www.arabnc.org
الديمقراطية وحقوق الإنسان 1 - 29العدالة الاجتماعية 29التجدد الحضاري 29الوحدة العربية 29التنمية المستقلة 29القضية الخاصة 29التقرير السياسي 29مبادرات ومواقف المؤتمر 10 أيار/مايو 2017 – 22 تموز/يوليو 2018بيان إلى الأمّة صادر عن الدورة 29 للمؤتمرأمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلام
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
العدالة الاجتماعية 29 ((العدالة الاجتماعية 29))
المؤتمر القومي العربي
ARAB NATIONAL CONFERENCE

المؤتمر التاسع والعشرون
27 – 28 تموز/يوليو 2018
بيروت - لبنان

العدالة الاجتماعية في الوطن العربي**
د. حياة التيجي*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.
** لا تعبر هذه الورقة بالضرورة عن رأي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.
 
العدالة الاجتماعية في الوطن العربي
بين شرط الحكامة والإرادة السياسية
د. حياة التيجي
ما زالت العدالة الاجتماعية في الوطن العربي كما الديمقراطية تراوح مكانها بين تغييب لها في معظم الأقطار العربية وتزييف في بعضها، وإذا ما تحرينا الدقة أضفنا بعضا منها يتلمس طريقها بعناء شديد.
لم يتمكن مجتمعنا العربي، بعد، من بلورة نموذج تنموي شامل يضعه على طريق التقدم ويمكنه من الخروج من حالة التخلف المزمن والمركب، بالرغم من توفره على مقومات عدة لإنجاز ذلك، كموروثه الحضاري والثقافي المشترك، وما يمثله من حاضنة تتسع لكل مكوناته، وتمده بما يساهم في تأهيله للنهوض في إطار من التكامل والوحدة والسيادة الوطنية والقومية، لمواجهة التحديات والتهديدات والحروب الخفية والمعلنة والمستهدفة لهويته ولكينونته.      
إن الأحداث والانتفاضات التي عرفها الوطن العربي منذ واقعة البوعزيزي، والمؤشرات التي عكستها، قبل أن تتحول في بعض الأقطار إلى حرب دامية، لتنم عن تحول هام في تاريخ الشعب العربي، ويتمثل بالأساس في أخذه بزمام المبادرة بعد أن بلغ به الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي حدا لا يطاق من التدهور والبؤس، وبعد أن كشفت الأنظمة الحاكمة المستبدة والفاسدة عن عدوانية مفرطة اتجاهه، وجشع  ولا وطنية لا حدود لهما، بل إن تشبثها بكراسي السلطة ضدا على الإرادة الشعبية بلغ حدا بات  يهدد الوحدة والاستقلال والسيادة الوطنية. 
فبالرغم من المآسي التي آلت إليها الأوضاع في وطننا العربي، يبدو الأفق الذي رسمته الانتفاضات الشعبية مبشرا بتحول نوعي في موقع الجماهير الشعبية، ولعل تشبيه المؤرخ بنجمان ستورا، الوارد في  معرض رده على سؤال موجه له عن رأيه في ما يعرفه الوطن العربي من انتفاضات، لعلى قدر هام من الوجاهة، حيث اعتبر بأن هذه الانتفاضات ،التي وصفها  بالثورات، لا  تختلف من حيث التطلعات والمطالب التي رفعتها  عن غيرها من ثورات الشعوب الأوربية التي خلخلت عروش الأنظمة القديمة ومطالبها المتمثلة في" الحرية وفي الهجوم على الملكيات و إقامة النظام الجمهوري"1   
والمؤكد أن إخفاق النماذج التنموية التي اتخذتها الأنظمة الحاكمة، وتعذر الانتقال الديمقراطي في الوطن العربي قد أدى إلى نتائج وخيمة، تمثلت بالأساس في انسداد آفاق الأمل أمام أجيال متعاقبة من الشباب، وأمام المواطن العربي بصفة عامة، كما انعكس ذلك في الواقع الملموس الذي ترتب عن غياب العدالة الاجتماعية وعن تفاقم الفوارق الاجتماعية ،الطبقية و الفئوية  والجهوية/ المناطقية. غير أن ذلك كله، وبعيدا عن "نظرية المؤامرة" لا يجب أن يجعلنا نغفل، أو أن نسقط من نظرتنا إلى ما تمور به الساحات العربية من أحداث ومن صراعات، دور الأمبريالية والعولمة المتوحشة  في ضعضعة الوضع الداخلي، وفي تزايد الأطماع  المتفاحشة وصراعات الهيمنة المطلقة والنفوذ على منطقتنا العربية، وما نتج عن ذلك من إعاقة لكل المحاولات الوطنية والقومية للخروج من براثن التشرذم والتبعية والتخلف، ومحاولات أي بناء لمشروع تنموي، تكاملي، وحدوي وقومي . 
لقد نجحت الأمبريالية وربيبتها الصهيونية، ومن خلال أدواتها المحلية في تنفيذ جزء مهم من مشاريعها الهدامة في سياق الانتفاضات الشعبية التي هزت عروش بعض الحكام وخلخلت بعضها الآخر، وذلك  من خلال اختراق تطلعات الشعب العربي التي عبر عنها في انتفاضاته، والمتمثلة في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، والتي شكلت جميعها شعارات رفعها شباب الأمة في الساحات العربية، كما شكلت قبل ذلك منطلقات المشروع النهضوي العربي منذ نهايات القرن 19، قبل أن تجهز عليه معاول الاستعمار المباشر وتعوق تطوره في المهد، لتقوم بعد ذلك وإثر الأستقلالات الشكلية، أنظمة حكم فاسدة  ومستبدة، عمقت الهوة بين تطلعات الشعب العربي الذي قدم التضحيات الجسام من أجل طرد المستعمر، وبين إمكانية تحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود والطفرة التنموية المأمولة، ومن تم توفير حظوظ أكبر لتحقيق الحكم الديقراطية والعدالة الاجتماعية .   
إن عدم الاستقرار الذي تلى الموجة الأولى من الانتفاضات، وما عرفته ولازالت بعض الأقطار العربية من حروب دامية، تداخل فيها العامل المحلي بالعامل، بل بالعدوان الخارجي، المباشر وغير المباشر، قد كشف، بما لا يدع مجالا للشك،  بان الشعب العربي  اليوم  قد بلغ حافة فقدان الثقة في إمكانية التغيير الديمقراطي، حيث تعكس نسبة مقاطعة الانتخابات أزمة حقيقية للنظام العربي وتفضح، على المستوى السياسي عجزه الصارخ عن تأمين حدود دنيا من الشرعية السياسية وبالتالي من الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي، الأمر الذي يضاعف من مخاطر تغييب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية،  ويبدد آمال المواطن العربي في الحرية والعيش الكريم.    
في هذا الإطار الذي تبرز من خلاله معادلة أساسية تتمثل في تلازم مسألة الديمقراطية ومسالة العدالة الاجتماعية إذن تتنزل هذه الورقة، التي تحاول الوقوف عند أهم مكامن الخلل التي تقف سدا منيعا أمام الانتقال الديمقراطي وقيام نظام حكم يستمد شرعيته من السيادة الشعبية، ومن تحقيق العدالة الاجتماعية للمواطن العربي. وتتمثل مكامن هذا الخلل بالأساس في ما يلي:
- فشل الدولة في لعب  الدور المحوري لإنجاح النموذج التنموي الذي وضعته، متحصنة في اختياراتها بإملاءات المؤسسات المالية الدولية وتوصياتها، الممعنة في الدفع بالحكومات نحو مزيد من التخلي عن مؤسسات القطاع العام الذي عرضت قسما مهما منه للخصخصة .
- غياب العدالة  الاجتماعية كنتيجة ملازمة،  وما ترتب عن ذلك من هدر لحقوق المواطن وحرمانه من الاستفادة  من الخدمات العامة من تعليم وتطبيب وسكن لائق وبنيات تحتية تؤمن له بيئة تنموية شاملة . 
- غياب  نظام الحكم الديمقراطي  وفشل محاولة تعويضه بأساليب حكم ترتكز أساسا  الاستبداد والفساد  وعلى تزييف الإرادة الشعبية ومواجهة المطالب الشعبية بالمقاربة الأمنية القمعية المصادرة للحقوق والحريات والعدالة والكرامة.  
سنحاول معالجة  موضوعنا إذن  من خلال التطرق  لأهم مكامن الخلل التي تفسر  الإخفاقات التنموية والتأسيس الفعلي للحكم الديمقراطي في الوطن العربي، واستحالة تمتع المواطن العربي، بناء على ذلك، بالعدالة الاجتماعية التي يتطلع إليها والتي باتت المطلب الأبرز في انتفاضاته وحراكه، على أن نتطرق بداية لمفهوم العدالة الاجتماعية كما درجت على تعريفه معظم المناولات وإن بشكل مختصر، حيث لا تسمح مساحة هذه الورقة بالإسهاب  في عرض كل الاجتهادات التي إن اختلفت  من حيت التدقيق في ماهية المفهوم ،تتفق بصفة عامة من، حيث تحديد عناصره وأبعاده  ومن حيث معايير قياس العدالة الاجتماعية. 
ا  -  مفهوم العدالة الاجتماعية 
إن سؤال مدى إمكانية تحقيق مجتمع  أكثر عدلا يبقى من الأسئلة الكبيرة التي شغلت ولازالت تشغل فلاسفة السياسة منذ الثورة الفرنسية والأمريكية، في ارتباط بسؤال الديمقراطية والمساواة والحرية.
كثيرة هي المقاربات الفلسفية التي انصبت على مفهوم العدالة الاجتماعية، لكن مجال هذه الورقة لا يسمح بالوقوف عندها  وسنكتفي بالمعنى الذي ينصرف إليه تداوله على مستوى الخطاب السياسي والاقتصادي ويقصد به في هذا الإطارذلك الوضع  المجتمعي الذي تتوارى فيه الفوارق الاجتماعية والجهوية والفئوية، وما تعنيه تلك الفوارق من انعدام للمساواة ومن فقر وقهر وتهميش وإقصاء اجتماعي وسياسي وثقافي. فالعدالة الاجتماعية بهذا المعنى تجعل من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية شأنا يهم كل المواطنين باختلاف فئاتهم ونوعهم وانتماءاتهم وأجيالهم، الحاضرة والمستقبلية، بحيث يتم تمكين المواطنين، وعلى قدم المساواة من تلك الحقوق، كما تحظى في إطاره كل جهات الوطن ،وبشكل متكافئ ،بفرص الاستفادة من البرامج التنموية، ومن ثروات الوطن التي يساهم الجميع في إنتاجها . وتأخذ العدالة الاجتماعية معناها الملموس بتجسدها على أرض الواقع حيث، يشعر المواطنون  بأبعادها المتعددة من خلال فعالية الدور  المحوري  الذي تلعبه الدولة  في عملية التنمية، وسهرها من خلال ما تقدمه من خدمات عامة، على تمتيع المواطن بكل  الحقوق، السياسية والاقتصادية والاجتماعية ،المنصوص عليها في الدساتير وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكل العهود الدولية في هذا الإطار، الموقع والمصادق عليها 
وإذا كان المواطن هو المعني الأول بما يشمله مفهوم العدالة الاجتماعية من أبعاد فإن هذه الأخيرة تهم كذلك تحصين الوطن والمجتمع من أي استغلال أو استتباع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي،  داخلي أو من خارج الوطن، وما يعنيه ذلك من ضرورة تمنيع واستقلال القرار السياسي والاقتصادي، وتوفير مقومات المناعة والاستقلالية التي تصون مصالح المواطن وسيادة الوطن واستقلاله . 
ب -  أبعاد  العدالة الاجتماعية
يتجلى معنى العدالة الاجتماعية بشكل أوضح بالوقوف على أبعاده المتعددة، والمتمثلة بصفة  أساسية في البعد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي  والطبقي والجهوي (الإقليمي) والخارجي، وكذلك البعد المتعلق بالعدالة الاجتماعية اتجاه الأجيال المستقبلية واتجاه النوع البشري (المساواة بين النساء والرجال)  وفي إطار ما تسمح به مساحة هذه الورقة نعرض باقتضاب لأبرزهذه الأبعاد وهي: 
- البعد الاجتماعي :
وهو البعد الذي يتوقف توفره على مجموعة من المقتضيات التي تقع على عاتق مؤسسات الدولة  بالأساس فهي التي تتكفل، وبحكم موقعها المحوري في تامين التوازنات العامة، والتصدي لآفة الفقر والتهميش والإقصاء والفوارق الاجتماعية بصفة عامة، وذلك من خلال دورها في تدبير الشأن العام وإعمال  آليات القطاع العام  التي توفر الخدمات الأساسية، من بنيات تحتية  كما توفر المواد الاستهلاكية الأساسية والحيوية، و دعم القدرة الشرائية للفئات  والجهات الأكثر هشاشة، كما تعمل  من خلال اتخاذ النظام الضريبي الأصلح، على إعادة توزيع الدخل العام بالشكل الذي تتحقق معه العدالة الاجتماعية والمساواة في الاستفادة من الثروة الوطنية التي يساهم كل المواطنين في تكوينها. 
- البعد الاقتصادي
وهو البعد المترتب عن الدور الاقتصادي للدولة، ومدى مساهمتها في العملية الإنتاجية من خلال تنشيط ودعم العملية الإنتاجية، وما تدره هذه الأخيرة من مردود  وثمار تقتضي من الدولة تحري العدالة في توزيعها بما يحقق  الإنصاف والمساواة في الحقوق الاقتصادية للمواطن وفي فرص الاستفادة منها، بعد أن تكون قد وفرت له الشروط المتكافئة للحصول على مناصب الشغل، وملكية وسائل الإنتاج، وكذلك الأمر بالنسبة لفرص الاستفادة من الخدمات العامة وفي مقدمتها  التعليم والصحة والسكن اللائق وقدرتها على تدبير القطاع عام،  لما له من أهمية في توفير البيئة الملائمة لتشجيع الاستثمار  وضبط التوازنات الاقتصادية . 
- البعد السياسي: 
ويتمثل في إشراك المواطن  في العملية السياسية، من خلال توفير الدولة لشروط الممارسة الديمقراطية في اختيار المواطن لمن يمنحه شرعية  الحكم باسمه، وذلك عبر  انتخابات  حرة وشفافة ونزيهة، الأمر الذي يجعل المواطن مشاركا عمليا في وضع البرامج والقرارات التي تتخذها الحكومة المنبثقة عن الأغلبية التي اختارها بمحض إرادته، والتي تعزز حقوقه السياسية المنصوص عليها  في الدستور  بوصفه أسمى قانون .يحدد شروط قيام الحكم الديمقراطي وما يعنيع من فصل للسلط واستقلال للقضاء واحترام للسيادة الشعبية المعبر عنها  بواسطة انتخابات حرة ونزيهة وشفافة تعكس  الإرادة الشعبية.
هذه الأبعاد الثلاثة الأساسية للعدالة الاجتماعية، بالإضافة لتلك المذكورة أعلاه، تعطي لمفهوم العدالة مداه الذي لا يجد طريقه  نحو أرض الواقع الملموس إلا عبر نموذج تنموي متكامل تؤطره الحكامة الجيدة  والسياسات والاستراتيجيات الوطنية المتخذة لإنجازه على الوجه الأنجع، وهي السياسات التي تقف وراءها دولة المؤسسات، دولة الحق والقانون التي تؤمن لمواطنيها حقوقهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وتمكنهم من أسباب العيش الكريم ومن المساواة  والحرية من جهة، وتحمي السيادة الوطنية من خلال الحرص على استقلالية قرارها السياسي والاقتصادي من جهة ثانية، وذلك في مواجهة توصيات المؤسسات المالية الدولية ومنظمة التجارة العالمية، التي ترهن  مستقبل الوطن والمواطنين، وتصادر حاضره وحاضرهم، غير آبهة بموت آلاف الأطفال والنساء والشيوخ بسبب الجوع أو الحروب أو القلاقل، التي تساهم في إذكائها من خلال وسائل متعددة . ولا غرابة في سلوكها هذا بعد أن تكشفت هوية القائمين عليها ممن سماهم جان زيغلر " سادة العالم الجدد " واصفا إياهم ب " النهابون، المرتزقة، الفجر " 1. 
ج  مركزية دور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية
تعتبر الدولة اليوم الركيزة والدعامة الأساسية  في تدبير الشأن العام، ومن ثم يمكن القول على أن  نجاح النموذج التنموي  الذي تتخذه الدولة رهين بالوظيفة الإستراتيجية والتدبيرية  للشأن العام، والتي تسمح بتحقيق أهدافه  المتمثلة أساسا في التنمية المستديمة والشاملة، في خضم تحديات العولمة والهيمنة،  وما تطرحه من تحولات عميقة تمس منظومة الإنتاج والقيم  بما في ذلك القيم الثقافية . وبناء على ذلك تبرز أهمية توفر الآليات الضرورية لمراقبة ومساءلة ومحاسبة المؤسسات التي يقع على عاتقها مهمة تدبير الشأن العام، نظرا للدور المحوري الذي تضطلع به الدولة في عملية ضمان العدالة الاجتماعية،  وفي حماية الأمن بمدلوله الشامل . 
إن تحقيق التنمية الاقتصادية  كبعد استراتيجي لوجود القطاع العام وبالتالي لدور الدولة،  تغدو مهمة مستحيلة في غياب منظومة مؤسساتية متكاملة  تكون مهمتها  تدبير الشأن العام  ومحاربة الفساد الذي يهدد استتباب واستقرار أمن المواطن، ويعرض الوطن للتهديد الخارجي. تلك هي الحقيقة التي تكشف عنها التقارير الدولية وتقارير منظمات المجتمع المدني، التي  تربط  تحقيق النمو الاقتصادي بالكفاءة الإدارية والعدالة والمساواة،  وسيادة دولة القانون التي تحمي مصالح الجميع ،تحت عين القضاء المستقل والنزيه، الأمر الذي يوفر شروط قيام الدولة بالتدبير الأفضل للثروة الوطنية، ويسهل مهمة مراقبتها وإعادة توزيعها بالشكل الذي تتحقق معه العدالة الاجتماعية .
1  العدالة الاجتماعية و الحكامة  الجيدة  
عرفت جهود الدولة العربية، على مستوى دورها التنموي وأولوياته، عدة مراحل في مسار انجاز اختراقات ما  لتطويق  مظاهر التخلف المتعدد الأوجه وفداحة الوضع الاجتماعي، مرورا بسياسات التنمية المندمجة  وسياسات التقويم الهيكلي، وبرامج وسياسات الحكامة الشاملة ،ومكافحة الفقر والتهميش الاجتماعي ،دون ان تنتهي تلك السياسات والاستراتيجيات إلى تحقيق الأهداف المرسومة خاصة على  مستوى العدالة الاجتماعية  والتنمية الشاملة.
غير أنه ومع مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، حيث ارتفعت نسب الفقر في دول العالم  الثالث، خاصة في الدول الأكثر فقرا والأقل تقدما بالنسبة لمعايير صندوق النقد الدولي، و هي الدول التي أطلق على مواطنيها وصف" السكان غير المنتجين"    تم تسليط الضوء على مسألة الديمقراطية  التي يفسح المجال  في إطارها أمام إشراك المجتمع المدني في عملية  التنمية، ومن ثم تفعيل تمكينه من لعب دوره هو الآخر في إشاعة قيم التضامن والنزاهة  والمراقبة والمساءلة، وبالتالي الاستعانة به في تطويق الفساد الإداري وغيره من السلوكات والمعاملات المعيقة لسلاسة ونجاح البرامج التنموية التي تتخذها الدولة أو تلك والتي توصي بها الجهات المانحة للقروض والمساعدات . 
- القطاع العام  رافعة  التنمية الشاملة والمستديمة
إذا كانت الدولة، ومن خلال التدبير المحكم والرشيد  للقطاع العام، هي الجهة المركزية في عملية تقوية القدرات المؤسساتية ببلد ما، من خلال توفير المناخ المشجع على الاستثمار والإنتاجية ذات القدرة التنافسية والإبداعية، والتي تفرضها البيئة الاقتصادية الدولية في إطار العولمة الزاحفة، وما تضعه من شروط الجودة والإنجاز الأفضل، فإن دور الدولة يتجاوز فعالية ونجاح مهمة تدبير الشأن العام إلى المساهمة في إنجاح وتوفير الشروط  المحفزة والمشجعة لعمل القطاع الخاص ومساهمته في جهود التنمية،  وكذلك تأهيل المجتمع المدني في نفس الإطار،  وإشراكهما في المشاريع  والبرامج التنموية. 
ومن ثم  فإن إشراك كل الفاعلين  الاقتصاديين والاجتماعيين تبدو كضرورة حيوية لقيام المجتمع البشري المعتمد على نسق مؤسساتي متكامل،  يسند بعضه بعضا لما فيه إنجاح المشاريع التنموية المستديمة، الأمر الذي يعلي  من شأن وقيمة العمل  المواطني والتضامني، الذي  يصب في اتجاه إنجاز المطمح الأرقى وهو تحقيق العدالة الاجتماعية، في نهاية المطاف، والتي يندحر في إطارها شبح الفقر والتهميش والإقصاء والتمييز وانعدام المساواة  .
تتعدد إذن، أشكال التدخلات التي يمكن للدولة ممارستها  في إطار دورها الاستراتيجي  في تدبير الشأن العام  وفي تحفيز وجلب الاستثمار والتدفقات المالية المرتبطة  به  من خلال آلية القطاع العام، لكن أهم  العناصر المكونة لهذه التدخلات  تتمثل في :
- التخطيط المحكم والتنظيم المعقلن في إطار من الإستراتيجية  التي تأخذ بعين الاعتبار ما ينطوي عليه المحيط والبيئة الدولية وإكراهاتها، وتبعاتها بالنسبة لمختلف المؤسسات، سواء منها مؤسسات القطاع العام أو مؤسسات القطاع الخاص. ولا يتسنى للدولة ذلك النوع من التخطيط إلا من خلال آليات التتبع والرصد والتحليل الذي ينصب على أهم التحديات التنظيمية والاستراتيجية  ،التي من شأنها إعاقة عمل المؤسسات والمنظمات، ومن تم تحديد الأهداف والبنيات والمنهجية الأنسب في التنظيم والتدبير المحكم، واتخاذ القرارات والإجراءات المساعدة على الإنجاز المحكم من حيث الدقة والسرعة ومن حيث الجودة   .
- الاهتمام بالعنصر البشري الذي يقع على عاتقه  التنفيذ  الفعلي للمشروع  التنموي وسياساته واستراتيجيته  والتي مهما بلغت من الدقة والجودة تبقى معلقة في غياب التدبير الرشيد للموارد البشرية  وتأهيلها بالمستوى المطلوب لتنفيذ هذه الاستراتيجية والتنظيم سواء من حيث التكوين والكفاءة أو من حيث شروط العمل المشجعة والمحفزة على الفعالية  والإبداع. 
- التتبع الدؤوب  والمثابر واللصيق بالعمل اليومي  للمؤسسات  والمنظمات الشريكة، حتى  يتم رصد مدى فعاليتها ودقة أدائها ومنهجية عملها ومدى توظيفها لأنجع السبل في تحقيق الأهداف المرسومة من طرف الدولة .
- نجاعة المنظومة التقويمية وكذلك التواصلية وقدرتها على انجاز التقارير بعد إجراء الفحص والمراقبة في حينهما، وبالشكل الذي يضمن سرعة الأداء وموضوعية التقييم، الأمر الذي يسمح بالتصويب وبالمعالجة المناسبة  في الوقت الأنسب لكل الاختلالات المسجلة، ومن ثم ممارسة الدولة  لدورها الحيوي في المراقبة بشكل أنجع،  معتمدة في ذلك على العنصر البشري المؤهل والمتوفر على عناصر الكفاءة والشفافية والنزاهة التي تكون حاسمة في نجاح الرصد  والمراقبة وتقويم الاختلالات.
ويمكن القول على أن نجاح دور الدولة في القيام بدورها المحوري في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية مرتبط  بضرورة وجود قطاع عام يعمل في إطار تنظيمي واستراتيجي قادر على تأطير  وتويجيه  الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وموظفي الدولة،، باختلاف مواقعهم وكذلك  المواطنين، نحو الهدف الأسمى وهو الانخراط بمسؤولية في برامج التنمية المستديمة، وفي رفع تحديات البيئة الداخلية والخارجية، التى تفرض شرط تكاثف كل الجهود  وإشراك كل المكونات من أجل إنجاح النهوض المتوخى والذي تتحقق في إطاره العدالة الاجتماعية . لكن شرط قيام القطاع العام بدوره الوطني الاقتصادي والاجتماعي يبقى رهينا،بالإضافة لمدى فعاليته وتنظيمه واستراتيجية دوره، في عملية التنمية  بالشرط السياسي الذي يؤطره ويرسم أفق عمله إن كان لجهة تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية أو لجهة خدمة الفساد والاستبداد  الداخلي أو الخارجي.
2-  العدالة الاجتماعية و الانتقال الديمقراطي 
العدالة الاجتماعية كهدف لأي مشروع تنموي تبقى بعيدة المنال في غياب الحكم الديمقراطي . هذه حقيقة ومسلمة لا يختلف بشأنها، حيث تبرز العلاقة العضوية بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بوصفها التبلور الفعلي والملموس  للحقوق التي تتوفر للمواطن  في ظل نظم الحكم الديمقراطي الذي يشارك المواطن بمقتضى مبادئه وقيمه وآلياته في تدبير شؤون الوطن من خلال مؤسسات  يكون حرا في اختيارها، عبر انتخابات حرة ونزيهة، تنبثق عنها حكومة تعكس الإرادة الشعبية وتتخذ القرارات التي تستجيب لمطالبه وانتظاراته المحقة والمشروعة، وتوفر له الأمن بمدلولاته كافة والعدالة والمساواة وتكافئ الفرص، وللوطن السيادة والاستقلال.
لقد أبرزت  الانتفاضات  والأحداث الدامية التي تعرفها  بعض الأقطار العربية منذ 2011  ولازالت فصولها وارتداداتها تتفاعل إلى اليوم، هشاشة الوضع  الأمني والاجتماعي والسياسي  في الوطن العربي كما، كما كشفت عجز الأنظمة الحاكمة عن استبدادها وفسادها، وعدم قدرتها على توفير السلم الاجتماعي  المر الذي جعلها تغرق في مقاربة العنف والتسلط كجواب على المطالب الاجتماعية والسياسية التي يرفعها المواطنون في شعاراتهم وانتفاضاتهم السلمية، قبل أن يتحول البعض منهم إلى ممارسة العنف المضاد اتجاه هذه الحكومات، واتجاه الوطن والمواطنين، وإن كان  هذا العنف المضاد يمارس باسم "الثورة"، قبل أن تدخل على خطه  القوى المعادية لمصالح الأمة، وتدفع بالصراع إلى المدى المدمر الذي نشهده اليوم، الأمر الذي يجعلنا أمام تساؤلات تفرض نفسها و تتمحور بالأساس  حول:
مسؤولية الحكومات العربية في ما آل إليه الوضع الداخلي والخارجي للأقطار العربية  من انكشاف لفداحة الوضع الأمني، وتعرض الاستقرار والوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي داخل كل قطر عربي للتهديد وللتجزئة والحروب الأهلية.
مدى قدرة هذه الحكومات بشكلها الاستبدادي والغارق في الفساد والتبعية للخارج، على استعادة زمام المبادرة وتوفير العدالة الاجتماعية، التي تبقى صمام الأمان القادر على وقف تدهور الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي كشفت عنها زلازل الانتفاضات الشعبية. 
مدى استعداد الحكومات وكل المؤسسات والفاعلين الأساسيين والنخب السياسية والثقافية وكل القوى الحية في المجتمع، للتعاطي مع الوضع المأساوي، الذي تمر منه الأمة والوطن بقدر عال من المسؤولية  التاريخية التي تقتضيها هذه المرحلة الخطيرة والمهددة لحاضر الأمة ومستقبلها، وتقديم مصلحة الوطن العليا في هذا السياق الكارثي على الخلافات الأيديولوجية والمصالح الضيقة  لدرء الخطر الخارجي المحذق، والدخول في تجديد للعقد الاجتماعي الذي تنتصب  فيه الديمقراطية  والعدالة الاجتماعية والتنمية المستديمة كحصن منيع ضد كل ما يهدد مصلحة الأمة  ووحدة الوطن وسيادته واستقلاله . 
مدى قدرة الشعب العربي على استنهاض كل قواه الحية، واستثمار كل طاقاته البشرية والمادية والثقافية التي يزخر بها وطننا العربي، لمواجهة المشاريع الهيمنية  والأمبريالية ، والتي تستفيد من مواطن ضعفنا، وفي مقدمتها تشرذم  أقطارنا، وسقوط مكونات مجتمعنا في أثون التنافر الطائفي والمذهبي والعرقي والفئوي، وتمادي الطغم الحاكمة في تغييب الديمقراطية وتغليب المقاربة الأمنية القمعية عليها، وهدر موارد الوطن وثرواته في ما لا يرجع على الأمة  بأي فائدة تصب في اتجاه تحقيق التكامل، بل تعمق الفوارق الاجتماعية داخل القطر الواحد باستبدادها وفسادها وعدم كفاءتها، مجهضة تطلعاتنا كشعب لازال يطمح لتحقيق مشروعه  الوطني و النهضوي، القومي والوحدوي المجهض، بل على العكس من ذلك ترمي بعائدات النفط والغاز والفوسفاط  وغيرها من الموارد الحيوية  وبشكل أساسي إلى خزائن وأبناك ومؤسسات ومنظمات الهيمنة الأمبريالية وأعداء الأمة من  رعاة العولمة المتوحشة ""النهابون ،المرتزقة، الفجر"  ، سواء  في شكل صفقات أسلحة باتت تهدد الأشقاء وليس الأعداء، أو في شكل مستحقات القروض التي ارتهن بمقتضاها حاضر ومستقبل آجيال من المواطنين، بل ارتهنت بثقل فوائد الدين المترتبة على أصل الديون، استقلالية القرار السياسي والاقتصادي ومن تم سيادة الوطن وحريته.
وهكذا  تبدو مسألة العدالة الاجتماعية  وشرط قيامها ملازما لوجود نظام الحكم  الوطني الديمقراطي، القادر على  تبني النموذج التنموي الذي يستجيب لتطلعات وحاجيات المواطن، ويضمن حقوقه الاقتصادية والسياسية والثقافية، وكل حقوق الإنسان المتعارف عليها كونيا، وترابط  كل ذلك بمعادلة وجدلية العلاقة بين الثروة والفقر من جهة،  ومبادئ الحكامة الجيدة التي تستثمر في العنصر البشري بنفس القدر الذي تستثمر به في العنصر المادي، في إطار من الاستراتيجية والتنظيم المعتمد على التدبير الرشيد لكل الثروات المادية والبشرية، وفق ما تقتضيه مصلحة الوطن والمواطن وليس وفق اشتراطات جهات خارجية،  قد لا  تكون توصياتها بما تسميه تقويما هيكليا أو حكامة  جيدة  بالضرورة  في مصلحة الوطن.
3-  العدالة الاجتماعية والإرادة السياسية  
إذا كانت طبيعة النظام السياسي  الحاكم هي المحدد  الأساسي لمدى  قدرة الدولة على إنجاح النموذج التنموي الشامل الذي تتحقق فيه العدالة الاجتماعية، فإن ذلك يبقى رهينة لمجموعة من  الآليات والسياسات والاستراتيجيات التي تقف خلفها ركيزة أساسية تتمثل في الإرادة السياسية، التي يتوجب توفرها حتى تتمكن الدولة عمليا من تأمين  العدالة الاجتماعية  بأبعادها القانونية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية . 
ففي ظل نظام الحكم الديمقراطي المشفوع بقوة الإرادة السياسية إذن يمكن للدولة أن تمارس دورها المحوري في تنمية الاقتصاد  وتوفير العدالة الاجتماعية من خلال مجموعة من الآليات والمؤسسات والمنظومات والسياسات التي  لا تستقيم الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام في غيابها وأهمها :
* قطاع عام مهيكل وفق ضرورات الحكامة الجيدة ووفق الأهداف والاستراتيجة والسياسات المقررة في إطار النموذج التنموي المتخذ. 
* النظام الضريبي الذي يوازن بين شروط الاستثمار وتوفير البيئة السليمة  لازدهاره وبين العدالة الضريبية بحيث يؤدي إلى نوع من الانصاف الذي يأخذ بعين الاعتبار القوى المنتجة لفائض القيمة والمجهود المبذول في إنتاج الثروة
* التوزيع وإعادة التوزيع العادل للدخل القومي، حيث يلعب النظام الضريبي دورا أساسيا في هذا الإطار، خاصة عندما  يكون من النمط التصاعدي  المراعي لاختلاف الشرائح الاجتماعية. ولنسب استفادتها  من الإنفاق العام الذي تتكفل به الدولة والذي تحقق من خلاله العدالة والإنصاف.
* الاستثمار في العنصر البشري وتمكينه من شروط التحصيل العلمي وتشجيعه على الإبداع وإشراكه في اتخاذ القرارات وفي جهود الإصلاح والتنمية
* مواجهة الفساد بشتى الوسائل وفي مقدمتها منظومة محكمة وملائمة ومرنة وشفافة للرصد والمراقبة والمساءلة والمحاسبة،  وتوفير القضاء المستقل، حتى يتسنى للدولة  محاصرة اقتصاد الريع  والاستغلال الفاحش للعامل والمواطن بصفة عامة.   
* فصل السياسة عن المال عندما يكون الجمع بينهما  مشبوها مولدا للاحتكارات ولنهب الثروة  الوطنية، والاستئثار بالقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي بعيدا عن المشاركة الشعبية في اتخاذه وتكريس الفساد والاستبداد 
* تحري المصلحة العليا  للوطن عند أي التزام خارجي، سياسي ،اقتصادي أو  مالي قد يكون من شأنه  رهن مستقبله وقراره وسيادته ومصادرة حقوق المواطن والأجيال المستقبلية .
في هذا الأفق المتعلق بجانب من موقع مسألة العدالة الاجتماعية في ظل نظام الحكم الديمقراطي ومدى فعالية دور الدولة في  إطاره، يبدو أن أقطار الوطن العربي لازال أمامها طريق  طويل وشاق لإنجاز الانتقال الديمقراطي  الذي يتحقق في نهايته النظام السياسي الديمقراطي الذي يستجيب لتطلعات ومطالب وحاجيات وحقوق المواطن العربي، من حرية وعيش كريم وأمن واستقرار ومساواة، ولكن طريق الألف ميل، كما في المثل  الشائع، تبدأ بالخطوة الأولى، والخطوة الأولى بالنسبة لأمتنا تنطلق من حيت العبر التي يمكن استخلاصها مما انتهت إليه بدايات هذه الألفية الثالثة، والانتفاضات التي طبعتها، والمآلات المأساوية والصادمة التي توجت معظمها، ومن أهمها أن لا مناص من شرط الحكم الديمقراطي، الذي تتحقق في إطاره العدالة الاجتماعية بدل المقاربة الأمنية والقمعية، التي أججت الصراع والتمرد على الوضع القائم، بدل إيجاد مخارج آمنة لحالة التذمر واليأس من إمكانية التغيير الديمقراطي، وما ينطوي عليه ذلك من تهديد لكيان الأمة ووجودها. 
ولأننا في هذا المؤتمر القومي في مقدمة المعنيين بما تمور به الساحات العربية من انتفاضات وصراعات وتحولات، وما يستدعيه هذا السياق المتفجر من اهتمام ويقظة وتأهب،  فإننا بدون شك في مقدمة من يضع يده على الجمر  بإرادة عميقة للدفع في اتجاه التغيير الديمقراطي، وبأمل لا يتسرب إليه اليأس من قدرة أمتنا على تجاوز الآلام والصعاب واستنهاض مقومات التحرر والتقدم، والوحدة والتكامل، والتي تتوفر على رصيد كبير منها ،سواء على المستوى القطري أو على مستوى العمل الوحدوي القومي. ولا أدل على ذلك من عمل هذا المؤتمر، وحتى قبل تفجر الأوضاع، على بلورة مشروع نهضوي تقع مسألة العدالة الاجتماعية في صلب مواضيعه الأساسية.