلى عامل مضاربة لجني الثروات الافتراضية وتثبيت قواعد الاقتصاد الريعي الذي يتماهى مع الفساد والانقسامات الداخلية في كل بلد ومجتمع تسهيلا لاستمرار نفوذ النخب الحاكمة. فما يميّز قراءتنا اليوم عن قراءات سابقة هي ربط الصراعات الدولية والإقليمية والعربية بالتحوّلات في البنى السياسية الدولية والإقليمية والتحوّلات في النظام الاقتصادي السياسي العالمي. فمن سمات العولمة ترابط كل شيء بعضه ببعض. فالدولي مرتبط بالإقليمي والمحلّي كما أن الأخير مرتبط بالإقليمي وبالدولي. فحل أزمة النفايات في لبنان على سبيل المثال متوقف على الحل السياسي في لبنان بين القوى السياسية المتنافسة على السلطة والمرتبطة بالمحاور العربية والإقليمية المتصارعة في سورية والعراق واليمن. وهذا الحل يرتكز بدوره على الحل السياسي في بلاد الشام والرافدين، الذي يرتكز إلى الصراع العربي الصهيوني وحل القضية الفلسطينية بشكل يعيد كافة الحقوق للشعب الفلسطيني. والصراع العربي الصهيوني ناتج عن صراع قوى الاستعمار والامبريالية مع قوى التحرّر في الوطن العربي والإقليم والعالم. ويمكن قراءة العديد من القضايا العربية المحلّية من هذا المنظار ما يجعل استشراف مستقبل كل قطر مرتبط بمستقبل العرب كأمة ومستقبل الأمة في العالم. فالواقع هو الذي يفرض وحدة المصير عند العرب وإن غابت الإرادة عند النخب الحاكمة أو الطامحة للحكم!
جذور التحوّلات
ليس من السهل الرصد بدّقة تاريخ التحوّلات. فتعقيد وتركيب العلاقات المجتمعية والدولية تفرض حدّا أدنى من الاستنساب في تأريخ التحوّلات. فهي لا تبدأ في لحظة محدّدة ولا تنتهي بلحظة محدّدة. فالظروف المحيطة بالحدث تجعل من التفاعلات المتعلّقة بالحدث، أي حدث كان، سببا ونتيجة في آن واحد. فهي قصة من يأتي قبل: البيضة أم الدجاجة؟ فأي قراءة نقدّمها قد تكون بطبيعة الحال مجتزأة بسبب عدم إمكانية سرد كل المعطيات وتحديد أهميّتها في بضعة أسطر أو صفحات كما أنها لا تخلو من بعض الاستنسابية. لكن يمكننا إبراز خط بياني يساعد على فهم مسار الأمور.
في رأينا يمكن رصد حقبة التحوّلات إلى أحداث جرت في الستينات من القرن الماضي في الغرب بشكل عام وفي الولايات المتحدة بشكل خاص. شهدت الولايات المتحدّة تحوّلات في النفسية الأميركية نتيجة حادثين: الأول مقتل الرئيس جون كندي والثانية حرب الفيتنام. هذان الحدثان شكّلا صدمة في وجدان الشعب الأميركي أدّيا إلى تمرّد بين النخب المثقّفة في الجامعات وعالم الفن وبين قطاعات من الشعب. فموجة رفض الحرب والالتحاق بالجيش بسبب الخدمة العسكرية الإجبارية دعمها إعلام أدخل ويلات الحرب إلى البيوت. فالولايات المتحدة عاشت بشكل بعيد عن الحروب سواء على أرضها أو في متابعة حروب العالم وإذا يأتي التلفزيون بأخبار الحرب في فيتنام وويلاته بشكل يومي وفي كل منزل. رافقت موجة الرفض للحرب انتفاضة فكرية ضد القيود الاجتماعية فكانت حقبة التحرّر الجنسي وتعاطي المخدّرات والموسيقي الصاخبة. كما أن قمع السلطات لحركات الاحتجاج في الجامعات أدّى إلى سقوط قتلى وجرحى بين الطلاّب. فهذه الاحتجاجات كانت تعبيرا عن الهوّة بين النخب الحاكمة وعن مزاج لقسم من الشعب الأميركي. هذه كانت بشكل مختصر البيئة التي نشأ فيها ما تمّ تسميتهم فيما بعد بالمحافظين الجدد والمتدخّلين الليبراليين. فمعظم رموزهم كانت في تلك الفترة تنادي بأشكال متنوّعة للثورة أو للتغير وكسر التقاليد التي كانت تكبّل حسب رأيهم المجتمع الأميركي.
رافقت هذه الموجة إقرار دولة الرعاية عبر مشروع "المجتمع الكبير" للرئيس ليندون جونسون وحركة الحقوق المدنية. فتفاعل إقامة دولة الرعاية وحركة الحقوق المدنية مع موجة الرفض للحرب في فيتنام خلق ثقافة تمرّد على التقاليد رافقه العنف في الحراك السياسي والاجتماعي ما اسّس لموجة مضادة ظهرت في أواخر السبعينات وتتوّجت بانتخاب الرئيس رونالد ريغان. فالأخير أتى رافعا شعار القانون والأمن وضرورة تفكيك دولة الرعاية لما تفرضه من تضخم دور الدولة وما يرافقه من قيود على الأفراد. وما زالت حتى الآن شعار التيّار المحافظ داخل الحزب الجمهوري الحاكم.
في السبعينات من القرن الماضي تفاقمت تداعيات الحرب في الفيتنام على المجتمع الأميركي وتلازمت مع فساد سياسي أدّى في آخر المطاف إلى تنحّي الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون تفاديا للإقالة والمحاكمة. لكن قبل ذلك حصل تحوّلان أساسيان في السياسة الاقتصادية. التحوّل الأوّل قطع علاقة الدولار بالذهب والثاني ارتفاع أسعار النفط بشكل "مفاجئ" على يد حكومات كانت مبدئيا حليفة أو تابعة أو غير معادية للولايات المتحدة. فشاه إيران وبلاد الحرمين والعراق قادوا حركة رفع الأسعار. والحادثان مترابطان إذ الثاني يفسّر تنامي دور الدولار. رافقت هذه الموجة كل من الجزائر وليبيا. وإضافة إلى ذلك كانت أيضا موجة تأميم إنتاج النفط في الدول العربية التي لم تتمّ خارج إرادة الشركات الكبرى والولايات المتحدة. كان التفكير آنذاك عند الشركات الكبرى أن مسؤولية وملكية آبار النفط كبيرة ولا تجني الأرباح. فالأخيرة كانت في التكرير والتوزيع لمشتقّات النفط التي كانت تحت سيطرتها. حرب أكتوبر وحظر النفط ساعد الشركات الكبرى على تبرير ترك ملكية الآبار للدول المنتجة بينما كانت ممسكة بمرحلة التكرير والتسويق حيث القيمة المضافة والأرباح. لكن بعد حرب تشرين تمّ إخراج النفط من التداول كسلاح اقتصادي وسياسي وتحجيمه إلى سلعة كسائر السلع وإن كان له الطابع الاستراتيجي.
أما نتائج الحدثين فكانت كما يلي: ازدياد الطلب على الدولار بسبب ارتفاع أسعار النفط والتفاهم مع الدول المنتجة بتسعير النفط بالدولار ما جعل الولايات المتحدة تطبع الدولار دون رقابة ومساءلة ومحاسبة. الجدير بالذكر هو تنبّه الرئيس الفرنسي الراحل ديغول لخطورة هيمنة الدولار المتنامية كوسيلة أساسية في المدفوعات الدولية وضرورة الاعتماد على الذهب. فتمّ الإطاحة به في أواخر الستينات تمهيدا للتحوّل المفصلي عام 1971 بقطع علاقة الدولار بالذهب. فتمّ "تحرير" الذهب كسلعة مثل أي سلعة تخضع للعرض والطلب ولم يعد مرجعا وقاعدة للقيمة في التداول النقدي الدولي.  لذلك استطاعت الولايات المتحدة أن تموّل سياساتها الخارجية والداخلية عبر الدولار دون رقابة. من هنا بدأت الهيمنة الأميركية على العالم. 
عامل آخر لم يبرز بشكل واضح في السبعينات ولكنه كان أساسيا متجلّيا في العقدين التالين في قرار إعادة توطين الصناعات التحويلية الأميركية في الدول النامية. فأزمة النفط التي حصلت بسبب حرب تشرين/أكتوبر 1973 ساعدت في تبرير إعادة التوطين خارج الولايات المتحدة تمهيدا للانتقال إلى مرحلة ما بعد الصناعة والتصنيع والتركيز على قطاع الخدمات الذي يحرّر المؤسسات الخدماتية من سطوة النقابات العمّالية. هذا يعني أن تحوّلات في البنية الرأس المالية بدأت تظهر في نقل الرأس المال من عامل إنتاج للسلع والخدمات إلى عامل إنتاج لثروة افتراضية غير مرتكزة على قاعدة إنتاجية حقيقية. هذه التحوّلات مظهرها اقتصادي ولكن طابعها ويقينها سياسي. فالهيمنة كانت الهدف وهذا قرار سياسي بينما الاقتصاد هو التبرير لما هو سياسي ولكن بلغة الأرقام. وبطبيعة الحال فإن التحوّل في طبيعة الرأس المال ودوره الوظيفي أفرز صنفا جديدا في الطبقات الاجتماعية أي المضاربين والمنتفعين من الخدمات المالية. والمؤسسات الحاكمة أصبحت حامية لهذه الطبقة.
ما ساعد في ذلك التحوّل نحو الخدمات المالية الثورة التكنولوجية في التواصل والاحتساب والنقل حيث انفجر قطاع الخدمات من خدمات للقطاعات الإنتاجية إلى قطاع قائم بحدّ ذاته ومستقل عن مصير القطاعات الإنتاجية من زراعة إلى صناعة إلى إنشاءات. كما أن القاعدة الجغرافية لإنتاج الثروة أصبحت ثانوية أمام اعتبارات أخرى. الأدبيات في هذا الموضوع كثيرة وتروّج للمسار الجديد عبر اعتبار "أن العالم أصبح قرية كبيرة" أو أن العالم أصبح مسطّحا وأن الخيارات هي بين التراث والاستهلاك عبر التشبيه الخيار بين شجرة الزيتون وسيارة اللكسس وفقا لمنظّر العولمة الصحافي الأميركي توماس فريدمان. 
في الثمانينات من القرن الماضي برزت ظاهرة النيوليبرالية كرد على "تجاوزات" حركات التحرّر داخل المجتمعات الغربية. فالنيوليبرالية اسم على غير مسمّى. فهي ليست جديدة وليست ليبرالية. هذه الظاهرة رفعت لواء الأمن والقانون وبدأت بتفكيك عناصر القوى المعادية للقوى "المحافظة" كالنقابات العمّالية (سابقا رمز التحرّر للطبقات العمّالية!) وإعادة اعتبار للقوات المسلّحة التي تلقّت ضربة معنوية كبيرة في الفيتنام. في عصر الرئيس الأميركي رونالد ريغان وفي عصر رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر بدأت موجة تفكيك دولة الرعاية وتقديس القوّات المسلحة والأمنية، الدرع الوقائي لطريقة العيش الأميركية والغربية. كان احتلال جزيرة غرينادا من قبل القوّات الأميركية بداية إعادة الاعتبار لها كما كان احتلال جزر الفالكلاند أو الملاوين من قبل المملكة المتحدة كانت تأكيدا أن الموجة السياسية الجديدة ستكون مدعومة بقوّة عسكرية. كان شعار ريغان آنذاك "لنجعل أميركا عظيمة"، شعار ابتكره فيما بعد دونالد ترامب مع إضافة "مرّة أخرى" ما يدّل على اعتراف ضمني لتراجع أميركا في العالم في عهد كلنتون وبوش واوباما.

خلاصة أولية
نستنتج من العرض السريع أعلاه أن جذور التحوّلات بدأت في الستينات حيث الأحداث السياسية خلقت بنية ثقافية متمرّدة على التقاليد تجسّدت في رفض القرارات السياسية للنخب الحاكمة وخاصة قرار الحرب في الفيتنام كما تجسّدت في حركة تحرّر جنسي وثقافي تزامن مع حركة الحقوق المدنية للأقليات العرقية. قرار قطع العلاقة بين الدولار والذهب تزامن مع ارتفاع أسعار النفط الذي ساهم في قرار إعادة بناء الهيكلة الاقتصادية في الولايات المتحدة عبر توطين الصناعات التحويلية في الدول الناشئة. الثورة التكنولوجية في التواصل والنقل سرّعت في مسار ما نسمّيه اليوم بالعولمة حيث الهيمنة الاقتصادية الأميركية جاءت عبر السيطرة على شرايين المال وسيطرة الدولار في التداول النقدي العالمي ما سهّل مهمة تمويل سياسات خارجية وداخلية للولايات المتحدة. فالإمبراطورية الأميركية مبنية على اقتصاد افتراضي مدعوم بقوة عسكرية ذي قدرة تدميرية هائلة ومدعومة بالسيطرة على شرايين التمويل.
هذه التحوّلات أدّت إلى تغييرات هيكلية في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسكّانية والثقافية داخل الولايات المتحدة وداخل الدول الغربية. وهذه التحوّلات جعلت ظاهرة العولمة ببعدها المهيمن لمصلحة الولايات المتحدة ممكنة عبر سياسة تفكيك القيود الوطنية وتجاوز المصالح الوطنية لصالح التجمّعات الكبرى والشركات. كما أن إنشاء منظّمات دولية كالمنظّمة العالمية للتجارة في النصف الأول من التسعينات (بعد انهيار المعسكر السوفيتي)، وترويج سياسة "الشراكة" غير المتكافئة بين الدول الصغيرة والمجموعات الكبرى، أدّت إلى سيطرة شبه مطلقة على مجريات العلاقات السياسية والاقتصادية لمصلحة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. نتذكّر هنا الدعوات لبعض النخب العربية لإقامة "علاقات شراكة" مع الاتحاد الأوروبي والتلويح بهذه الشراكة كجزرة يتم إقرار التبعية للغرب والتهويل بحجبها إذا ما أقدمت الدول الصغيرة على ممارسة "استقلالية" بغيضة!  رافقت هذه التحوّلات ثقافة معادية لمصالح الشعوب داخل الدول الغربية هادفة إلى تفكيك بنى دول الرعاية لمصلحة قطاع خاص يسيطر عليه مجموعة صغيرة من الأثرياء والمتموّلين.
هنا لا بد من إبداء ملاحظة جوهرية. فالغرب الرأس المالي حاول، وبنجاح ملحوظ، أن يحيّد جاذبية الطرح الشيوعي أو حتى الاشتراكي المدافع عن الطبقات الفقيرة عبر تمكين أحزاب غير شيوعية رفعت لواء حماية تلك الطبقات. فكان حزب العمال ينطلق بعد الكساد الكبير في الثلاثينات والحرب العالمية الثانية وكذلك الأمر بالنسبة للحزب الديمقراطي وأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا الغربية. وكانت وظيفة هذه الأحزاب الموضوعية محاصرة الأحزاب الشيوعية او اليسارية عبر تبنّي تشريعات ساهمت في بناء دولة الرعاية. عند سقوط الاتحاد السوفياتي تم إبراز "تفوّق" النظام الرأس المالي على نظيره الشيوعي او الاشتراكي على حد زعم بعض المنظّرين كفرنسيس فوكوياما أو حتى الصحافي توماس فريدمان. فتنامت الليبرالية الجديدة حتى عند تلك الأحزاب التي رفعت في المرحلة السابقة لواء دولة الرعاية وحماية الطبقات الفقيرة. فكانت أشرس من طبّق التشريعات والأحكام التي ساهمت في إضعاف دولة الرعاية. فالحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة وحزب العمّال في بريطانيا والحزب الاشتراكي في فرنسا كانوا أكثر تشدّدا من الأحزاب المحافظة في العمل على تفكيك دولة الرعاية. وجود الاتحاد السوفيتي كبح جموح الرأس المالية الغربية ولكن عند سقوطه لم يعد هناك من أي قوّة رادعة لجموح الرأس المالية. الإعلام الغربي المهيمن تمّ تملّكه من الشركات الكبرى والمجموعات المالية المقرّبة من دوائر القرار فساهمت في ترويج النظريات الجديدة للنيوليبرالية.
التداعيات
أولا - التداعيات في البنى السياسية  
النموذج الديمقراطي المعمول به في الغرب يمرّ بأزمة وجودية. الانقسامات داخل المجتمعات الغربية باتت أكثر حدّة عموديا وأفقيا مع تراجع مكانة الدولة المركزية. الانتخابات الأخيرة، سواء كانت رئاسية أو استفتائية أو برلمانية، في عدد كبير من الدول الغربية تشير إلى تزايد موجة الغضب تجاه النخب الحاكمة. وفي معظم الأحيان يكون التصويت "ضد" أكثر مما هو "مع"، أي تصويت سلبي لا يعطي ل "الفائز" تفويضا سياسيا. وينجر ذلك الأمر على دولة مثل تركيا في المشرق وكوريا الجنوبية في شرق آسيا. ففي هذه الدول يتربّع الفساد ويزيد من تسلّط قوى على حساب مؤسسات الدولة والتوازن المفترض بينها. وهناك اهتزازات في دولة كبيرة كالهند والبرازيل تؤكّد أن النموذج الديمقراطي يمرّ بأزمة بنيوية قد تتحوّل إلى أزمة وجودية. من المبكر استشراف مستقبل "الديمقراطيات" ولكن ضمن قوانين اللعبة القائمة لا يمكن استبعاد تشرذم المجتمعات خاصة بين الرافضين لسياسات النخب الحاكمة التي زادت عبر سياساتها في تهميش مكوّنات اجتماعية كما زادت الفجوات الاقتصادية والاجتماعية. فتمركز الثروات بيد القلّة لم يعد يستقيم مع "نموذج ديمقراطي" مما ينذر التوجّه إلى أنماط متعدّدة للتسلّط أو الفاشية وتعاظم دور الدولة الأمنية على كافة الأصعدة. فهناك جهود لاستبدال الدولة العميقة أو الدولة الأمنية بالدولة التقليدية التي لم تعد تصلح لمواكبة مستلزمات التحوّلات التي ذكرناها.
فالبنى السياسية في الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة محكومة بحزبين رئيسيين، وفي بعض الحالات بثلاثة، يعكسان الخيارات التي يطرحها مشروعان متنافسان. مشروع يدافع على أولوية المبادرة الفردية في القطاع الخاص وتقليص دور الدولة في إدارة شؤون الناس والمتمثّل بالحزب الجمهوري في الولايات المتحدة والحزب المحافظ في المملكة المتحدة والحزب المسيحي الديمقراطي في كل من المانيا الغربية وإيطاليا. بالمقابل كان الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة وحزب العمّال في المملكة المتحدة والحزب الاشتراكي الاجتماعي في ألمانيا الغربية والحزب الاشتراكي في فرنسا ومعه تجمّع للقوى اليسارية يدافع عن خيارات تصبّ في مصلحة المواطنين وعن دور أكبر للدولة في إدارة شؤون الناس وعن تكريس فكرة دولة الرعاية. طبعا هناك فروقات واضحة بين هذه القوى ولكن الخط البياني العريض كان يدور حول تمكين دولة الرعاية وبالتالي دور القطاع العام في إدارة شؤون البلاد. وكان السبب الرئيسي حول تنمية فكرة دولة الرعاية ضرورة منافسة جاذبية الفكر الاشتراكي الذي كان يحاكي أوجاع الطبقات العمّالية من وحشية النظام الرأس المالي، وذلك خاصة بعد حقبة الكساد الكبرى في الثلاثينات وبعد تدمير البنى الاقتصادية لأوروبا بسبب الحرب العالمية الثانية.
فمع سقوط الاتحاد السوفيتي فقدت الأحزاب التي كانت تمثّل الطبقات العمّالية أحد دوافع وجودها في المشهد السياسي حيث أصبح هاجسها الأكبر إن لم يكن الأوحد الرجوع إلى السلطة أو البقاء فيها. ذابت الفروقات الواضحة بين توجّهات الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة كما ذابت الفروقات بين حزب العمّال وحزب المحافظين في المملكة المتحدة أو حتى بين الحزب الاشتراكي في فرنسا والأحزاب التي تتصارع على حمل لواء أو إرث ديغول. فوصول هذه الأحزاب إلى السلطة لم يمنعها من تبنّي سياسات كانت تطالب بها الأحزاب المنافسة لها. فعلى سبيل المثال كان تفكيك القيود الناظمة في الولايات المتحدة على يد إدارة كلنتون وليست فقط في إدارة ريغان أو بوش الأب أو فيما بعد بوش الأبن. في المملكة المتحدة تبنّى حزب العمّال "الوسطية" وابتعد عن المطالب التقليدية للحزب وحيّد دور ونفوذ النقابات العمّالية بل دعم مصالح المؤسسات المالية. كذلك الأمر في العديد من الدول التي يتحكّم فيها حزبان رئيسيان أو ثلاثة. هذا يعني أن البنية السياسية لم تعد معبّرة عن المصالح العامة بل معبّرة فقط عن المصالح الخاصة. فالاوليغارشية أي حكم الأقلّية المالية، أو حتى البلوطوقراسية أي حكم المال، أصبحت سمة البنى السياسية في الدول الغربية بما فيها اليابان وكوريا الجنوبية.
أما في فرنسا فكانت الصورة مختلفة بعد الشيء. فالتيّار المحافظ الذي تمثّل بالديغولية كان وطنيا قبل أي اعتبار آخر. فلم يتردّد ذلك التيّار منذ عصر ديغول في التصدّي للحلف الأطلسي وهيمنة الولايات المتحدة في الاقتصاد والسياسة الخارجية حتى وصول نيقولا ساركوزي. ومع وصول الأخير إلى الحكم حصلت التبعية المطلقة للنموذج الأميركي. أما الرئيس "الاشتراكي" فرانسوا هولاند فإن سياسته أصبحت نسخة طبق الأصل عن سياسة سلفه ساركوزي في الولاء المطلق للولايات المتحدة بل حتى في المزايدة عليها!  أما المملكة المتحدة فمنذ تاتشر ومع حزب العمّال وحتى الساعة كانت دائما مع سياسات الولايات المتحدة. بالنسبة لألمانيا فمع وصول انجيلا ميركل إلى المستشارية أصبحت المانيا الموحدة جزءا لا يتجزّأ من المنظومة الأميركية رغم فضائح التجسّس والتنصّت من قبل الأجهزة الاستخباراتية الأميركية على المستشارة وحكومتها.
البنى السياسية التي تحكّمت بمصير الدول الغربية منذ نهاية السبعينات حتى اللحظة لم تستطع أن تواكب نتائج القرارات التي اتخذتها. فقرارات المروّجة للعولمة التي دافعت عنها جعلت شرائح واسعة من المجتمعات الغربية تتراجع في مستوى معيشتها (باستثناء المانيا التي توحّدت في مطلع التسعينات). كما أن الانفتاح على الهجرة الوافدة من الدول الإفريقية والآسيوية في أوروبا ومن الدول أميركا اللاتينية في الولايات المتحدة أحدثت تحوّلات في البنى السكّانية هزّت التركيبات القائمة. أما أسبب هذا الانفتاح على الهجرة فيعود إلى تراجع نسبة النمو الطبيعي للسكّان الأصليين وبسبب أن الأعمال التي يقوم بها المهاجرون الوافدون لا يقوم بها السكّان الأصليون. فالحاجة السكاّنية والحاجة الاقتصادية في مرحلة نمو اقتصادي أسسّت لهجرة وافدة دون الانتباه إلى التداعيات الاجتماعية والثقافية. ناهيك أن هذه الهجرة الوافدة لم يتمّ التعامل معها بإنصاف بل بكثير من التعالي والتحقير ما أدّى إلى شعور بالعنصرية المكشوفة والتهميش الاجتماعي. أما في عصر الضيق الاقتصادي أصبحت تلك الهجرة "عبئا" و"مصيبة" اقتصادية واجتماعية استغلّتها النخب الحاكمة لتحويل الأنظار عن إخفاقاتها السياسية.  ومن هنا نفهم كلام سامويل هنتنغتون الذي حذّر من فقدان الهوية الانكلوساكسونية البيضاء البروتستنتية في الولايات المتحدة ونظريته في صراع الحضارات بين الغرب والشرق المسلم والآسيوي.
ثانيا-التداعيات في البنية الرأس المالية
التحوّلات في البنية الرأس المالية التي شهدناها خلال العقود الأربعة الماضية هي نتيجة تلك التحوّلات السياسية وليس العكس. ما نشهده اليوم في أوروبا كما في الولايات المتحدة هو حراك شعبي غير مسبوق وغير منسجم مع الأطر السياسية القائمة. ولا نستبعد تأثير الحراك الشعبي في عدد من الدول العربية على المجتمعات الغربية فيما يحصل فيها الآن من مظاهرات احتجاجية على فساد النخب الحاكمة والحكم وتزايد الفجوات الاقتصادية والقلق الاجتماعي الناتج عنه. فالأحزاب التقليدية الغربية عاجزة عن استيعاب التغييرات في البنى السكّانية كما أنها عاجزة عن التعبير عن مصالح شرائح واسعة من المواطنين. أضف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية المزمنة والتي تجلّت في أزمة الرهونات العقارية عامي 2007-2008 ساهمت في تعاظم موجات الغضب والاحتجاج على سياسات أدّت إلى إفقار الناس وتهميشهم. لذلك نمت الحركات الشعبوية الغاضبة من النخب الحاكمة وما زالت الأخيرة حتى الساعة عاجزة عن مقاربة ومعالجة الوضع.
كما أن تفكيك القيود الناظمة أضعفت مؤسسات القانون والعدل وشجّعت على حكم المال والفساد. وتفاديا لغضب الفئات المهمّشة نمت المؤسسات الأمنية الخاصة لحماية الطبقات الميسورة في مربّعات أمنية تحميها بل تعزلها عن سائر الفئات. فالتحوّل السياسي الذي نشهده في الولايات المتحدة هو عسكرة المجتمع وسيطرة أجهزة الأمن على مسار الأمور بحجة حفظ الأمن. فالقمع والتنصّت والرقابة أصبحت الوسيلة الوحيدة الباقية للفئات الحاكمة يؤازرها إعلام مملوك من شركات عددها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة وصاحبة سردية واحدة تغيّب النقد والحقيقة. أصبحت الولايات المتحدة دولة أمنية تحكمها حكومة ظل كما عبّر عنها الباحث توم انجلهاردت في كتابه الأخير "حكومة الظل" التي لا يحاسبها أحد. 
بالمقابل ظهر إعلام موازي عبر الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي يضخّ معلومات ومواقف من الصعب ضبطها أو حتى ضبط إيقاعها ما يزيد البلبلة والخوف عند شرائح واسعة من المجتمع. فالسلطة الرابعة حاملة الوظيفة الرقابية تخسر مصداقيتها يوما بعد يوم بسبب ارتباطها بالنخب الحاكمة وتمركز ملكية الاعلام في عدد قليل من الشركات تابعة بشكل مباشر أو غير مباشر للمجمع العسكري الصناعي. فعلى سبيل المثال كان عدد الشركات التي تملك أكثر من 90 بالمائة من الاعلام الأميركي عام 1983 يفوق الثمانين بينما العدد أصبح عام 2017 لا يتجاوز الخمسة. بالمقابل فإن انفجار وسائل الاعلام البديلة عن الاعلام المهيمن يفتح المجال للفوضى. فبين عدم المصداقية للإعلام المهيمن وفوضى الاعلام الموازي يحتار المرء في تكوين رأي في الأمور العامة ويصبح فريسة للسرديات التي تغذّي الغرائز والعصبيات الفرعية.
هذا التمركز في الإعلام يعكس التمركز لمعظم النشطات في شركات عملاقة ومتعدّدة الجنسية. ومع الثورة التكنولوجية في التواصل والاحتساب والنقل سقطت الحدود السياسية لمصلحة تلك الشركات. فحرّية حركة رأس المال في مراكز القرار السياسي فالاقتصادي والمالي أحدث تطوّرات عميقة في دور رأس المال وطبيعته. ففي القرن التاسع عشر حتى أواخر الستينات من القرن الماضي كان دور رأس المال دورا إنتاجيا. أما اليوم فأصبح عاملا أساسيا في اختلاق ثروات افتراضية مبنية على المضاربات وبالتالي تحوّلت طبيعته من عامل إنتاج إلى عامل ريع. ليس هنا المكان للبحث في العمق في طبيعة ذلك التحوّل لضيق المساحة في هذا التقرير فنكتفي بالإشارة إليه مع التأكيد على دوره المفصلي في اقتصادات دول متقدّمة كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة. هذا لا يعني إلغاء دوره في القطاعات الإنتاجية التقليدية كالزراعة والصناعات الثقيلة والتحويلية بل أن هذه القطاعات أصبحت متأثرة بالتغيير في طبيعة الرأس المال عبر ما يُسمّى ب "الهندسة المالية" وإصدار الأوراق المالية ليس فقط لتمويل تلك المشاريع الحقيقية بل لصنع ثروات افتراضية تطغى على الاقتصاد الحقيقي. فالربح الأساسي الذي يجنيه رأس المال هو عبر الأسواق المالية وشرايين التدفّق المالي والمضاربات.
ثالثا-التداعيات في الولايات المتحدة.
السمة الرئيسية للإدارات الأميركية المتتالية منذ نهاية الحرب الباردة هي الرداءة: الرداءة في الفهم والمعرفة والأخلاق. وهذه الرداءة نجدها في كل الدول التي تتبنّى النموذج الديمقراطي المبني على الرأس المالية المالية وليس الرأس المالية الإنتاجية. فمنذ ولاية كلنتون ومرورا ببوش الابن واوباما واليوم مع دونالد ترامب هناك خط بياني بالتراجع والأفول وقد يصل إلى الانهيار. لقد أشرنا إلى ذلك في كتابات عديدة. أما اليوم فتتأكّد قراءتنا للمشهد الأميركي ورداءة نخبه الحاكمة عندما نستعرض الإدارة الجديدة. 
انتخاب دونالد ترامب كانت ردّة فعل على تجاهل النخب الحاكمة لهواجس شرائح واسعة من الشعب الأميركي. بالمقابل كانت المرشحة الديمقراطية، التي سرقت تسمية حزبها للرئاسة من برني سندرز، مثلّت غطرسة وعنجهية النخب الحاكمة. لم يُنتخب ترامب لأنه الأفضل أو الأقل سوءا من هيلاري كلنتون بل لأنه "غير هيلاري كلنتون". فقطاعات واسعة من ناخبيه صوّتت ضدّها بينما لم تخف كلنتون احتقارها لناخبي ترامب. فكانت هزيمتها حتمية رغم كل ادّعاءات الاعلام المهيمن حول حتمية فوزها. لذلك نعتبر انتخاب ترامب من مظاهر الاحتجاج على التحوّلات في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي حصلت في الولايات المتحدة خلال العقود الأربعة الماضية.
ليس المهم بالنسبة لنا ولأغراض هذا التقرير التركيز على شخصية الرئيس الجديد وإن كانت تستقطب معظم التحليلات والتعليقات. فالمهم هو رصد، إذا أمكن، ملامح سياسته الداخلية والخارجية. ففي الأشهر الأولى من ولايته بات واضحا من التعيينات التي أتى بها في إداراته ومن القرارات التي اتخذها أن الاهتمام الأساسي لديه هو المشهد الداخلي في الولايات المتحدة. هناك جدل صاخب في الولايات المتحدة حول هذه السياسات سواء على الصعيد الاقتصادي والمالي أو على الصعيد البيئي أو على الصعيد الحرّيات العامة والدستور. 
أ-الشق الداخلي. فعلى الصعيد الداخلي حاول ترامب منذ اللحظات الأولى بعد تسلّمه الإدارة تطبيق الوعود التي قطعها خلال حملته الانتخابية. فالتعيينات لوزرات الشأن الداخلي كالتربية والبيئة والعدل والمالية تدل على ميل نحو المزيد من النيوليبرالية التي تحدّ من دور الدولة وبالتالي "تجفّف المستنقع" على حد قوله، علما أن "المستنقع هو الدولة العميقة وارتباطها مع المجمّع العسكري النفطي المالي والأمني. فبعض الوزراء لم يخفوا رغبتهم في تفكيك مؤسسات هامة كمؤسسة حماية البيئة. 
فنسرد على سبيل المثال وليس الحصر بعض الأسماء الملفتة لعدم صلاحها للمهام التي أوكلت بها. فوزير البيئة سكوت برويت قاضى عدّة مرّات الوكالة نيابة عن شركات الطاقة والفحم وتعهّد بتفكيك الهيئة الناظمة لتلك الوكالة، أي اليوم الذئب أصبح مولجا بحماية الخرفان!  أما وزير العدل جيف سيشونز، وهو الشيخ السابق من ولاية الاباما الجنوبية فهو معروف بمواقفه العنصرية. فكيف يمكنه أن يطبّق العدالة بين المواطنين؟ وعلى صعيد وزارة التربية فتعيين المليارديرة بتسي ديفوس من ولاية ميشيغان حيث ترأست لجنة الحزب الجمهوري، فهي تدعو إلى تخفيف الدعم الحكومي للمدارس والتركيز على المدارس الخاصة علما أن خبرتها في الموضوع محدودة. أما وزير الإسكان فهو المنافس الأساسي لدونالد ترامب في مرحلة الانتخابات البدائية وهو طبيب جرّاح للأعصاب ولا خبرة له لا في الإدارة العامة ولا في شؤون الإسكان. ووزير الطاقة ريك بري المرشح السابق لتسمية الحزب الجمهوري وحاكم ولاية تكساس الأسبق والمعروف عنه بالتهديد بانفصال تكساس عن الدولة الاتحادية، فهو قريب جدّا من شركات الطاقة. والسؤال كيف يمكن لهؤلاء "تجفيف المستنقع"؟
والمفارقة تكمن في التناقض بين وعوده لحماية الطبقات العمّالية التي أهملتها الإدارات السابقة الديمقراطية والجمهورية على حد سواء وبين نوعية الوزراء من الاوليغارشية المالية الذين أصبحوا بشكل مباشر في أروقة الحكم وليس عبر ممثّلين لهم كما كان في السابق. كما أن وعده بإسقاط قانون الرعاية الصحية المعروف باوباماكير من أول مشاريعه التي أحالها إلى الكونغرس الأميركي. لكنه اصطدم بمعارضة قوية من داخل حزبه إضافة إلى المعارضة المفتوحة من قبل الحزب الديمقراطي. فمُني الرئيس ترامب بأول هزيمة على الصعيد التشريع الداخلي بسبب عدم سيطرته على حزبه.
كما أن مشروعه لتقليص النفقات العامة اصطدم بقراره برفع نفقات وزارة الدفاع ب 52 مليار دولار ما يعني تخفيض نفقات الوزرات الأخرى منها الخارجية والتربية والبيئة. حتى اللحظة ليس من الواضح كيف سيستطيع الرئيس الأميركي تمرير مشروع موازنته التي تواجه اعتراضات من الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي وكل لأسباب مختلفة وحتى متناقضة.
أما مسرحية قراره بحظر قدوم المسلمين من عدّة دول إسلامية فجوبه بقرارات متكرّرة من المحاكم الاتحادية تنقض ذلك القرار. فهناك أكثرية وازنة بين الأميركيين تنتقد ذلك القرار بما فيه مؤسسات يهودية التي تخشى أن يتغيّر المزاج في الولايات المتحدة ويطال أيضا اليهود.
ما يزيد الأمور ارباكا وارتباكا ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن في العالم أجمع هو الصراع الداخلي في الكونغرس الأميركي. فعند تحرير هذا التقرير تواجه الإدارة الأميركية إمكانية أقفال النشاط في الحكومة والمؤسسات التابعة لها بسبب عدم التوافق على الموازنة وعلى قائمة النفقات التي تريدها الإدارة. فيصبح السؤال كيف يمكن للولايات المتحدة أن "تدير العالم" وهي عاجزة عن إدارة حكومتها ووضعها الداخلي؟
ب-التخبّط في الشق الخارجي. أما على الصعيد الخارجي فما زالت الأمور غامضة لعدّة أسباب. لكن ما يمكننا أن نستخلصه من خلال فترة المائة يوم الأولى من ولايته هي أنه يتأقلم بسرعة مع مقتضيات السياسات الخارجية السابقة العدوانية والإجرامية بطبيعتها والتي كان قد انتقدها خلال حملته الانتخابية. فما نشهده الآن هو العودة إلى سياسات أوباما وبوش الابن وإن بنكهة مختلفة. الخط البياني هو تجاهل القانون الدولي والمؤسسات الدولية وإن كانت (القانون والمؤسسات) مبنية لمصلحة الولايات المتحدة. فبعد سقوط الاتحاد السوفيتي لم تعد الولايات المتحدة تتحمّل أي نوع من القيود. فكل أعمالها العسكرية في العالم هي خارج القانون الدولي. والهجوم على القاعدة السورية شعيرات أو الإنزال العسكري في شمال شرق سورية خارج إطار القانون الدولي ومجلس الأمن.
التخبّط والارتباك سمة السياسة الخارجية الأميركية قبل ترامب ومعه. والسبب الأول هو عدم وجود رؤية متماسكة للمشهد الدولي. فنظرته للأمور نظرة رجل الصفقات وليست المواقف والاستراتيجيات. فلا عداء أو صداقة مع الدول إلاّ من باب المصلحة المباشرة من خلال صفقة يمكن تسويقها كمصلحة أميركية. هذا الموقف العملي يصطدم بسياسة أسلافه التي اتسمت ببعد سياسي عقائدي كنشر الديمقراطية أو تغيير الأنظمة لتصبح تابعة لسياسة الولايات المتحدة إلخ. وهذه التوجّهات عند ترامب قد تؤدّي إلى تقليص مسرح الاشتباكات المتورّطة فيها في عدد من الدول. الولايات المتحدة متورّطة بحروب أو أعمال عسكرية مباشرة في سبع دول اليوم وتاريخ الولايات المتحدة يدلّ أن على مدى 240 سنة من عمر الدولة كانت الولايات المتحدة متورّطة (وما زالت حتى الساعة!) في حروب لمدة 215 سنة. فقط 15 سنة خلال فترة الكساد الكبير لم تكن الولايات المتحدة متورّطة في حروب. فالحروب مصدر رزق للمجمّع العسكري الصناعي الأمني وهذا المجمّع يسيطر على الدولة العميقة. فسياسة ترامب تصطدم مع مصالح المجمّع العسكري الصناعي الذي هو المحرّك الأساسي للاقتصاد الفعلي في الولايات المتحدة. لكن هناك فجوة بين رغبته في عدم توريط الولايات المتحدة في حروب لا يفهم جدواها (وهو محقّ في ذلك) وبين مقتضيات الدولة العميقة التي تعيش من الحروب. حتى الساعة ليس هناك من توجّه خاص لهذه الإدارة سواء استكمال سياسة أوباما بشكل أو بآخر.
السبب الثاني الذي يعزّز عدم وجود رؤية متماسكة هو التباين بين آراء ترامب في عدد من الملفّات كروسيا وآراء وزرائه في الخارجية والدفاع وسفيرته لدى الأمم المتحدة. فالعداء الواضح لروسيا يتحكّم بتصريحات مساعدي ترامب. فهم من صلب النخب الحاكمة التقليدية وعلى تماهي مع أهداف الدولة العميقة. بالمقابل هناك أيضا داخل البيت الأبيض من يروّج لأجندات ليست بالضرورة من اهتمامات ترامب المباشرة. فعلى سبيل المثال هناك رؤية مستشاره الاستراتيجي ستيفن بانون (المرشّح لخسارة موقعه تحت ضغط صهر الرئيس جارد كوشنير) يصف بها حتمية صراع حضارات جديد مع الإسلام بشكل عام، ومع إيران بشكل خاص، ومع الصين. فهي نسخة مجدّدة لنظرية برنارد لويس والتي روّجها سامويل هنتنغتون. 
عدم التماسك في الرؤية تجلّى في تقلّب المواقف تجاه سورية وروسيا والصين. عند تحرير هذا التقرير نشهد تقلّبات شبه يومية في مختلف الملفّات الخارجية مما ينذر بانزلاقات خطيرة بسبب الارتجال والحماقة. أو على الأقل لا يجب أن يؤخذ على معمل الجد تصريحات رموز الإدارة بل متابعة ما تقوم به الأخيرة على الأرض. وهذا ما يزيد الغموض والبلبلة.
السبب الثالث هو نجاح الدولة العميقة في إفشال أو إجهاض مبادرات ترامب في السياسة الخارجية. فبعد تصريحاته المعروفة خلال الحملة الانتخابية حول جدوى التفاهم مع روسيا على الأقل في مواجهة جماعات التعصّب والغلو والتوحّش وبالتالي التفاهم ضمن حدود مع الدولة السورية واجه وما زال يواجه موجة من الهجومات والانتقادات حول هذه السياسة. فحملة التشهير ضد كل من تواصل مع السلطات الروسية خلال الحملة الانتخابية وخلال المرحلة الانتقالية أصبح في دائرة الاتهام بالخيانة العظمى.
فهذه المواجهة مستمرة وتتسم في المرحلة الحالية في محاولة القضاء نهائيا على التقارب الممكن مع روسيا كما القضاء على محاولة إنهاء دور جماعات التعصّب والتوحشّ والغلو في كل من العراق وسورية. فوجود هذه الجماعات مبرّر لتواجد عسكري متزايد في كل من العراق وسورية في محاولة لخلق وقائع تلغي إنجازات كل من الجيش العربي السوري وحلفائه الإقليميين والعرب، ولكبح نفوذ حلفاء إيران في العراق في مواجهة تلك الجماعات، وطبعا للحد من نفود ودور الجمهورية الإسلامية في إيران في كل من العراق وسورية. فليس من الصدف أن تتصاعد العمليات الهجومية لهذه الجماعات في كل مرّة تقترب جهود روسيا في انجاز تقارب بين الفصائل المسلّحة في سورية. 
الدولة العميقة تريد إطالة الحرب في سورية وليست إنهائها. لذلك استطاعت أن تجهض اتفاقية لافروف وكيري بشأن سورية في خريف 2016 عبر الهجوم "عن خطأ" على مواقع الجيش العربي السوري في دير الزور ما أدّى إلى تقدّم داعش في تلك المنطقة. كما أن نجاح الجيش العربي السوري في صدّ هجمات جماعت التعصّب والغلو والتوحّش في كل من محيط دمشق وحمص وصولا إلى ريف حماة أجبر كل من ترامب ووزير خارجيته وسفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة بالإعلان أن رحيل الرئيس بشار الأسد لم يعد من أولويات الإدارة. فالأولوية هي القضاء على الإرهاب. أعربنا عن شكوكنا في ثبات ذلك الموقف الصريح والمتعارض مع توجّهات الدولة العميقة فكانت فاجعة خان شيخون التي تمّ اتهام أولا روسيا ثم الرئيس الأسد.
لذلك شهدنا تراجعا موقتا (وقد يطول) في رأينا في تصريحات الرئيس الأميركي حول التقارب مع سورية. فالعدوان على المطار الحربي في شعيرات في سورية يأتي في سياق حملة مركّزة من قبل الدولة العميقة وحلفائها الإقليميين (الكيان الصهيوني وبلاد الحرمين وقطر والأردن) في تلفيق الاتهام للدولة السورية بقصف بمواد سامة منطقة خان شيخون في ريف ادلب. هذا العدوان كاد يضع الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا وحلفاءها الإقليميين والدوليين. عند تحرير هذا التقرير تمّ تفادي المواجهة المباشرة لامتصاص كل من سورية وإيران وروسية العدوان وتبيان هزالة نتائجه العسكرية وما كشفت من ضعف في الآلة العسكرية الأميركية. فإصابة 23 صاروخ فقط لأهداف هامشية في الشعيرات من أصل 59 صاروخ أطلقتها بارجتان أميركية من شرق بحر المتوّسط تدلّ عن إما إخفاق في أجهزة التحكّم لدى الصواريخ أو تمكّن المنظومة الدفاعية الروسية من إسقاط حوالي 36 صاروخ. فبغض النظر عن التأويلات حول "فعّالية" الصواريخ الأميركية فالرد لمحور المقاومة كان واضحا وهو الاستمرار في ضرب معاقل جماعات التعصّب والغلو والتوحّش والتقدّم على الأرض. أما اللقاء بين الوزيرين لافروف وتيليرسون في موسكو في شهر نيسان/ابريل فكرّس التباين في المواقف ولكنه كرّس أيضا الرغبة الأميركية في عدم التصادم المباشر مع روسيا.
السبب الرابع للتخبّط والارباك والارتباك هو عدم الخبرة والمعرفة بالقضايا الدولية. وهذه سمة الإدارات الأميركية منذ عهد كلنتون. هناك تراجع في مستوى المقاربات الدولية من قبل نخب تدّعي التخصّص بها ولكنّها تتصرّف وفقا لأجندات تخدم فقط مصالح الدولة العميقة على حساب مكانة الولايات المتحدة في العالم. ويتمّ الإضاءة على عدم خبرة هذه الإدارة لأنها آتية من خارج السرب التقليدي للنخب الحاكمة. فهناك تركيز من قبل الإعلام المهيمن ومراكز الأبحاث على ضعف المسؤولين. فوزير الخارجية ريكس تيللرسون كان رئيس شركة اكسون النفطية وخبرته بالشأن الدولي مرتبطة فقط بالعلاقات التي نسجتها شركته في العالم. أما وزير الدفاع جون ماتيس (الملقّب بالكلب المجنون!) أو مستشار الأمن القومي هربرت مكماستر فهما من المؤسسة العسكرية. لديهما الخبرة في الأداء العسكري والإدارة العسكرية وحل مشاكل ولكن ليس في طرح تصوّرات استراتيجية. فبالنسبة للتصوّر السياسي والتعامل مع العالم أجمع فخبرتهما محدودة إن لم تكن معدومة. هذا لا يعني أنهما جاهلان بل تنقصهما الخبرة والمعرفة بقضايا العالم. لكن بالمقابل هما صاحبان لمواقف عقائدية تجاه روسية والمسلمين بشكل عام والجمهورية الإسلامية بشكل خاص ما يجعل استشراف توجهّاتهما مهمة صعبة للغاية. فأين تبدأ الواقعية السياسية وأين تستمر العقائدية في المواقف؟ لا نستطيع الإجابة على ذلك بشكل قاطع. وكذلك الأمر للعديد من وزراء ترامب.
عند تحرير هذا التقرير تواجه الولايات المتحدة عدة أزمات قد تتطوّر بشكل مفاجئ وكارثي. هناك الملف السوري حيث أظهرت الإدارة الجديدة تقلّبات في الموقف يعكس عدم وجود استراتيجية واضحة بل ميل لعقد صفقات تحاكي اللحظة الراهنة في تقدير الإدارة ولكنها لا تندرج في سياق موقف متكامل. هكذا الأمر بالنسبة لكوريا الشمالية حيث أطلقت تهديدات لها واجهتها كوريا الشمالية بإمكانية حرب نووية، فلجأت الولايات المتحدة إلى الصين وروسيا لتهدئة الوضع. والملفت للنظر أن الجماهير في كوريا الجنوبية أقامت مظاهرات احتجاجية حول تموضع لبطّاريات الصواريخ الأميركية فوق الأراضي الأميركية. فالكوريون الجنوبيون يعلمون أن أي مواجهة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية ستكون هي من سيدفع الثمن. أما بالنسبة للجمهورية الإسلامية في إيران فنشهد كلاما عالي النبرة رغم التأكيد على التمسّك بالاتفاقية النووية المعقودة. والكلام العالي يتناقض مع قدرات عسكرية دون الحجم والمستوى المطلوب لمواكبة النبرة العالية.
هذا التوجّه التصعيدي تتعارض معه المعطيات العسكرية المحض. فالخبراء العسكريون وأصحاب العقول الباردة يعتبرون أن الجهوزية القتالية للولايات المتحدة محدودة جدّا. ويستندون في رأيهم على ما رسخ من جلسات استماع في الكونغرس للقيادات العسكرية في شهر شباط/فبراير 2017. فعدد الفرق القتالية (العمود الفقري للوحدات القتالية) الجاهزة هو فقط ثلاثة من أصل أربعة وخمسين. وعلى صعيد القوّات البحرية فهي في أصغر حجم لها منذ حوالي مائة سنة!  أما على صعيد القوّات الجوية فقد تراجع عدد المقاتلات من 8،600 مقاتلة عام 1991 إلى 5،500 مقاتلة حاليا. ومتوسط أعمار هذه المقاتلات 27 سنة مما يجعلها قديمة جدا لمواجهة قوّات جوّية معادية أكثر حداثة وتطوّرا. بالمقابل فإن "مؤسسة التراث" أو "هريتاج فونداشن" وهي من أعرق خزّانات الفكر المحافظة فتقييمها للقوّات المسلّحة الأميركية لعام 2017 في "مؤشر القوّة العسكرية الأميركية" جاء كما يلي: الجيش "ضعيف" بينما القوّات البحرية والمارينز والجوّية صنّفت بفعّالية "هامشية" في حال نشبت حرب مع دول مسلّحة ومدرّبة جيّدا. لذلك هناك معلومات تفيد أن البنتاغون غير راغب في تصعيد كبير أو مواجهة كبيرة مع أطراف إقليمية أو دولية بسبب ترهّل الإمكانيات العسكرية. فزيادة نفقات وزارة الدفاع التي أقرّت في مشروع الموازنة الأميركية الجديدة هي لإعادة تأهيل الترسانة التقليدية والتي لن تصبح جاهزة عمليا إلاّ عام 2022 في أحسن تقدير. أما الصورة الخرافية عن فعّالية القوّات الأميركية فهي من صنع استديوهات هوليود والترويج الإعلامي له. 
القدرات العسكرية تتآكل يوما بعد يوم ما يجعل القاعدة الأساسية للمشهد عدم التوازن بين الرغبات والقدرات. فمؤخرا وجّهت الولايات المتحدة اتهامات دون دلائل زاعمة أن روسيا تسلّح الطالبان في أفغانستان. هذه التقلبات في المواقف تدلّ على خفة وعدم تخطيط وارتجال في المواقف خدمة لمصالح آنية.
أما بالنسبة لملف الصراع العربي الصهيوني فعلى ما يبدو هناك سعي لإيجاد نهج تحالفي بين الولايات المتحدة وبعض الدول العربية "المعتدلة" والكيان الصهيوني لتصفية القضية. قد نشهد تزايد الضغوط على محور المقاومة لكل من إيران وسورية وحزب الله والمقاومة الفلسطينية في غزّة، ولكن دون وجود قدرة على ضبط الإيقاع والتداعيات لمصلحة الحلف التي قد تكون عكسية لتوقّعاته بل لمصلحة محور المقاومة. هنا أيضا عدم الاستقرار والتوازن سمة المرحلة الراهنة.
رابعا-التداعيات في الاتحاد الأوروبي
الاتحاد الأوروبي كنموذج سياسي يمر بأزمة بنيوية سياسية قد تطيح بوجوده. فاصطفاف الاتحاد الأوروبي إلى جانب الولايات المتحدة في السياسة كما في الاقتصاد أدّى إلى هوّة بين أركان الاتحاد كمؤسسة وكحكومات مؤيّدة له وشعوب الدول الأوروبية. لذلك نرى في عدد من الدول الأوروبية حراكا شعبيا وسياسيا يهدف في الحد الأدنى إعادة النظر في تركيبة الاتحاد وسياساته المالية والاقتصادية والتشريعات المنبثقة عنها، وفي الحد الأقصى الخروج نهائيا من تلك التشكيلة. فهناك موجة لإعادة الاعتبار للهوية الوطنية وللسيادة القطرية لكل دولة بما فيها حق صكّ العملة التي تشكّل رمزا أساسيا للسيادة. وللمزيد عن كل ذلك يمكن العودة إلى الورقة التي قُدّمت لاجتماع الأمانة العامة في تشرين 2016. لم يطرأ أي إضافة نوعية على عُرض آنذاك وما زال المقاربة صحيحة اليوم.
تشهد دول الاتحاد الأوروبي موجة احتجاجات شعبية متعدّدة الألوان ولكن المشترك بينها هو رفض سياسات ونتائج مؤسسات الاتحاد الأوروبي. الأسباب متشابهة مع ما حصل في الولايات المتحدة ولكن مع بعض الفوارق. فمع تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية جاءت موجات النزوح من لاجئين من دول الحروب الأهلية ومن ساعين لحياة أفضل من شمال إفريقيا وبعض الدول الآسيوية. موجة المهاجرين سهّلتها سياسات الاتحاد الأوروبي لسببين رئيسيين ذكرناهما أعلاه: الأول تعديل في معدّل النمو السكّاني المتراجع في هذه الدول. فمعدّل النمو الطبيعي أقل ممّا يلزم للحفاظ على الحضارة الغربية. فالمهاجرون بأعدادهم وبتكاثرهم يساهمون في نمو المجتمعات الأوروبية. امّا السبب الثاني فلأن المهاجرين يشكّلون يدا عاملة رخيصة خاصة وأنهم على استعداد بالقيام بأعمال لم يعد الأوروبيون الأصليون القيام بها.
هذه الاضطرابات تخضع لأحكام التطوّرات التي ذكرناها أعلاه أي في البنى السياسية والسكّانية والتحوّلات في الاقتصاد حيث تركيز النخب الحاكمة أصبح على الاقتصاد الافتراضي المالي بدلا من الاقتصاد الفعلي. أزمة الرأس المالية تظهر بوضوح أكثر في أوروبا حيث القاعدة الإنتاجية الصناعية والزراعية تشهد منافسة كبيرة من الدول الصاعدة في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا. كما أن مؤسسات دولة الرعاية تخضع لهجوم من قبل النخب النيوليبرالية التي تهدف إلى تفكيكها وخصخصتها وذلك عبر سياسات تدّعي "التقشّف" كما حصل في اليونان وكما دعت له حكومة المحافظين برئاسة دافيد كاميرون والآن مع تيريزا ماي. 
هنا أيضا يخضع النموذج الديمقراطي لاهتزاز كبير مع صعود الخطاب الفئوي التمييزي الذي يحاكي الغرائز والعصبيات المحلّية. ومظاهر ذلك الخطاب تركّز على اللون وعلى الدين. فالبشرة السمراء أو السوداء أو مظاهر التديّن غير المسيحي أصبحت مرفوضة وبالتالي تضرب عرض الحائط مزاعم العلمانية في أوروبا والغرب بشكل عام. ما زال الحراك قائما وليس هناك من دليل عن اقتراب الانتهاء من ذلك الخطاب الفئوي. فالهويات الفرعية في تصاعد سواء كاحتجاج على منظومة الاتحاد الأوروبي أو دفاعا عما يعتقدون أنه الهوية الوطنية.
خروج المملكة المتحدة منعطف أساسي ليس فقط لمستقبل الاتحاد كمؤسسة ولكن حتى لمستقبل المملكة المتحدة. فمن جهة خسرت الولايات المتحدة أهم وأوثق حليف لها داخل الاتحاد مع خروج المملكة المتحدة منه، ومن جهة أخرى هناك دعوات للخروج من المملكة المتحدة. فالحزب الوطني الأسكتلندي يعيد طرح الانفصال عن المملكة المتحدة والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. كما أننا نرى دعوات في ايرلندا الشمالية للوحدة مع الجمهورية الأيرلندية للبقاء داخل الاتحاد الأوروبي. ودعوة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي لانتخابات مبكرة في شهر أيار/مايو 2017 هي لضمان أكثرية وازنة داخل البرلمان البريطاني وذلك لمواجهة مطالب الأسكتلنديين والأيرلنديين الذين قد يعرقلون خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. كل ذلك يعني أن المملكة المتحدة قد تنحسر إلى مقاطعة إنكلترا ومقاطعة الويلز ما يجعل بريطانيا غير عظمى!  وهنا يمكن التساؤل عن دور ومستقبل المملكة المتحدة على صعيد العلاقات الدولية والمكانة التي تحتلّها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالمملكة المتحدة دولة في الأفول السريع وقد لا يسمح لها حجمها السكّاني الجديد والاقتصادي والعسكري في الاستمرار في مكانة دولة عظمى على الصعيد الدولي بل ربما فقط كدولة وازنة في أوروبا الغربية.
هناك مفارقة في المشهد السياسي البريطاني. فالحزب المحافظ الحاكم يحظى بشعبية رغم سياساته التقشّفية. كما أن هذا الحزب من أنصار البقاء داخل الاتحاد الأوروبي. من الصعب فهم قرار رئيس الوزراء الأسبق الاقدام على طرح استفتاء حول البقاء في الاتحاد الأوروبي فكانت النتيجة سلبية تجاه توقّعاته ما أدى إلى استقالته. خليفته رئيسة الوزراء تيريزا ماي تجاهر في العمل على الخروج من الاتحاد الأوروبي. فأين موقفها الفعلي؟ هل هي مراعاة لناخبين أم قناعاتها الخاصة؟  وأين موقف البريطانيين من كل هذه التطوّرات؟  بعض الإجابة قد تأتي من خلال الانتخابات المبكرة التي دعت إليها ولكن لا نرى استقرارا في المشهد السياسي البريطاني.
أما في فرنسا فهناك موجة عارمة رافضة للنخب الحاكمة التقليدية سواء على اليمين أو على اليسار. ففي الانتخابات التمهيدية تم إقصاء ساركوزي وجوبي في الحزب الجمهوري اليميني. وفي الحزب الاشتراكي لم يترشّح الرئيس الفرنسي لتدنّي شعبيته إلى حوالي 4 بالمائة. أما فرانسوا فيون فخطيئته كانت انفتاحه على روسيا فتمّ التشهير به من قبل النخب المعولمة الليبرالية. المرشحون الأربعة البارزون (ماكرون، لوبآن، ميلانشون، فيون) فثلاثة منهم يرفضون العولمة والاستمرار داخل الحلف الأطلسي. 
فعند تحرير هذا التقرير تفيد الأنباء عن احتمال فوز ايمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية التي ستجري على مرحلتين: الأولى في 23 نيسان/ابريل، والثانية في 7 أيار/مايو 2017. هذا يعني استمرار فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي ولكن كدولة ضعيفة لا تستطيع رفض إملاءات بروكسيل وبرلين.  لكنه سيواجه معارضة شعبية قوية تنذر بعدم استقرار مزمن لأن ماكرون يمثّل تيّار العولمة مع سلبياته وايجابياته. لكن ولائه للمؤسسات المالية التي انبثق منها ستجعله يصطدم مع شرائح عمّالية واسعة ما يفرض تحكّم الدولة الأمنية بمفاصل الحكم في فرنسا. أما في حال فوز مارين لوبين فهذا يعني إعادة النظر بالعديد من ترتيبات الاتحاد الأوروبي وحتى الخروج منها. نتائج الدورة الأولى تشير إلى أن الانقسام في فرنسا عامودي على قاعدة الانتماء الاجتماعي وأفقي على قاعدة الجغرافيا. ليس من السهل التوفيق بين كل ذلك.
من جهة أخرى تتنامى دعوات انفصالية في فرنسا كجزيرة كورسيكا وبلاد الباسك ومقاطعة بريتانيا. حظوظ حصول ذلك ضئيلة حتى الآن ولكن استمرار سياسات اقتصادية واجتماعية فاشلة قد تعزّز تلك النزعات. ما يمكننا استخلاصه من الانتخابات الفرنسية نهاية الانقسام بين يمين ويسار حيث التقى اليمين مع اليسار في التوجّه نحو العولمة والتكنوقراطية والأقليّة المتموّلة. فقط ما يُسمّى باليمين المتطرّف (لوبآن) واليسار المتطرّف (ميلانشون) هناك تلاقي على السيادة الوطنية ورفض العولمة. في كلا الحالتين تغيب ما كان يتغنّى به الغرب: الديمقراطية.
في المانيا تواجه المستشارة انجيلا ميركل استحقاقا انتخابيا في خريف 2017. شهدت ألمانيا صعود "الحزب الآخر" الذي يرفض سياسة الانفتاح للنازحين والمهاجرين. أزمة المهاجرين والنازحين من منطقة شرق الأوسط وآسيا الوسطى وشمال إفريقيا تهدّد المشهد الداخلي في المانيا. ففي ذلك البلد كما في المملكة المتحدة وفرنسا، وفي دول أخرى كالدنمارك وهولندا والنمسا، أخذت أزمة المهاجرين بعدا عنصريا ساهم في صعود النزعات الفاشية في تلك البلاد.
أما في دول أطراف أوروبا كإسبانيا وإيطاليا فالنزعات الانفصالية بين مقاطعات الشمال ستشتد مع تنامي موجات النازحين والمهاجرين. إضافة إلى ذلك فهناك الأزمة الاقتصادية المزمنة والمتفاقمة والتي لن تحّل في أطار أحكام الاتحاد الأوروبي والنموذج النيوليبرالي التي تروّج له. أما النموذج السياسي القائم والمرتبط بسياسات العولمة يتناقض مع مقتضيات الهويات الوطنية التي باتت مهدّدة من الموجة الوافدة. كذلك الأمر بالنسبة لليونان التي عانت من وطأة همجية السياسات الفاسدة التي ارتكبتها حكومات سابقة بالتواطؤ مع مؤسسات مالية دولية كغولدن ساكس ومصارف اوربية متعدّدة منها المصارف الألمانية. استطاع صندوق النقد الدولي أن يفرض قسريا على الحكومة اليونانية سياسات تقشّف للاستفادة من دعم الاتحاد الأوروبي ما زاد من إفقار شرائح واسعة من الشعب اليوناني دون أي مساءلة أو محاسبة لمسببي الكارثة الاقتصادية والاجتماعية. ويبقى السؤال: إلى متى ستستمر تلك السياسات؟
وأخيرا لا بد من بعض الملاحظات حول نوعية القيادات الأوروبية. فهناك فارق كبير في نوعية القيادات التي أسست للمشروع الأوروبي ككونراد اديناور وشارل ديغول وبين مجموعة القيادات التي تلتهما في معظم الدول الأوروبية أو حتى بعد ويلي براندت أو هلموت شرودر أو مارغاريت ثاتشر! أمركة القيادات في كل من المملكة المتحدة وفرنسا وفي بعض دول أوروبا الشرقية أدّى إلى إفساد ضرورة المجيء بشخصيات متمتّعة بمستوى الكفاءة والأخلاق الضرورية. فعندما نرى تهم الفساد الملقاة على معظم المرشّحين للرئاسة في فرنسا نقيس مدى الانحدار الأخلاقي والمعرفي منذ رحيل ديغول. وكذلك الأمر بالنسبة للمملكة المتحدة حيث هناك شبهات أخلاقية حول رئيس الوزراء السابق دافيد كاميرون. أما في إيطاليا فالفضائح التي لاحقت سيلفيو برلسكوني أدت إلى خروجه من السلطة. ويمكن تعداد الحالات التي تصيب القيادات الأوروبية بشكل عام. والمؤسف هو أن هذه الحالة مرشّحة للاستمرار في دول أوروبا الغربية طالما النظام السياسي القائم على حكم المال هو من يحدّد من هو مؤهّل لدور القيادة والمسؤولية
بناء على ما سبق فإن إمكانية الاتحاد الأوروبي في لعب دور فعّال في قضايا العالم بشكل عام وقضايا المنطقة العربية بشكل خاص أصبحت محدودة بشكل موضوعي. من يؤمن بها من النخب العربية الحاكمة أو المتغرّبة يتوهّم من قدرة الاتحاد الأوروبي على لعب دور فعّال. فموقف معظم الدول الوازنة في الاتحاد الأوروبي من الأزمة السورية يجعلها في موقف المعتدي على سورية ولا يمكن لها أن تكون جزءا من الحل أو لعب أي دور في مستقبل سورية. كذلك الأمر بالنسبة للقضية المركزية أي قضية فلسطين وإن كنّا نسجّل للاتحاد الأوروبي ومؤسساته موقفا صائبا في مقاطعة السلع التي تخرج من المستعمرات الصهيونية في الضفة الغربية. أما في العراق فما زالت تداعيات سياسة احتلاله تحيّد أي إمكانية للعب دور وازن. وفي الملف الإيراني فهناك انقسام داخل الاتحاد الأوروبي بين من يريد التماهي مع سياسات الولايات المتحدة وبين من يريد أن يعطي الأولوية للمصالح الوطنية. فالعلاقة مع الجمهورية الإسلامية في إيران لن تتجاوز أفق المصلة التجارية والمالية مع مراعاة للمطالب الأميركية في عدم التمدّد بالعلاقة مع إيران. 

خامسا- التداعيات في مجموعة البريكس
أ- ملاحظات عامة
ما يجمع هذه الدول رؤية كونية مشتركة مبنية أولا على احترام وسيادة الدول ما يعني التصدّي لمشاريع الهيمنة الأميركية سياسيا واقتصاديا في المرحلة الحالية. سمة السياسة الخارجية لدول البريكس هي التمسّك بالقانون الدولي وهذا ما يميّزها عن الولايات المتحدة التي تضرب عرض الحائط القانون الدولي ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن عندما تقتضي الحاجة الأميركية. فلا شرعية ولا مصداقية إلاّ بلطجة إداراتها المتتالية. كما أن دول البريكس معنية بطرح نظام دولي جديد عبر الأمم المتحدة وبعيدا عن التحالفات خارجها خلافا لما تقوم به الولايات المتحدة ودول الغرب. وهذه الرؤية تعزّزها إنجازات مؤسسية كبنك الاستثمار الآسيوي في البنى التحتية قد يكون بديلا عن البنك الدولي أو يكسر هيمنة البنك الدولي. المهم هنا أن مجموعة دول البريكس ليست خارجة عن النموذج الاقتصادي السياسي الغربي ولكن مع فارق أساسي أن الهيمنة السياسية ليست جوهر سياستها بل قد تكون نتيجة لسياسات أكثر نجاحا من السياسات الغربية. هذا يعني أنها ليست بمنأى عن جرثومة الفساد السياسي والاقتصادي بل أن مؤسساتها استطاعت حتى الآن مواجهة ذلك الوباء وإن بنسب متفاوتة من النجاح. 
هذه المجموعة صاحبة مشروع منافس للمشروع الغربي ورؤيته للعالم. فطابعه إيجابي يصعب على الولايات المتحدة إفشاله، ومن يقف معها من الدول المضلّلة إقليميا وعالميا، والتي فقدت القدرة على قراءة التحوّلات الدولية. فذلك المشروع هو مشروع "طريق الحرير" أو مشروع "حزام واحد وطريق واحد". هو المشروع الاوراسي، الذي يربط أوروبا بآسيا والذي يخلق سوقا عشر أضعاف حجم السوق الأميركي، وذلك خلال عقدين من الزمن. المراكز والمواقع الآسيوية والروسية تشرح بالتفصيل معالمه، والذي يغيّبه الاعلام الغربي وحتى العربي. فنرى مدى تفوّقهم في الرؤية والتحليل والموضوعية على أرباب الاعلام والتحليل الغربي!  والسوق المرتقب يتميّز بالتواصل الكبير أو المبالغ به (هيبر كونكتيفتي). هذا هو مستقبل العولمة التي قتلها جشع النخب المالية في العالم بينما مشروع الترابط والتواصل التي تروّجه الصين قد يصحّح الانحرافات التي أوجدتها العولمة غير المنضبطة وغير المهتمة بمصالح الشعوب. فهذا السوق الاوراسي يحمل في طيّاته مشاريع عديدة تقدّر 1،4 تريليون دولار تشمل 64 دولة و4،4 مليار نسمة وتشكّل 40 بالمائة من الاقتصاد العالمي. وهذه المشاريع ستخلق طرقا جديدة، ومترابطة، وجامعة، ومبدعة، في التجارة والصناعة والتواصل مما يجعل جميع المشاركين، دولا وشعوبا، في موقع الرابح. 
في دول البريكس نشهد تطوّرات عكسية لما يحصل في دول الغرب. هناك قرار واعي في التصدّي للهيمنة الاقتصادية الأميركية دون الإطاحة بإيجابيات العولمة. فقرار إنشاء منظومة مالية موازية للمنظومة المبنية على الدولار الأميركي قد يأخذ بعض الوقت ليصبح فاعلا بعد أن وافقت دول البريكس على إقامته والبدء ببناء مؤسساته. ونشير هنا إلى تصريح سيرجي غلازييف أحد مستشاري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول ضرورة التخلّص من الاعتماد على الدولار إذا ما أراد العالم أن يوقف العدوان الأميركي المستمر.
من جهة أخرى وخلافا لما هو في الغرب فإن قيادات دول مجموعة البريكس ترتقي إلى مستوى المسؤوليات المطلوبة منها بينما الوضع يختلف كلّيا في الغرب. فالقراءة الدقيقة للمشهد الدولي والداخلي عند هذه القيادات جعلتها تأخذ القرارات المفصلية المناسبة في دولها وعلى الصعيد الخارجي. العملية السياسية في دول الغرب جعلت من المال الناخب الأول بينما المصلحة الوطنية أو القومية في دول مجموعة البريكس هي التي تؤثّر في انتقاء القيادات وإن كان المال يلعب دورا في بعض الدول كالبرازيل.
هنا لا بد من الإشارة أن النوعية المميّزة للقيادة في روسيا تُترجم بالتفاف شعبي كبير حول شخص الرئيس. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحظى بشعبية غير مسبوقة بسبب تجسيده للشعور والاعتزاز القومي الروسي. فعصر الاهانات الغربية وتهميش روسيا لم يعد ممكنا. المهم هنا أيضا أن الرئيس بوتين محاط بنوعيات ملتزمة بتوجهاته وأصحاب كفاءات تساعده على تحقيق أهدافه بينما ذلك الأمر غائب إلى حدّ كبير في الإدارة الأميركية والبريطانية والفرنسية. كذلك الأمر بالنسبة لقيادة الصين التي تبرهن يوما بعد يوم على حضور كبير في المشهد السياسي الدولي والإقليمي. أما بالنسبة لقيادة البرازيل فهناك نزاع بين قوى سياسية منها مؤيّدة لاستقلال وطني ومنها تنهج سياسات مؤدّية إلى المزيد من التبعية للولايات المتحدة. استطاعت القوى الموالية للولايات المتحدة أن تعزل الرئيسة المنتخبة ديلما روسيف بحجج واهية وبعد رشوة العديد من النواب. لكن المسألة ما زالت عالقة سياسيا فالشارع البرازيلي لم يستسلم وهناك استحقاق الانتخابات النيابية في خريف 2018 التي قد تعيد الأمور إلى نصابها. أما في الهند فرئيس الوزراء مودي يحاول التوازن بين التجاذبات الاسيوية والأميركية غير أنه يسير بالتنسيق مع قيادة روسيا والصين. وفي جنوب إفريقيا يقوم الحزب الحاكم، حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، بمراجعة سياساته الداخلية. فبعد سقوط نظام التمييز العنصري وإجراء المصالحات الوطنية ما زالت مفاصل الاقتصاد الإفريقي في يد الأقلّية البيضاء. ويحاول حزب المؤتمر الوطني الإفريقي وضع سياسات على المدى المتوسط والبعيد لسد الفجوات في مفاصل القرار الاقتصادي.
النوعية المميّزة لقيادات دول البريكس لا تعني غياب الفساد في هذه الدول والذي قد يهدّد إنجازاته على الصعيد الداخلي والخارجي. ففي روسيا موجة احتجاجات متصاعدة بسبب اتهامات بفساد عدد من السياسيين منهم رئيس الوزراء مدفيديف. كذلك الأمر في كل من الصين والبرازيل والهند. فعلى ما يبدو فإن النموذج النيوليبرالي يؤسّس لفساد النخب الحاكمة. فالفساد جزء لا يتجزّأ من المنظومة النيوليبرالية التي تستند إلى الريع كمصدر للثروة.
ب- المستجدّات في دول البريكس
الصين: تميّزت السياسة الخارجية الصينية في الآونة الأخير برفع وتيرة مواقفها من الولايات المتحدة في شرق وجنوب آسيا حيث أبدت استعدادها للمواجهة إذا لزم الأمر. فأزمة الجزر الاصطناعية في بحر الصين تعبير عن رفض الولايات المتحدة لإقامة الصين قواعد بحرية وعسكرية فيها ما يهدّد مباشرة هيمنة الولايات المتحدة على الممرّات البحرية في المحيط الهادي وفي جنوب شرق آسيا. وما صدر عن محكمة لاهاي من قرار ينقض حق الصين في الجزر الاصطناعية (للعلم اسم البحر هو بحر الصين!) يعكس مدى انحياز المؤسسات الدولية لمصالح وسياسات الولايات المتحدة بشكل عام. غير أن الصين ماضية في تثبيت سياساتها وقدراتها البحرية العسكرية وإن كان الميزان ما زال يميل لمصلحة الولايات المتحدة. فالصين تراهن على عدم قدرة الولايات المتحدة في الاستمرار في سياستها العدوانية لأسباب عديدة كالتراجع الاقتصادي والمزاج الشعبي الأميركي المعادي لأي مواجهة عسكرية خارج حدود الولايات المتحدة.
لكن كل ذلك لم يمنع الصين من طرح نهج توافقي سياسي على قاعدة اقتصادية تستطيع من خلاله استمالة الدول الآسيوية المرتبطة تقليديا بالولايات المتحدة. كما أنها على الصعيد العالمي تثبّت أنها دولة عظمى مستعدة للعب دورها. فقمة دول العشرين التي عقدت في هانغ زوو قمة جيوسياسية وجيواقتصادية بامتياز أوضحت للعالم أن هناك مشروعين مختلفين يتنافسان على كسب العالم. المشروع الغربي بقيادة الولايات المتحدة يريد الحفاظ على الوضع القائم، ويتبع سياسة "فرّق تسد" في كل أنحاء العالم لإخضاع الدول للمشيئة الأميركية وإن كان على حساب الشعوب. أما المشروع المنافس بقيادة الصين المتحالفة مع الاتحاد الروسي فيعرض شيئا آخرا يهدف إلى تحقيق النمو والتنمية للعالم، ويأخذ مصالح الشعوب بعين الاعتبار. في مرحلة سابقة لم تكن بعيدة، كان الهدف المشترك لتلك الدولتين ومعهما البرازيل وجنوب إفريقيا والهند، أي دول البريكس، التصدّي لمشاريع الهيمنة الأميركية ورفض التبعية لها. بالمناسبة عقدت مجموعة دول البريكس اجتماعا قبل انعقاد قمة العشرين مما يدل على تماسك المجموعة رغم الأحداث والتطوّرات في كل من البرازيل وجنوب إفريقيا. هذا الموقف الرافض للهيمنة الأميركية طابعه سلبي. 
روسيا: شهدت المرحلة الأخيرة تنامي الدور الروسي على الصعيد الدولي في أوروبا والمشرق العربي وآسيا. وفيما يتعلّق بالعلاقة مع الولايات المتحدة فيمكن القول إن روسيا هي محور الاهتمام في الخطاب السياسي الأميركي في حقبة الانتخابات العامة وما بعدها حيث حضور روسيا في كافة نشرات الأخبار والحوارات التلفزيونية كان وما زال ملفتا. وهذا الاهتمام الهجومي على روسيا يعود إلى اعتقاد خاطئ عند حزب الحرب المتحكّم بالإعلام داخل الولايات المتحدة والغرب بشكل عام بأن روسيا هي الحلقة الضعيفة في الكتلة الاوراسية التي تضم الصين. لقد أصبحت الأخيرة لقمة صعبة البلع، وبالتالي تحوّل التركيز على روسيا.
الاعتقاد السائد بضعف روسيا النسبي يعود إلى وجود داخل الطبقة الحاكمة الروسية من يُسمّى بالأطلسيين. وهم الذين يحبّذون التفاهم مع الغرب وخاصة مع الولايات المتحدة ولا يريدون الالتفات إلى الصين التي يخشونها. وبالتالي دعمت هذه المجموعة سياسات مالية ونقدية هدفها فرض اللجوء إلى المؤسسات الغربية لتمويل المشاريع الكبيرة وخاصة النفطية والغازية. بالمقابل هناك الفريق القومي الروسي الذي يجنح إلى تخفيف العلاقات المالية مع الغرب واللجوء إلى التبادل المالي بالعملات الوطنية بعيدا عن الدولار. لم يحسم ذلك الصراع ولكن تميل الكفّة يوما بعد يوم لمصلحة الفريق القومي وذلك بسبب حماقة السياسات الأميركية والأوروبية تجاه روسيا.
التدخل العسكري في سورية جاء بناء على طلب من الدولة السورية وساهم إلى حد كبير في كسر تمدّد جماعات التعصّب والتوحش والغلو. كثافة الوجود البحري الروسي في شرق المتوسط يعني أن روسيا موجودة بثقل في ذلك البحر وأن سورية خط أحمر. حاولت الدبلوماسية الروسية إشراك الولايات المتحدة في مقاربة مشتركة في مواجهة جماعات التعصّب والتوحّش في كل من سورية والعراق غير أن الولايات المتحدة لم تكن مستعدّة لذلك. وعلى ما يبدو فإن الانقسامات الداخلية الأميركية تحول دون حسم الموقف الذي سيُترك للإدارة الجديدة التي ستتولى الأمور في مطلع عام 2017. هذا يعني أن التقدير الدقيق لموازين القوة العسكرية والاقتصادية والمالية هو الذي سيحدّد طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، علما أن الفريق الأميركي السياسي في حالة إنكار لواقع الحال وقد يرتكب الحماقة القاتلة. بالمقابل يوجد داخل المؤسسة العسكرية الأميركية من هو أكثر تعقّلا وحكمة قد يلجم حماقة الرؤوس الحامية.
هذا يعني أن روسيا ماضية في دعم الدولة السورية في معركتها ضد جماعات التعصّب والتوحّش وضد المغامرات غير المحسوبة لحكومة اردوغان. إن تسارع التطوّرات في الميدان السوري قد يخلق أمرا واقعا لا يمكن تجاهله أو تغييره في المدى المنظور. لذلك تقف روسيا على عتبة نصر استراتيجي لها في المنطقة وارتداداته في العالم. ليس هناك مبالغة أن تداعيات الحرب عل