www.arabnc.org
الاستقلال الوطني والقومي 28البرنامج النهائي 28المشاركون في الدورة 28البيان الصحفي للدورة 28مبادرات ومواقف المؤتمر 10 نيسان 2016 - 8 أيار 2017المشهد السياسي 28الديمقراطية وحقوق الإنسان 28العدالة الاجتماعية 28التنمية المستقلة 28التجدد الحضاري 28أمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلامالبيان الختامي للدورة 26
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
الوحدة العربية 28 ((الوحدة العربية 28))
المؤتمر القومي العربي
ARAB NATIONAL CONFERENCE

التوزيع: محدود
الرقم: م ق ع 28/وثائق 2
التاريخ: 24/4/2017
ـــــــــــــ
المؤتمر الثامن والعشرون، 12 – 13 أيار/مايو 2017، بيروت - لبنان

نحو رؤية إستراتيجية لتحقيق الوحدة العربية**
د. محمد السعيد إدريس*

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي سابقاً
** لا تعبر هذه الورقة بالضرورة عن رأي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.
 
نحو رؤية إستراتيجية لتحقيق الوحدة العربية
د. محمد السعيد إدريس
مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
ربما يعتقد البعض، خصوصاً، في الظروف العربية الراهنة شديدة المأساوية، أن الحديث عن الوحدة العربية كهدف وغاية آنية باعتبارها قاعدة التأسيس للمشروع النهضوي العربي، محض خيال وتفكير عبثي، أو في أحسن الأحوال مجرد تفكير أو طموح رغائبي منقطع الصلة بالواقع على ضوء فداحة التهديدات والمخاطر الراهنة.
نحن نرى العكس، نحن نرى أن الانصراف عن الانخراط في العمل من أجل الوحدة العربية منذ اللحظة هو الذي سيؤدي إلى تفاقم مخاطر التحديات وإكسابها ديمومة يصعب تجاوزها مستقبلاً. كما نرى أن التهاون والانصراف، الذي وصل إلى حد التفريط في العمل الجاد من أجل تحقيق الوحدة، هو الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه من مآسي مروعة.
فالانصراف عن مشروع الوحدة العربية هو الذي أدى إلى تفكك النظام العربي وسقوطه في مواجهة التحديات وفي مواجهة المحاولات الاستيعابية من جانب النظام الإقليمي الشرق أوسطي. كما أن الانصراف عن العمل من أجل تحقيق الوحدة العربية هو الذي أدى إلى تهاوي الدولة الوطنية (القطرية) وانهيار تماسكها ووحدتها الوطنية خصوصاً مع تداعي النظام العربي ذاته. وفضلاً عن ذلك أدى هذا كله إلى صعود خطر الاستقطاب والصراع الإقليمي الذي يستهدف الأمة العربية الآن.
نحن نرى أن الوحدة العربية عملية Process، أي أنها ليست أسيرة صدور قرار كي تتحقق، ولكنها عملية تراكمية في الوعي أولاً وفي الواقع العملي ثانياً، ومن ثم فإن تحقيقها في حاجة إلى عمل نضالي شعبي أولاً وديمقراطي ثانياً، أخذاً بمنهاجية التحدي والاستجابة للتحديات المختلفة التي تستهدف انفراط الرابطة العربية بدءاً بدعوة تفتيت الدولة الوطنية وامتداداً إلى العمل من أجل تفكيك النظام العربي، وانتهاءً بفرض استقطاب إقليمي على أسس عرقية/ طائفية قد تؤدي إلى تذويب الوطن العربي والهوية القومية العربية ضمن كيان إقليمي أوسع متعدد الهويات والقوميات.
التصدي لهذه التحديات وامتلاك القدرة على الاستجابة لمتطلبات هذه المواجهة هو الذي سيعيد تأسيس الفعل التاريخي لبناء أسس قوية ومتينة للوحدة العربية، شرط أن يكون هذا النضال ملتزماً برؤية إستراتيجية لإعادة البناء.
نحن لا نتصور أن الوحدة العربية لا يمكن أن تتحقق تلقائياً، ولا بمجرد عمل دعوي تبشيري، كل هذا ضروري، لكن ما هو أكثر ضرورية هو إدراك أن تحقيق الوحدة العربية هو بالأساس عمل نضالي شعبي وديمقراطي متراكم ومتواصل، وهو أيضاً عمل علمي ومنهجي في حاجة إلى الفكر الإبداعيل لتأسيس لرؤية إستراتيجية لتحقيق الوحدة.
بهذا المعنى نستطيع أن نقول أن النضال الوحدوي يجب أن يأخذ مسارين، التزاماً بمنهاجية التحدي والاستجابة كي نصل إلى الهدف والأمل الذي نريده، انطلاقاً من واقع عربي شديد المأساوية بشهادة آخر قمتين عربيتين: قمة نواكشوط (يوليو/ تموز 2016) وقمة البحر الميت (مارس/ آذار 2017). هذان المساران هما أولاً: نضال قوي في مواجهة التحديات منطلقه ومرتكزه أنه نضال وحدوي هدفه الأساسي هو تحقيق الوحدة العربية، وثانياً، رؤية لإستراتيجية شاملة من أجل تحقيق الوحدة العربية، والتي بدونها سيكون مستحيلاً المضي قدماً في تحقيق باقي أهداف المشروع النهضوي العربي.
أولاً: مسار مواجهة التحديات
تواجه الأمة العربية الآن الكثير من التحديات الصعبة التي تجعلها غير قادرة على التصدي للمخاطر الكبرى وفي مقدمتها الخطر الصهيوني المتصاعد الحريص على الاستفادة من حالة الانهيار والسقوط العربية، وخطر الإرهاب التكفيري المتطلع إلى إسقاط الدولة الوطنية (القطرية) وتأسيس خلافة إسلامية على أنقاض المشروع العربي. من بين هذه التحديات يمكن رصد ثلاثة تحديات كبرى مترابطة يجب أن تكون لها أولوية المواجهة هي: تحدي تداعي النظام العربي، وتحدي تفكك وانهيار الدولة الوطنية العربية، وتحدي الاستقطاب والصراع الإقليمي. مواجهة هذه التحديات الثلاث بوسائل نضالية هو عمل وحدوي بالدرجة الأولى أو بوضوح أكثر هو أحد أهم وسائل تحقيق الوحدة العربية.
1- تداعي وانفراط النظام العربي 
تكشف حالة النظام العربي، باعتباره نظاماً فرعياً من النظام الإقليمى للشرق الأوسط، أن التحالف مع خارج النظام أضحى هو الأكثر رواجاً. فالنظام العربى جرى تفكيكه فعلياً منذ توقيع مصر معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، حيث تراجعت مكانة القضية الفلسطينية كقضية مركزية لهذا النظام. فهذه القضية لم تكن، كما يتصور البعض، مجرد قضية ذات أولوية طاغية على غيرها من القضايا العربية الأخرى الأولى بالاهتمام مثل قضايا التطور الديمقراطى والتقدم الاقتصادى والاندماج السياسى، بل كانت أيضاً "قضية جمعية" أى قضية قادرة، دون غيرها، على تجميع أشتات العرب فى أداء وعمل استراتيجى موحد، وعندما تراجعت مكانة هذه القضية انفرط العقد العربى تماماً، وجاءت حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت 1991) وتداعياتها، وخاصة التوجه نحو تطبيع العلاقات العربية ـ "الإسرائيلية"، والاختراق الأمريكى القوى للنظام العربى ليكمل انفراط هذا العقد الذى أضحى مبعثراً مع غزو العراق واحتلاله عام 2003، ومن بعده الحرب الإسرائيلية على لبنان صيف 2006 والحرب "الإسرائيلية" على قطاع غزة (ديسمبر 2008 ويناير 2009). والمحصلة هي أن  النظام العربى أخذ يتفكك ويخترق من الخارج سواء من النظام الإقليمى الأوسع (نظام الشرق الأوسط)، أو من النظام العالمى. 
كانت هناك عوامل أساسية لتماسك النظام العربى وصموده أبرزها ما وفرته مصر من قدرات لهذا النظام، ودورها القائد وبالتحديد دور الزعامة الناصرية، ودور الأيديولوجية القومية. ولكن حدثت متغيرات وتطورات كثيرة بعد عدوان عام 1967 منها تراجع الدور المصرى وبروز أولوية جديدة لمصر هى تحرير الأرض المحتلة، ثم وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، ومنها دخول مصر فى تحالف مع المملكة العربية السعودية عقب حرب أكتوبر 1973، وحدوث ما سمى بـ "انزلاق" مركز النظام العربى من القاهرة إلى الرياض كنتيجة لتراجع الدور المصرى وحدوث الطفرة الهائلة فى أسعار النفط التى فرضت ما عرف بـ "الحقبة السعودية" أو "الحقبة النفطية" فى حياة النظام العربى، وتغير أنماط التحالفات بتقارب مصر ومعظم الدول العربية مع الولايات المتحدة، وتطبيع مصر علاقاتها مع الكيان الصهيوني عقب التوقيع على اتفاقية السلام عام 1979، ودخول دول عربية أخرى عملية التطبيع هذه عقب المشاركة فى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.
كل هذه التطورات أدت إلى إفقاد النظام العربى الكثير من عوامل التماسك والصمود خصوصاً بعد التداعيات التى هزت بنية النظام العربى أثناء وفى أعقاب ما عُرف بـ "حرب الخليج الثانية"، فمنذ هذه الحرب التي كرَّست الانقسام العربي، وأطلقت، ضمن أخطر تداعياتها، "مشروع سلام مدريد"، ثم الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، وامتداداً إلى تداعيات موجة الثورات أو الانتفاضات التي شهدتها دول عربية ابتداءً من عام 2011 أخذ النظام العربي يتداعى ووصل التداعي إلى ذروته عندما اعتذرت المملكة المغربية عن استضافة القمة الدورية العربية في مارس/ آذار عام 2016 وقبلت موريتانيا بإنقاذ الموقف واستضافت تلك القمة في الخامس والعشرين من يوليو/ تموز 2016.
أكدت القمة العربية السابعة والعشرين التي عقدت في نواكشوط ولمدة يوم واحد، على غير العادة، (25/7/2016) جدية التخوفات التي صاحبت انعقادها وعلى الأخص منذ أن أعلنت المملكة المغربية اعتذارها الرسمي عن استضافة هذه القمة.
كان الاعتذار المغربي جريئاً وفريداً من نوعه لم تعتده الدبلوماسية الرسمية العربية التي اعتادت على التستر على سلبيات العمل العربي المشترك. أهم ما في هذا الاعتذار المغربي أنه كان مسبباً ووضع النقاط فوق الحروف بصدق ودون مواربة خصوصاً عندما تضمن أنه "أمام غياب قرارات مهمة ومبادرات ملموسة يمكن عرضها على قادة الدول العربية، فإن هذه القمة ستكون مناسبة للتصديق على قرارات عادية، وإلقاء خطب تعطي الانطباع الخاطئ بالوحدة والتضامن بين الدول العربية". 
وزاد البيان الاعتذار صراحة عندما كاشف العرب بالقول أن المملكة المغربية "لا تريد أن تُعقد القمة بين ظهرانيها دون أن تسهم في تقديم قيمة مضافة في سياق الدفاع عن قضية العرب والمسلمين الأولى، ألا وهي قضية فلسطين والقدس الشريف، في وقت يتواصل فيه الاستيطان الإسرائيلي فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتنتهك فيه الحرمات ويتزايد فيه عدد القتلى والسجناء الفلسطينيين". 
يومها اختتمت المملكة المغربية اعتذارها بتحديد المسار المطلوب نهجه من جانب القادة العرب وهو "عقد قمة للصحوة العربية ولتجديد العمل العربي المشترك والتضامن باعتباره السبيل الوحيد لإعادة الأمل للشعوب العربية".
لم تطمح المملكة المغربية في ما هو مستحيل أو صعب، لكن ما طمحت إليه هو إعادة الأمل للشعوب، فقط إعادة الأمل وليس الطموح في تحقيقه، وحددت الطريق بتجديد العمل العربي المشترك والتضامن بين الدول العربية. وكان أمام قيادة النظام العربي، حينئذ، ثلاثة خيارات للتعامل مع الاعتذار المغربي. الأول هو إرجاء القمة العربية لأجل غير مسمى، وربط انعقاده بمقومات تحقيق البنود الواردة في بيان الاعتذار المغربي. والثاني هو عقد قمة جادة وقوية تكون قمة للصحوة عن جدية وعزم قادرة على استعادة الأمل العربي وامتلاك مقومات الانطلاق نحو تحقيق الأهداف وأولها بالطبع التصدي لكل التحديات التي تهدد تماسك وبقاء العديد من الدول العربية التي باتت مهددة بالسقوط والانهيار والتقسيم، وتشكيل القوة العربية المشتركة القادرة على خوض معارك الانتصار ضد الإرهاب، واستعادة الوعي في إدارة الصراع التاريخي الإستراتيجي مع الكيان الصهيوني باعتباره العدو الأساسي للأمة. 
أما الخيار الثالث فهو التغاضي عن كل ما ورد من مضامين في بيان الاعتذار المغربي، وعقد قمة مناسباتية للمصافحة والمجاملة الفاترة بين النذر اليسير من قادة الدول العربية الذين سيعطون الأولوية للمجاملات على حساب المصارحات وسيحضرون تلك القمة.
وعندما قررت جامعة الدول العربية انعقاد القمة في موريتانيا التي تكرمت وأنقذت الموقف بقبول استضافتها، لم يصل سوء الظن بأحد من العرب أن يكون هناك خيار رابع لم يرد على ذهن أحد وهو انعقاد قمة عربية تصادق على كل دعوات الانهزام العربي.
هكذا جاءت قمة نواكشوط ببيان هزيل ركيك لا يحمل أية مضامين حقيقية ولا يتضمن أية قرارات قابلة للتنفيذ، لا بخصوص الأزمات العربية المتفجرة، ولا بخصوص القوة العربية المشتركة المؤجل قرارها منذ القمة السابقة التي عُقدت في شرم الشيخ، وكأن الظروف الحالية لا تستدعي أن يكون للعرب قوة عسكرية تقاتل معاركهم، لكن الأهم هو زيف نصوص البيان بخصوص القضية الفلسطينية والموقف من الكيان الصهيوني. فقد دعم ذلك البيان مؤتمر باريس والدعوة الفرنسية لتجديد الأمل في حل الدولتين، أي أنه كالعادة ألقى بالقضية في ملعب المجتمع الدولي وكأن قضية فلسطين تخص هذا المجتمع الدولي ولا تخص الدول العربية، لكن ما هو أدهى وأمر أن هذا التوجه يأتي في وقت يتدافع فيه بعض العرب نحو الكيان الصهيوني ظناً أنه يمكن أن يكون الحليف والملاذ الآمن في وقت يفتقرون فيه إلى الأمان.
أهم ما أنجزته قمة نواكشوط بكل سلبياتها هو أنها قرعت جرس إنذار بالخطر لكل العرب ليهبوا للدفاع عن ذواتهم، الشعوب قبل الحكومات، إنذاراً يضعهم أمام أحد خيارين؛ إما الانفراط النهائي والتشرذم والتبعثر في كيانات صغيرة عرقية وطائفية متصارعة، على نحو ما تتحدث أوراق وخرائط ما يعتبرونه "سايكس- بيكو" أخرى تنهي ما قد تبقى لدى الحالمين العرب من طموحات وحدة الهوية والأرض وطموحات النهوض والتقدم، وإما نفض هذا الغبار اللعين بكل روائحه الكريهة، واستعادة زمام المبادرة والبدء من جديد لإحياء مشروع النهضة العربية والتصدي لكل نوازع التفكك والانهيار.
كانت قمة نواكشوط صادمة في ظروف انعقادها وفي نتائجها الهزيلة. وكانت بمثابة جرس إنذار لكل من يهمهم أمر هذه الأمة، لكن الواضح أن هذا الإنذار لم يصل إلى مسامع أحد، فالواقع يقول أن مؤشر العمل العربي المشترك في الانحدار والتردي بشهادة كبار الخبراء "الإسرائيليين" الذين يؤكدون أن العلاقات العربية – الإسرائيلية أضحت في أوج تألقها، وأن فلسطين لم يعد لها مكان في أجندة أولويات دول عربية محورية.
هؤلاء الخبراء يؤكدون أن ما بين دول عربية و"إسرائيل"، على مستوى الأهداف والمصالح المشتركة يكفي للتموضع في الخندق الواحد. من أبرز هؤلاء الخبراء "آري هبيسطين" مساعد رئيس "معهد أبحاث الأمن القومي" في تل أبيب الذي كتب يقول في نشرة "تحديث إستراتيجي" أن دولاً عربية ازدادت قرباً من "إسرائيل" بعد ما أدركت وجود تقارب في الرؤية والتقدير إزاء مختلف قضايا الشرق الأوسط، وتحديداً ما يتعلق بمواجهة إيران و"حزب الله" وحلفائهما. وإذا كان هذا الباحث قد تحدث بتركيز على السعودية فإنه يرى أسباباً لذلك، أبرزها العداء السعودي- "الإسرائيلي" المشترك لإيران، وإدراك السعودية أن "إسرائيل" يمكن أن تكون قوة داعمة للرياض في غياب الحليف الأمريكي (أيام الرئيس باراك أوباما)، وأنها يمكن أن تكون داعمة لعلاقات سعودية- أمريكية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ما هو أشد خطورة على العمل العربي المشترك ومكانة القضية الفلسطينية كقضية مركزية ضمن هذا العمل ما يروج له الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي منذ سنوات وأخذ يعكس أصداؤه على الإدراك العربي. "فالإسرائيليون" يروجون لأكاذيب تقول أن "إسرائيل" ليست سبباً في الأزمات العربية، وليست سبباً في غياب الأمن والاستقرار عن الشرق الأوسط، وأن العرب وأوضاعهم السيئة هي السبب، ويدللون على ذلك بأن الصراعات الداخلية العربية- العربية، والظواهر الصراعية الجديدة خاصة الصراع السُني- الشيعي، والصراع العربي- الإيراني، والإرهاب، كلها ليست "إسرائيل" سبباً فيها، لذلك يقولون أنه يجب أن يتوقف العالم عن إعطاء أولوية لما يسمى بـ "النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي" والتركيز بدلاً عن ذلك على كل تلك القضايا ذات الأولوية وعلى الأخص الخطر الإيراني والخطر الإرهابي.
رغم هذا كله لم يظهر العرب ونظامهم ممثلاً في جامعة الدول العربية اكتراثاً بإعادة ترميم العلاقات العربية والعمل العربي المشترك والاستعداد للقمة الدورية الجديدة و لم تكشف الأعمال التحضيرية للقمة العربية الدورية الثامنة والعشرين التي عقدت يوم 29 مارس الفائت في العاصمة الأردنية عمّان عن أي نية عربية جادة للتعامل مع الإستراتيجية "الإسرائيلية" الجديدة التي تستهدف إعادة هندسة خرائط التحالفات والصراعات في الشرق الأوسط بما يحقق أعلى مكاسب لدولة الكيان الصهيوني، وعلى الأخص ما يتعلق بالمقايضات الأربعة التي تشغل الإسرائيليين الآن، كما أن هذه الأعمال التحضيرية لم تكشف عن أي نية عربية للرد على المواقف الأمريكية الاستفزازية للحقوق والثوابت العربية في فلسطين، سواء ما يتعلق بدعم الرئيس الأمريكي للموقف الإسرائيلي الرافض لخيار "حل الدولتين" أو ما يتعلق بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ودعم سياسة الاستيطان في الضفة الغربية.
في هذه الأجواء عقدت القمة العربية الثامنة والعشرين على الضفة الشرقية للبحر الميت، وعلى بعد كيلو مترين من الضفة الغربية بفلسطين المحتلة، وعلى بعد ستة كيلو مترات من القدس، وبالقرب من الحدود الأردنية مع كل من العراق وسوريا، ما يعني أن القمة عقدت مكانياً في بؤرة الأزمات العربية، فضلاً عن أن انعقادها زمنياً جاء في ذروة التحديات، وكان من المتوقع أن تكون القمة على مستوى التحديات، لكنها لم تستطع ذلك، جاءت تقليدية في قراراتها وأهم ما أنجزته هو مجموعة من المصالحات العربية، وبالتحديد مصالحة مصرية- سعودية، لم تمتد إلى تحقيق مصالحة مصرية- قطرية، وفضلاً عن ذلك قررت ترحيل ملف فلسطين إلى واشنطن واكتفت بإدانة عربية واضحة وصريحة لإيران وتوافق عربي شامل على رفض أي تدخل في الشئون العربية الداخلية. فقد تضمن "إعلان عمان" الذي تلاه الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط مجموعة من القرارات التي رأى فيها البعض تراجعاً عن توقعات كانت تتردد في أروقة المؤتمر وخاصة ما يتعلق بإجراء تعديل في جامعة الدول العربية، سواء من ناحية "قبول الطرف الفلسطيني وبعض الدول العربية إعادة صياغة معادلة الأرض مقابل السلام لتصبح دولة فلسطين مقابل السلام، أي التنازل، ولو بشكل مؤقت عن طلب الانسحاب "الإسرائيلي" من هضبة الجولان السورية"على نحو ما كتب "تسفي برئيل" في صحيفة هآرتس، ما يعني أن هذا التوقع كان "إسرائيلياً"، أو أنه كان مثار تفاهمات لإطراف عربية مع "الإسرائيليين"، أو من جانب الوسيط الأمريكي مبعوث الرئيس ترامب جيسون جرينيلات الذي أجرى محادثات مستفيضة مع "الإسرائيليين" والفلسطينيين قبيل انعقاد القمة العربية، وتواجد في أروقة القمة وأجرى العديد من اللقاءات مع أطراف عربية. كان هناك توقع بتعديل آخر في المبادرة العربية التي تنص على مبادلة الأرض مقابل السلام، بحيث يبدأ تطبيع العلاقات العربية- "الإسرائيلية" فور إعلان الكيان الصهيوني موافقته على المبادرة، وليس نتيجة للمفاوضات الفلسطينية – "الإسرائيلية" التي تجرى بين الطرفين على أساس هذه المبادرة.
إعلان عمّان شدد من ناحية على أن "السلام الشامل والدائم خيار عربي إستراتيجي تجسده مبادرة السلام العربية" لكنه من ناحية أخرى، وصف هذه المبادة بأنها "لا تزال تشكل الخطة الأكثر شمولية قدرة على تحقيق مصالحة تاريخية". مصطلح "المصالحة التاريخية" هو الجديد على الخطاب السياسي العربي، ويكاد يتماهى مع ما سبق أن عبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصص "الصفقة الشاملة" التي أثارت وقت طرحها توجساً إسرائيلياً ملحوظاً، خشية أن يكون ثمن هذه الصفقة هو فرض واشنطن لخيار حل الدولتين.
فقد سبق انعقاد القمة العربية تردد أنباء ومعلومات مصدرها واشنطن وتل أبيب مفادها اعتزام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمرير "وصفته" لتسوية فلسطينية- إسرائيلية عبر مفاوضات تستمر ستة أشهر، وأن جولة مبعوثه للمنطقة جيسون جرينيلات ولقاءاته مع المسئولين الإسرائيليين والفلسطينيين قبيل القمة كانت لتسويق تلك "الوصفة" أو "الخطة" بين الأطراف المعنية وأن حضوره القمة العربية كان للغرض ذاته. ووفق ما تم تسريبه من معلومات عن هذه الخطة فإنها تتضمن شروطاً ثقيلة الوطأة أكثر من كل سابقاتها، وأكثر مما تتضمنه تسوية تكفل الحد الأدنى من المطالب والحقوق الفلسطينية.
هذا هو حال النظام العربي الآن الذي أضحى أهم التحديات التي تواجه وحدة الأمة، وتدعم مخطط انفراطها وإعادة تقسيمها، ودون مواجهة هذا الخطر من المستحيل الحديث بجدية عن طموح عربي للوحدة ومواجهة هذا الخطر هو أولى المهام النضالية العربية الأساسية لتجديد الأمل في وحدة العرب.
2- تحدي انفراط وإعادة تقسيم الدول
ترجع جذور هذا الخطر إلى تاريخ التلاقي في التآمر بين كل من المشروع الاستعماري الصهيوني والمشروع الاستعماري الغربي عندما اتفق المشروعان على مهمتين تاريخيتين يرتبط بهما مستقبل هذين المشروعين. المهمة الأولى هو الإمعان في تقسيم وتفتيت الدول العربية والحيلولة دون توحدها، والثانية هي إقامة الدولة اليهودية في قلب الوطن العربي في فلسطين باعتبار أن قيام هذه الدولة اليهودية هو الخطوة الأهم لضمان عدم توحد العرب والإيذان بفرض مخطط التقسيم والتجزئة.
وإذا كان مؤتمر بازل الذي نظمه كبير الصهاينة تيودو هرتزل عام 1897 هو الذي أعلن الانطلاقة المنظمة والمؤسسية للمشروع الصهيوني لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين فإن الوثيقة  التى خرجت عن مؤتمر "هنرى كامبل بينرمان"، الذى حمل اسم وزير المستعمرات البريطانى فى ذلك الوقت والذى قام بالدور الأساسى فى تنظيم وإدارة هذا المؤتمر، جاءت من ناحية مكملة للوثيقة التى صدرت عن المؤتمر اليهودى الأول فى بازل بسويسرا عام 1897، ووضعت من ناحية أخرى استراتيجية الغرب فى إخضاع الوطن العربى للسيطرة والهيمنة الغربية وأسست بالتالى لمشروع صهيونى – غربى إمبريالى هدفه وأد أى نهوض عربى يكون فى مقدوره تحدى ذلك المشروع.
كان هدف ذلك المؤتمر هو البحث فى مصادر الخطر على المشروع الاستعمارى الأوروبى، وكانت المحصلة هى تحديد منطقة الجنوب الشرقى للبحر المتوسط كمصدر للخطر (مصر والشام والعراق). فهذه المنطقة – حسب تلك الوثيقة هى الشريان الحيوى للاستعمار الأوروبى لأنها الجسر الذى يصل الشرق بالغرب، والممر الطبيعى إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى قارات العالم (لم يكن النفط العربى واحتياطياته الهائلة قد تأكدت بعد)، وهى أيضاً مهد الأديان والحضارات، وحدد المؤتمر أسباب التعامل مع هذه المنطقة كمصدر للخطر والتهديد بأنها منطقة يعيش فيها شعب واحد (أدركوا مبكراً أننا شعب واحد ولسنا شعوباً عربية) تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان.
وقد توصلت تلك الوثيقة إلى أن الحضارة العربية – الإسلامية هى العدو ويجب مواجهتها بسياستين: الأولى، هى الحيلولة دون توحدها والإمعان فى تقسيمها وتجزئتها، والوسيلة الأفضل لذلك هى غرس كيان لشعب غريب فى قلب هذه المنطقة بإقامة الدولة اليهودية فى فلسطين ككيان غريب ومعادى يفصل عرب أفريقيا عن عرب آسيا ويحول دون توحيد العرب. الثانية، هى الإمعان فى تخلفها والحيلولة بينها وبين العلم، وإخضاعها للسيطرة الغربية الاستعمارية. 
هكذا تحددت معالم المشروع وبدأت إجراءات تنفيذه فى أوج الحرب العالمية الأولى التى أسقطت الإمبراطورية العثمانية ومزقت أطرافها من خلال اتفاق سايكس – بيكو (1916) أولاً الذى مزق وحدة المشرق العربى والهلال الخصيب وأوقعه تحت السيطرة البريطانية – الفرنسية، ثم بصدور "وعد بلفور" (1917) بإقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين، والتنسيق ثالثاً مع الوكالة اليهودية الدولية لإقامة الدولة الصهيونية عبر تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين والتستر على الجرائم التى ارتكبت ضد الشعب الفلسطينى للاستيلاء على أرضه وإبعاده عن وطنه حتى قامت حرب عام 1948 التى فرضت وجود الكيان الصهيونى كرمز لنجاح المشروع الصهيونى – الاستعمارى الغربى.
لم يلتفت العرب جدياً منذ ذلك التاريخ لمحورية الترابط بين المشروعين الصهيوني والاستعماري الغربي من ناحية، وأيضاً لمحورية الترابط بين تحرير فلسطين والقضاء على الخطر الصهيوني وبين تحقيق أمل الوحدة العربية من ناحية أخرى، وقد انعكس ذلك جلياً في ارتباكات وتخبط النظام العربي الذي تأسس ضعيفاً ومنهكاً ومخترقاً منذ تأسيسه عام 1945، ولذلك أخذ التآكل ينال من قوة وتماسك هذا النظام حتى بدأ مخطط تفكيكه لفرض نظام إقليمي شرق أوسطي بديل قادر على تحقيق المشروع الإمبراطوري الأمريكي عقب تداعي نظام القطبية العالمية الثنائية وانهيار الاتحاد السوفيتي.
كان مشروع الشرق أوسط الكبير الذي تستر وراء الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 هو الذي حمل دعوة "إعادة ترسيم الخرائط السياسية"، أي إقامة نظام إقليمي شرق أوسطي جديد على أنقاض النظام العربي يكون مدخلاً لإعادة رسم حدود جديدة للدول انطلاقاً من ضرورة إعادة تقسيمها على أسس عرقية ودينية/ طائفية ، بعد الترويج لقناعة مفادها أن الدول العربية باتت دولاً فاشلة مفرِّخة للإرهاب الذي قام بارتكاب جريمة تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، وأن هذه الدولة فاشلة لأنها "قابلة للانفجار، وأن الحل يكمن في إعادة تقسيم ما سبق تقسيمه بخطة بديلة لمشروع "سايكس – بيكو" الأولى، تكون قادرة على النجاح في ما فشل فيه "سايكس- بيكو الأولى" وذلك بإقامة دويلات وكيانات أكثر تجانساً عرقياً وطائفياً، تكون نواة تأسيس المشروع الإقليمي الجديد، الذي يكون بمقدور الكيان الصهيوني قيادته والسيطرة عليه.
كانت بداية الانخراط في هذا المشروع عملياً سابقة أو مقدمة للغزو الأمريكي للعراق وإطلاق دعوة "الشرق الأوسط الكبير"، وإعادة ترسيم الخرائط السياسية للدول العربية بما لا يقل عن 15 عاماً، وبالتحديد في خضم الحرب العراقية – الإيرانية، عندما صرح مستشار الأمن القومي الأمريكي حينئذ زبينجينو بريجنسكي بأن "المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة منذ الآن هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية، تقوم على هامش هذه الحرب، وتستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود "سايكس- بيكو". بعدها بدأ المؤرخ الصهيوني المتأمرك برنارد لويس (يهودي بريطاني الأصل أمريكي الجنسية- أستاذ فخري لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برينستون الأمريكية، أحد أقطاب جماعة المحافظين الجدد الذين خططوا لغزو العراق واحتلاله)، بوضع مشروعه الشهير الخاص بتفكيك وحدة وتماسك الدول الوطنية "القطرية" العربية إلى كيانات عرقية وأخرى طائفية تكون نواة لمشروع إقليمي شرق أوسطي جديد. كانت أبرز تجليات تنفيذ هذا المخطط في العراق. 
خطر التفكيك الطائفى – العرقى للدول العربية جدد كشف مخططه "آفى ديختر" وزير الجبهة الداخلية فى الحكومة الإسرائيلية الأسبق فى محاضرة له فى شهر أكتوبر/ تشرين الأول (2012) ونقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” نصها وفي هذه المحاضرة كشف ديختر عن الأدوار التي قامت بها “إسرائيل”منذ أواخر عقد الستينات ضد العراق، من خلال تقديم الدعم والمساندة لحركة التمرد الكردية، ضمن سياسة دعم الأقليات في الأقطار العربية، بهدف النيل من التماسك الوطني والوحدة الوطنية لهذه الأقطار، أملاً في تفكيكها وإعادة تقسيمها مرة أخرى، أي إعادة تنشيط مخطط التقسيم الذي بدأ مع اتفاقية سايكس - بيكو عام 1916 . لكن، وفي هذه المحاضرة كشف ديختر أيضاً عن حقيقة الأهداف “الإسرائيلية”نحو العراق منذ الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق العام ، 2003 عندما أكد أن هدف “إسرائيل”الاستراتيجي هو عدم السماح للعراق بأن يعود إلى ممارسة دور عربي وإقليمي، مشيراً إلى أنه إذا كان العراق قد تلاشى كقوة عسكرية وكبلد موحد بفضل الأدوار التي قام بها الأمريكيون داخله منذ غزوه واحتلاله، فإن هدف تحييده عن طريق تكريس أوضاعه الحالية يعد هدفاً وأولوية استراتيجية للأمن “الإسرائيلي”.
تحليل ديختر للوضع العراقي الراهن يوضح ثلاثة مشاهد عراقية كئيبة ترضي الكيان الصهيوني، وهي: 1- انقسام العراق على أرض الواقع إلى ثلاثة كيانات أو أقاليم رغم وجود حكومة مركزية، 2- العراق مازال عرضة لاندلاع جولات جديدة من الحروب والاقتتال الداخلي على أساس طائفي وعرقي، 3- العراق بأوضاعه الأمنية والسياسية والاقتصادية لن يسترد وضعه السابق .
ضمن هذه المشاهد الثلاثة كشف ديختر عن المخطط “الإسرائيلي”للعراق الذي يرتكز على مقولة عدم السماح للعراق بأن يعود قادراً مجدداً ليقوم بدور قيادي فاعل على أي من المستويين العربي والإقليمي، وأنه لتحقيق هذا المخطط لا تدّخر “إسرائيل”جهداً، عبر كل الوسائل المرئية وغير المرئية، المشروعة وغير المشروعة، مع تعويل كامل على أدوار أمريكية بالعراق، لا تقل أهمية لتحقيق هذا الهدف، لدرجة إعلانه أنهم في الكيان الصهيوني لا يدخرون جهداً لخلق ضمانات وكوابح من شأنها ضمان عدم العودة هذه، ليس فقط من شمال العراق، بل وفي العاصمة بغداد، والحرص على نسج علاقات مع بعض النخب السياسية والاقتصادية، حتى تبقى ضمانة ل “إسرائيل«، لبقاء العراق خارج دائرة الدول العربية التي هي في حالة حرب مع “إسرائيل”.
هذا الخطر المحدق بالعراق امتد إلى سوريا وسبق أن فرض نفسه كأمر واقع فى السودان الذى تعرض للتقسيم، وكان أول قرار اتخذته حكومة جنوب السودان الانفصالية هو إقامة علاقات مع "إسرائيل". فالنموذج الكردى فى العراق يتجدد الآن فى سوريا دون تدبر أو اكتراث من معظم قوى المعارضة، على الرغم من وجود خيوط تقارب وربما ارتباط بين هذا النموذج التفكيكي للدولة السورية وقرينه في العراق بكل ما يمثله هذا النموذج العراقي من كوارث لمستقبل سوريا .
اللافت هنا أن الحديث عن “الكيان الكردي الجديد” في شمالي سوريا الممتد من عفرين غرباً إلى حلب وحتى القامشلي في الشرق على طول معظم الحدود  السورية مع تركيا المدعوم الآن أمريكياً في الظاهر و"إسرائيلياً" في المضمون لا يحظى بأي اهتمام أو تركيز لدى المعارضة السورية أو لدى الأطراف العربية والإقليمية، ربما باستثناء تركي اضطراري له دوافعه الأمنية. نجاح هذا المخطط في سوريا يمكن أن يكون بداية جادة لفرضه كسياسة معتمدة مدعومة، وبكل أسف أمريكياً وروسياً، في ظل ما سبق أن تردد من مشروع روسي لدستور سوري جديد يلغي مسمى العروبة عن سوريا، ويعطي أولوية لفيدراليات على غرار مشروع "الفيدراليات العراقية" التي في طريقها الآن للتحول إلى مشروع حقيقي لفرض مخطط التقسيم على نحو ما يسعى الأكراد في العراق.
مواجهة هذا المخطط تستلزم بداية التصدي لمصادر تغذينه، وأبرزها ثلاثة مصادر تغذى وتدفع بمخططات إعادة التقسيم والتفتيت للدول العربية وتفكيك النظام العربى وانفراطه. أول هذه المصادر هو المخططات الاستعمارية الغربية المندمجة مع المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني التي تربط بين نجاح فرض السيطرة الغربية على وطننا العربي بالإمعان في تقسيمه وتجزئته وفرض الدولة اليهودية في فلسطين كأهم أدوات ذلك التقسيم وتلك السيطرة، وهو المشروع الذي أخذ يتجدد في السنوات الأخيرة عبر مسميات متعددة ودعاوي لإطلاق الصراعات العرقية والطائفية في الدول العربية، ويعبر عن نفسه الآن بدعوة الفيدراليات في سوريا والعراق كمقدمة لتجديد مشروع إعادة التقسيم.
ثاني هذه المصادر، هو الدولة التسلطية العربية المستبدة والفاشلة والعاجزة التي أجهضت فرص التقدم وهددت التماسك الوطني والاجتماعي، وكانت أهم وسائل الانخراط العربي في التبعية للغرب، وهى التى أدت بسياساتها تلك، إلى اضمحلال قدرات الدول العربية وتحولها إلى دول فاشلة وعاجزة وقابلة للانفراط، وحفزت المكونات الاجتماعية العرقية والطائفية للتمرد والانخراط فى مخططات إعادة التقسيم. 
ثالث هذه المصادر هو، تيارات الإسلام الجهادى التكفيرية، التى وجدت فرصتها سانحة مع اندلاع مشروع الثورات والانتفاضات وانقضت على حلفائها التقليديين من نظم الحكم التسلطية والمستبدة، وانطلقت لفرض مشروع "الخلافة الإسلامية". بإعطاء الأولوية لإسقاط الدول وأنظمة الحكم القائمة، وتفجير المجتمعات من الداخل بتكفيرها سعياً وراء إقامة دولة "الخلافة الإسلامية".
3. تحدي الاستقطاب والصراع الإقليمي
تزامنت عوامل التفكك التي أصابت النظام العربي بعد حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت عام 1991) والتي اكتملت تداعياتها بالغزو والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 مع بروز أدوار قوى إقليمية شرق أوسطية استطاعت أن تفرض نفسها كفواعل أساسية فى تفاعلات النظام العربى خاصة إيران وتركيا ما أدى إلى حدوث قدر من ذوبان النظام العربي فى نظام الشرق الأوسط حيث توارت المبادرات العربية لحل القضايا والأزمات العربية مقارنة بأدوار ومبادرات كل من إيران وتركيا، وتزايد الدور "الإسرائيلى" المباشر أو غير المباشر فى بعض تلك القضايا.
هذا الوضع الانقسامى للنظام العربى المقترن بافتقاد الفعالية سواء على مستوى القيام بالوظائف المنوطة به أو على مستوى مواجهة التحديات التى تواجه الأمة ازداد كارثية على ضوء بروز خريطة صراعات وتحالفات إقليمية جديدة فى ظل استقطاب حاد لقلب النظام وتركزه فى ثلاثة قوى إقليمية أساسية هى إسرائيل وإيران وتركيا وتحول العرب إلى مجرد طرف فى تفاعلات النظام الشرق أوسطى الأوسع الذى يكاد يبتلع النظام العربى في أسوأ أطوار تفككه وصراعاته الداخلية.
فجوهر التفاعلات الإقليمية الآن، وكما تعبر عنها خريطة توزيع القوة بين الفواعل الأساسية للنظام الإقليمي الشرق أوسطي تقول أن هذا النظام يتجه إلى هيكلية قيادة ثلاثية متصارعة؛ حيث يسعى الكيان الصهيوني إلى أن يفرض نفسه كقوة إقليمية عظمى مسيطرة، فى حين ترفض إيران ذلك وتقوم بدور القوة المناوئة والساعية إلى فرض نفسها كزعامة مهيمنة إقليمية بديلة، فى حين أن تركيا، وإن كانت تبدو أنها راضية بدور الموازن الإقليمى Regional Balancer ، فإنها أيضاً حريصة على أن تكون قوة منافسة على الزعامة الإقليمية وخاصة في ظل التحولات الجديدة في النظام السياسي التركي وتحوله إلى نظام رئاسي يعطي لرئيس الدولة رجب طيب إردوغان سلطات قوية تحقق نوازعه الجديدة في التمدد والسيطرة الإقليمية على نحو ما يحدث الآن في سوريا والعراق من تدخلات تركية.
إذا كان قلب النظام يتكون من هذه القوى الإقليمية الكبرى الثلاث فإن النظام العربى بدوله الاثنين والعشرين ومعه أثيوبيا، تحولوا جميعاً، وفى السنوات الأخيرة إلى أطراف فى معظم الأحيان، وفى بعضها حاول النظام العربى، أو بالتحديد بعض القوى العربية الرئيسية (دول القلب: مصر والسعودية وسوريا) القيام بأدوار مشاركة فى تفاعلات قلب النظام، فى حين أن أثيوبيا اكتفت بأن يكون دورها محصوراً فى جوارها الأفريقى مع اهتمام بثلاث دول عربية: السودان واليمن والصومال، لكن الأهم أنها قبلت أن تكون تابعة "لإسرائيل"، وأن تمارس أدوار الوكيل للكيان الصهيوني وخاصة فى تفاعلاته المهمة فى جنوب الوادى سواء فى قضايا الصومال والسودان، أو بالنسبة لتفاعلات وادى النيل والصراع حول تقاسم مياه النهر، حيث برز الدور الأثيوبى قوياً ومؤثراً، ولكن بنكهة إسرائيلية فاقعة.
تعبر خريطة توازن القوى الإقليمية كما هى واضحة ومؤكدة عن حالة اشتباك بين مشروعات إقليمية ثلاثة هى: المشروع الصهيونى – "الإسرائيلى"، والمشروع الإيرانى – الإسلامى، والمشروع التركى الذى مازال محكوماً بتفاعلات شديدة الخصوصية بين ما هو "أتاتوركى" وما هو "عثمانى جديد" دون استقرار على صيغة لمشروع واضح ومحدد المعالم يحقق لتركيا طموحاتها فى الاندماج بالاتحاد الأوروبى من ناحية ويحقق لها أيضاً نوازعها الشرقية بأبعادها الحضارية والتاريخية، وإن كان قد حسم توجهاته بعد الاستفتاء الأخير على التعديلات الدستورية، التي ستؤثر سلبياً على روابطه الأوروبية.
التفاعل بين هذه المشروعات الثلاثة يؤثر بقوة على الأمن القومى العربى ويزيد الخيارات العربية تعقيداً، وبالذات بالنسبة للعلاقة مع إيران التى تثير انقساماً واضحاً فى الإدراك السياسى العربى، بعضه ناتج من خصوصيات المشروع الإيرانى وبعضه الآخر ناتج من تفاعلات هذا المشروع الإيرانى مع كل من المشروعين"الإسرائيلى" والتركى، حيث يظهر التنافس قوياً بين إيران و"إسرائيل" على كسب تركيا والدول العربية ضمن الصراع الأهم بينهما على فرض السيطرة والهيمنة الإقليمية.
وإذا كانت كل من إيران وتركيا تسعيان إلى كسب مناطق نفوذ على الأرض العربية من خلال الانحياز إلى أطراف الصراعات الداخلية في دول عربية تواجه أزمات حادة على نحو ما يحدث في العراق وسوريا واليمن وليبيا على وجه الخصوص، فإن الكيان الصهيوني يسعى إلى فرض استقطاب إقليمي يكون قادراً على إحداث تحولات جذرية في مجريات خرائط التحالفات والصراعات الإقليمية في اتجاه يؤدي في النهاية إلى طمس معالم القضية الفلسطينية واستبدال الصراع العربي- الصهيوني بصراع عربي- إيراني محوره الصراع الطائفي السُني- الشيعي.
الاستقطاب الجديد الذي يريد الكيان الصهيوني أن يفرضه مستغلاً حالة الارتباك العربية هو تأسيس ما يسمونه بـ "تحالف الاعتدال" الذي يضم دولاً عربية لم تعد طرفاً في صراع مع "إسرائيل" يفضلون تسميتها "الدول السُنية" يتسع ليضم "إسرائيل" وتركيا مستقبلاً تحت رعاية أمريكية، وهو التحالف الذي أعطوه اسم "حلف ناتو إقليمي" أي حلف إقليمي على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو) يؤسس على قاعدة تعاون دفاعي وأمني واستخباراتي ضد تحالف آخر، يأخذ مسمى "الهلال الشيعي" تقوده إيران ويضم الدول القريبة من طهران خاصة العراق وسوريا ولبنان.
هذا الاستقطاب الثنائي تسعى "إسرائيل" إلى تحويله من مجرد افتراض نظري إلى واقع عبر مجموعة من السياسات والإستراتيجيات التي تحاول الترويج لها لتيسير هذا الاستقطاب الإقليمي الثنائي بين قطب محور الاعتدال أو "حلف الناتو الشرق أوسطي" تقوده هي، و"محور الشر" الذي تقوده إيران.
من بين أبرز وأهم هذه السياسات والإستراتيجيات الإسرائيلية التي تراها "إسرائيل" ضرورية للنجاح في تأسيس "الناتو الإقليمي" وتقليص وزن التحالف المعادي الذي تقوده إيران ما يمكن تسميته بـ "إستراتيجية المقايضات"، وهي مجموعة من "المقايضات" تسعى "إسرائيل" إلى الخوص فيها لتجاوز العقبات والقيود التي قد تعرقل مسعاها لتزعم هذا التحالف مع من تسميهم بـ "الدول السُنية" وتركيا، وتفرضها قوة قائدة لهذا التحالف الجديد من ناحية، ثم تقليص قوة التحالف المعادي الذي تقوده إيران من ناحية أخرى.
أول هذه المقايضات تخص إعادة هندسة الأوضاع في سوريا تستهدف إنهاء الأزمة السورية بشكل يؤمِّن المصالح الإسرائيلية كاملة ويحول دون تحويل سوريا إلى قوة مناوئة أو معادية أو طرفاً في التحالف الآخر المعادي من خلال خطة صاغها وزير البناء والإسكان الإسرائيلي يؤاف جالنت حملت اسم "خطة سياسية إستراتيجية" لتحقيق المصالح "الإسرائيلية" في سوريا، عرضها على "المجلس الوزاري المصغر" برئاسة بنيامين نتنياهو قبيل سفره إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو اللقاء الذي تم يوم 15 فبراير الماضي، ونشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أهم معالمها.
تهدف هذه الخطة إلى "صد التهديد الإيراني الذي قد ينشأ على الحدود الشمالية لإسرائيل" من خلال "فرض مصاعب أمام احتمال نجاح إيران في إقامة ممر بري يربط بينها وبين حزب الله في لبنان عبر الأراضي العراقية والسورية، على أن يشمل الحل السياسي المستقبلي للأزمة السورية، وكجزء منه، اعتراف بالسيادة "الإسرائيلية" على هضبة الجولان السورية".
وتشدد الخطة على أنها في تطبيقها، تصب في مصلحة الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا وما تسميه بـ "العالم السُني" وهو الاسم الذي يركز عليه الإعلام "الإسرائيلي" حالياً لتذويب واختفاء ما يسمى "العربي" نهائياً. وبحسب هذه الخطة، ينبغي أن تقوم الولايات المتحدة بقيادة ائتلاف دولي لإعادة إعمار سوريا، أي مقايضة إعمار سوريا، التي لن تدفع فيها إسرائيل دولاراً واحداً مقابل فرض السيادة الإسرائيلية كاملة على هضبة الجولان، أي الإعمار مقابل الجولان. 
المقايضة الثانية تخص روسيا، وسبق أن ألمحت إليها صحيفة وول سترتيت جورنال الأمريكية، عبر خطة تهدف إلى تفكيك العلاقة بين روسيا وإيران على أن يتم مقايضة السماح لروسيا بأن تكون القوة المسيطرة على سوريا في المستقبل نظير تفكيك روسيا لتحالفها مع إيران، شرط موافقة روسيا على منع أي نفوذ أو وجود سياسي أو عسكري لإيران وحزب الله في سوريا قد يسمح بإقامة جبهة عسكرية ضد إسرائيل في الجولان على غرار الجنوب اللبناني. وهذا معناه تفكيك كل روابط النفوذ الإيراني في المشرق العربي كله، وعزل حزب الله تمهيداً للقضاء عليه باعتباره أخطر مصادر التهديد لأمن إسرائيل، هذه المقايضة مع روسيا تعني: إيران مقابل سوريا .
المقايضة الثالثة تخص قطاع غزة وتتضمن، وفق خطة أعدها وزير الأمن الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان، وعوداً بإعادة إعمار قطاع غزة وتحويله إلى "سنغافورة شرق أوسطية" مقابل تخلي حركة "حماس" نهائياً عن خيار المقاومة، وتتضمن خطة ليبرمان دعوة صريحة إلى انفصال سكان غزة عن سائر الشعب الفلسطيني في الضفة والداخل والشتات، وبعبارة أكثر مباشرة، دعوة فصائل المقاومة إلى إلقاء السلاح، وهي تعني أيضاً التخلي عن مقاومة الاحتلال في الضفة، وقبول الاستيطان، واحتلال القدس وكل فلسطين.
المقايضة الرابعة والأهم: هي مقايضة فلسطين بـ "التحالف الإقليمي"، أي أن تتخلى الدول العربية عن القضية الفلسطينية وخيار حل الدولتين والقبول بالكيان الصهيوني دولة يهودية مقابل تحالف الكيان مع الدول العربية "السنية" ضد الخطر الإيراني الذي تعمل "إسرائيل" بدأب على تحويله كمصدر أساسي للتهديد بالنسبة لمن تسميهم بـ "الدول السُنية المعتدلة" والمقايضة هنا تعني الدعم "الإسرائيلي" ضد إيران مقابل التخلي العربي عن فلسطين. لقاء نتنياهو مع ترامب حمل مؤشرات شديدة الخطورة بهذا الخصوص. 
إسقاط هذا الاستقطاب وإفشال هذه المقايضات هو أيضاً مهمة نضالية وحدوية، بامتياز من المستحيل تصور، أو تخيل، عمل عربي وحدوي إذا ما نجح مخطط فرض هذا الاستقطاب كأمر واقع، لأنه استقطاب يستهدف بالأساس اجتثاث الهوية القومية العربية.
ثانياً: مسار صياغة رؤية إستراتيجية جديدة لتحقيق الوحدة العربية
التحديات الثلاث الكبرى هذه تحمل إنذاراً بالخطر لكل العرب جميعهم، الشعوب قبل الحكومات، إنذاراً يضعهم أمام أحد خيارين؛ إما الانفراط النهائي والتشرذم والتبعثر في كيانات صغيرة عرقية وطائفية متصارعة، على نحو ما تتحدث أوراق وخرائط ما يعتبرونه "سايكس- بيكو" أخرى تنهي ما قد تبقى لدى الحالمين العرب من طموحات وحدة الهوية والأرض وطموحات النهوض والتقدم، وإما نفض هذا الغبار اللعين بكل روائحه الكريهة، واستعادة زمام المبادرة والبدء من جديد لإحياء مشروع النهضة العربية والتصدي لكل نوازع التفكك والانهيار، فإن القرار سيبقى في النهاية مرهوناً بإرادة الشعب العربي في كل أقطاره، وهي الإرادة التي سبق أن اختبرت عشرات المرات في سنوات وتجارب حالكة السواد لكنها كانت دائماً عند حسن الظن بها، وكانت قادرة على صنع المستحيل.
لكن دائماً يبقى السؤال هو كيف؟ هل يمكن للعرب الخروج من النفق المظلم؟ وكيف؟
هذا السؤال كان عنواناً، ومازال، لمبادرات صادقة طرحتها مجموعات عربية متنوعة المشارب واعية وصادقة في وعيها بأن: "الأمة مازالت تستطيع". وكان السؤال الشاغل هو: هل ثمة مخرج من كابوس عملية التفتيت والتفكيك التدميريتين الجارية الآن؟
رغم أهمية هذا السؤال لكنه، للأسف، لا يرى الأبعاد الكاملة للواقع العربي الراهن، فعلى الرغم من خطورة تلك التحديات الكبرى إلا أنها تعتبر، بذاتها، حوافز للنهوض مجدداً لبناء أفق مستقبلي لوحدة عربية حقيقية وشاملة، ومع ذلك هناك حقائق أربع مهمة لم تعد خافية على أحد من بين كل الحقائق الراهنة، لكن هذه الحقائق الأربع تؤكد أن مسار الوحدة مازال مفتوحاً وممكناً شرط أن تمتلك الإستراتيجية الناجحة لتحقيقها وعياً بكل دروس الانتكاسات السابقة.
أول هذه الحقائق، أن الدولة الوطنية العربية، سواء كانت ليبرالية وديمقراطية، أو كانت مستبدة وتسلطية، سواء كانت جمهورية، أم كانت ملكية أثبتت أنها ليست فقط عاجزة عن تحقيق التقدم وفرض نفسها ضمن معادلات النظام العالمى كشريك فى الإنتاج ومن ثم كشريك فى القرار، بل أضحت غير قادرة على حماية وجودها والتصدى لمحاولات إعادة تقسيمها. 
ثانى هذه الحقائق، أن هذه الدولة الوطنية لم تستطع بتحالفاتها الدولية، سواء كانت مع الغرب الرأسمالى بقيادته الأمريكية، أو مع الشرق السوفيتى السابق وما بعده، أو بتحالفاتها الإقليمية مع تركيا أو مع باكستان أو إيران، أن تحقق أهداف الاستقرار والتماسك السياسى أو تحقيق التقدم الاقتصادى والاجتماعى والمكانة الإقليمية والدولية. لقد كانت هذه التحالفات أدوات للتغلغل وفرض التبعية ونهب الثروات وقضم الأراضى، وفرض الاستعلاء والاستكبار سواء كان عالميا أو إقليميا. 
ثالث هذه الحقائق، أن مشروع "الإسلام السياسى"، بشتى تلاوينه سواء كان إخوانيا، أو كان جهادياً سلفيا تحول إلى التكفير (داعش والقاعدة وتفريعاتهما)، أو كان شيعيا طائفيا ممتد الولاء نحو طهران وولاية الفقيه، لم يحفظ للدولة الوطنية تماسكها الاجتماعى والسياسى، بل كان أحد أهم أسباب وأدوات إعادة التفتيت والتقسيم وتهديد الوجود الوطنى لهذه الدول، فضلا عن أنه أخذ يهدد هويتها الحضارية القومية العربية، ويضرب نظامها العربى فى العمق بطرح مشروعات الخلافة الإسلامية متباينة الرؤى. 
رابع هذه الحقائق، أن العروبة والمشروع القومى العربى يبقيان هما الضمان الأهم، وربما الوحيد، لبقاء وجود الدولة الوطنية العربية ذاته، لكن العروبة، كهوية، والمشروع القومى العربى كمرتكز لن يستطيعا تحقيق ذلك دون ربط شرط الوحدة، كأساس جوهرى للمشروع، بشروط التقدم الحضارى والديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية. كما أن امتلاك هذه الشروط لا يكفى أيضاً لتحقيق الأهداف دون مواجهة مصادر تغذية الدعوة التقسيمية لدولنا العربية.
هذه الحقائق الأربعة، تعني أول ما تعني، أن الوحدة العربية هي خيار المستقبل للأمة العربية حفاظاً على البقاء والوجود وطموحاً لتحقيق المشروع النهضوي العربي، لكن يبقى السؤال الأهم هو: كيف، بعد كل الانتكاسات والهزائم التي واجهت مشروع الوحدة أن نجدد النضال من أجلها مرة أخرى؟ وإذا كنا قد أجبنا على الشطر الأول من السؤال عبر طرح خيار الاستجابة للتحديات ومواجهتها وبالذات التحديات الكبرى الثلاث التي ركزنا عليها باعتبار أن هذه المواجهة هي في ذاتها نضال يفتح آفاق العمل الوحدوي رحبة أمام كل ما يخلص العمل من أجلها، فلابد من امتلاك رؤية إستراتيجية نبني من خلالها مشروع العمل الوحدوي.
ونحن نرى أن هذه الرؤية الإستراتيجية الجديدة مطالبة بعدم تجاهل اجتهادات سابقة لها احترامها الكامل بهذا الخصوص وفي مقدمتها خيار التنظيم الوحدوي، أو الحزب الوحدوي العربي وغيرها، كما أنها مطالبة أيضاً أن تأخذ العبر والدروس من كل ما مضى من إحفاقات وانتكاسات للعمل العربي الوحدوي، بقدر ما تعطي أهمية ووعياً بحقائق الوضع العربي الراهن بإيجابياتها وسلبيتها، والجديد في أدوات التواصل والتفاعل الاجتماعية والشعبية والاستفادة منها في صياغة رؤية إستراتيجية جديدة للعمل الوحدوي. وانطلاقاً من هذا كله فإننا نرى أن الرؤية الإستراتيجية الجديدة لتحقيق الوحدة العربية يجب أن تعمل في اتجاهين متلازمين؛ الاتجاه الأول هو اتجاه تطوير العمل العربي المشترك من خلال الآليات والتنظيمات الرسمية العربية المختلفة، لأننا وصلنا الآن بالعمل الوحدوي إلى ما دون الحد الأدنى في ظل كل مخططات تقسيم الدول وتفكيك النظام العربي الراهنة. ومن ثم لابد من أن نبدأ من هذا الحد الأدنى لتوفير البيئة الملائمة للبناء الوحدوي. أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه الشعبي من خلال التأسيس لحركة تحرر عربية وحدوية شعبية وديمقراطية تكون مهمتها الأساسية هي النضال من أجل تحقيق الوحدة العربية عبر آليات نشطة وناجحة.
الاتجاه الأول الرسمي: تفعيل وتطوير مؤسسات وآليات العمل العربي المشترك
على الرغم من كل الركود الذي أصاب العمل العربي المشترك وفي مقدمته المنظمة الرسمية للنظام العربي، أي جامعة الدول العربية، إلا أننا ندرك أن هذا الركود كان مستهدفاً في ذاته لطمس الهوية العربية وتفكيك الرابطة العربية المشتركة والوحيدة بين الدول العربية، ولذلك فإننا نعى أنه إذا كانت جامعة الدول العربية تمثل خيار الحد الأدنى للعمل العربي المشترك فإنها أضحت أمام خيار وحيد هو خيار التطوير واكتساب الفعالية اللازمة.
تطوير وتفعيل دور الجامعة هو الخيار الوحيد لأن البديل هو خيار التفكيك، تفكيك النظام العربي وقبله تفتيت وإعادة تقسيم الدول العربية وليس مجرد تفكيك جامعة الدول العربية  وإنهاء دورها. وهذه الحقيقة تعتبر رداً على الاتجاه الذي لا يرى أملاً يرتجى من أي إصلاح أو تطوير أو تفعيل لجامعة الدول العربية ودورها لسبب أساسي هو أنها عجزت على مدى ستة عقود كاملة من اكتساب أي صفة من صفات الفعالية، وأنها بهذا العجز كانت تعد، في ذاتها، عقبة أمام الاتجاه العربي الوحدوي لأنها وقفت أمام دعوة الوحدة بانحيازها للدولة القطرية (الوطنية) العربية والدفاع عن وجودها، على نحو ما يرى بعض أطراف التيار الوحدوي، أو أنها كانت عقبة أمام الدولة القطرية (الوطنية) بانحيازها للدعوة العربية، وفرضت قضايا مركزية (قضية فلسطين بالأساس) على النظام العربي الأمر الذي دفع بهذا النظام للدخول في غمار صراع عنيف مع العالم العربي حال دون تحقيق التقدم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المنشود كما يروج أنصار التيار الانعزالي المعادي للعروبة، أو أنها فرضت العروبة بديلاً للخيار الإسلامي والدعوة الإسلامية الأممية وإعادة إحياء خيار "الخلافة الإسلامية" بعد انحياز أنصار التيار القومي لـ "مؤامرة" إسقاط هذه الخلافة في بداية القرن العشرين، على نحو ما يروج أنصار "الإسلام السياسي".
والفعالية التي نعنيها بالنسبة لجامعة الدول العربية وغيرها من المنظمات الإقليمية هي أولاً القدرة على القيام بالوظائف المنوطة بها، وثانياً القدرة على مواجهة التحديات. هناك العديد من الوظائف المهمة والأساسية التي يجب أن تقوم بها جامعة الدول العربية ضمن مسعى إنجاز الإستراتيجية العربية الشاملة هي أولاً الوظيفة التكاملية أي قيادة المسعى لتحقيق هدف الاتحاد بين الدول العربية، وثانياً الوظيفة التنموية، أي قيادة خطط التنمية المجتمعية Sociatial Development الشاملة والمستدامة بأبعادها الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية والثقافية، وثالثاً الوظيفة الأمنية هي صيانة الأمن القومي العربي ضمن مشروع للأمن الجماعي العربي. أما بالنسبة لمواجهة التحديات فإننا نعني بها قدرة الجامعة على جودة توظيف منهاجية التحدي والاستجابة، أي القدرة العالية في الاستجابة للتحديات ومواجهتها، وهذا يقودنا إلى إحدى الصفات الهامة التي يجب أن تكتسبها الجامعة للقيام بهذا الدور وهو امتلاك القدرة على التكيف، سواء في الاستجابة للمطالب والتحديات المتجددة، أو امتلاك القدرات اللازمة للقيام بالأدوار المطلوبة للتصدي للتحديات.
هذه الفعالية المطلوبة بالنسبة لجامعة الدول العربية يمكن أن تتحقق من منظورين أولهما امتلاك الإرادة السياسية الوحدوية، وثانيهما التطوير المؤسسي للجامعة 
المنظور الأول : امتلاك الإرادة السياسية الوحدوية
يعتبر هذا المنظور محور ارتكاز مشروع تطوير جامعة الدول العربية. فعلى مدى العقود الست الماضية عانت جامعة الدول العربية من تصارع ثلاثة إرادات: إرادة تيار التوحيد ودمج الدول العربية في إطار دولة عربية اتحادية أو موحدة، وإرادة تيار الحفاظ على الإرادة المستقلة للدولة القطرية (الوطنية) العربية، ورفض أي صورة من صور الاندماج أو التكامل العربي، والإعلاء المفرط للسيادة وللسلطة الوطنية بمعزل عن أي سلطة أو إرادة جماعية عربية، وأخيراً إرادة القوى الدولية والإقليمية الحريصة دائماً على فرض وتوسيع مناطق نفوذها على أرض العرب، أو تلك الساعية إلى منع قيام كيان عربي موحد يكون بمقدوره التأثير سلبياً على مصالحها، وتفضيل التعامل مع الدول العربية بصفتها المنفردة.
الصراع بين هذه الإرادات جعل من جامعة الدول العربية مجرد كيان استشاري – تنسيقي منعدم الإرادة السياسية. فقد توارى التيار العروبي منذ التأسيس وبالتحديد منذ إعلان بروتوكول الإسكندرية الذي أخذ بصيغة جامعة الدول العربية وليس صيغة "الاتحاد العربي" أو حتى صيغة "الجامعة العربية". فصيغة جامعة الدول العربية أعلت من شأن الدول على شأن الجامعة، وجعلت أول وأهم أهداف الجامعة هو الحفاظ على وجود الدول وسيادتها وليس تحقيق الوحدة أو حتى الاتحاد، وأعطت سمواً وأولوية لمبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية. وامتدت هيمنة هذه الرؤى بفعل عوامل متعددة منها شيوع نموذج الدولة التسلطية والأمنية على معظم الدول العربية وغياب الديمقراطية والمشاركة الشعبية، الأمر الذي أدى إلى احتكار السلطة والثروة، وهيمنة الهواجس الأمنية على صناع القرار في الدول العربية، وتفاقمت المشاكل الحدودية العربية والصراعات السياسية بين الدول العربية بفعل التدخلات الخارجية، وانعكس مناخ الحرب الباردة على مناخ العلاقات العربية- العربية، وأدى ذلك إلى تراجع تيار الوحدة والتكامل وهشاشة سلطة الجامعة على الدول، بل وغياب أي سلطة للجامعة على الدول، وهو الأمر الذي تفاقم بفعل خصوصية أنماط التصويت على القرارات في الجامعة وافتقار الجامعة لأجهزة الإنجاز سواء في مجال العلاقات السياسية أو في مجال الأمن والدفاع.
لذلك فإن أي محاولة لتطوير جامعة الدول العربية وتفعيل أدوارها لن يكتب لها النجاح إذا لم يحدث التغيير الأساسي في مفهوم "السلطة العربية". فاحتكار السلطة على المستوى الداخلي في الدول العربية امتد إلى مجال العمل العربي في شكل الغياب الكامل للحد الأدنى من السلطة عند جامعة الدول العربية. إذا لم يحدث تغيير في علاقات السلطة في داخل الدول العربية لن يحدث تغيير في تقاسم السلطة بين جامعة الدول العربية والدول العربية، وإذا لم تتحول الجامعة إلى إطار اتحادي وظهور سلطة اتحادية عربية، تتقاسم السلطة مع الدول العربية.
تقاسم السلطة لا يعني انتقال السلطة من إطارها الوطني الداخلي إلى إطارها العربي الاتحادي، ولكن الانتقال يتم، أو يجب أن يتم في شكل تقاسم الاختصاصات وتكاملها بين المؤسسات الوطنية الداخلية وبين المؤسسات أو المنظمات العربية المتخصصة، فالسلطة هي التي تخلق الإرادة والإرادة هي التي تخلق السيادة، ولن يحدث أي تفعيل لأدوار جامعة الدول العربية إذا لم تمتلك مؤسساتها ومنظماتها السلطة الكافية للفعل واتخاذ القرار وتنفيذه.
كما أن تقاسم السلطة تم أيضاً من خلال تغيير نظام التصويت على القرارات في مؤسسات الجامعة بإلغاء نظام الإجماع الذي يعطي للدولة المنفردة سلطة إبطال القرارات والاتفاقات. وهذا يستلزم أيضاً امتلاك الجامعة القدرة على الإلزام، أي إلزام الدول بتنفيذ القرارات. فغياب سلطة الإلزام كان يعني إطلاق سلطة الدول على حساب سلطة الجامعة، وإذا لم يتغير هذا كله فلن يحدث أي تطوير للجامعة أو تفعيل لأدوارها.
المنظور الثاني : التطوير المؤسسي
هناك إدراك عربي شبه جماعي على القصور المؤسسي لجامعة الدول العربية منذ تأسيسها، ولقد شهدت العقود الماضية العشرات من المشروعات التي استهدفت التطوير والإصلاح المؤسسي للجامعة لكن غياب الإرادة السياسية للجامعة فلي ظل الهيمنة المطلقة لسيادة الدولة القطرية (الوطنية) أجهض كل محاولات الإصلاح والتطوير.
فقد تراوحت معظم تلك المشروعات الإصلاحية ما بين الدعوة إلى ضرورة وجود عمل عربي لتسوية النزاعات العربية عبر الطرق السلمية والقيام بتنفيذ مشروعات اقتصادية تكاملية، وامتداداً إلى الدعوة لضرورة تعديل نظام التصويت لصالح الأغلبية بدلاً من الإجماع، إلى الدعوة لتأسيس منظمات ومؤسسات جديدة وتفعيل أداء المنظمات القائمة.
هذه المشروعات التي حملت مسميات الدول التي تقدمت بها فشلت لسببين، أولهما، غياب إرادة تفعيل الجامعة ودورها وسيطرة التيار الانعزالي وتفشي أدوار القوى الدولية والإقليمية في إدارة الشأن العربي بعد نجاحها في التغلغل العميق في مؤسسات صنع القرارات في الدول العربية، وتفشي النزاعات والصراعات العربية، وعمق الانقسامات في المواقف إزاء القضايا الكبرى خاصة القضية الفلسطينية وقضية الوحدة العربية. ثانيهما، أن هذه المشروعات كانت ذات صفة "ترقيعية" ولم ترق إلى مستوى الدعوة المتكاملة لتحويل الجامعة إلى اتحاد عربي على نحو تحول الجماعة الأوروبية إلى اتحاد أوروبي. لذلك فإن المسار الثاني للتطوير والتفعيل يجب أن يتبع مسار التحول الأوروبي من إطار الجماعة الأوروبية إلى إطار الاتحاد الأوروبي، بما يفرضه ذلك من توفير إرادة التغيير نحو هذا المسار أولاً بما فيه وضع نظام أساسي جديد للاتحاد العربي المأمول يتضمن اقتراح المؤسسات المطلوبة على المستويات الثلاث: التنفيذية "المجلس العربي الأعلى ومجلس الوزراء العربي والتشريعية والرقابية (البرلمان العربي) والقضائية (محكمة العدل العربية)". إضافة إلى المؤسسات الداعمة في مجالات الدفاع والاقتصاد والتنمية الاجتماعية والثقافية والإعلامية.
وهنا يمكن الاستفادة بالجهود التي سبق أن بذلت ضمن هذا السياق من جانب الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في الفترة التي أعقبت القمتين العربيتين اللتين عقدتا في مدينة سرت الليبية عام 2010 والتي تضمنت مسعى تأسيس "اتحاد عربي" بديل للجامعة العربية واتخاذ مبادرات لتفعيل العلاقات مع الجوار الإقليمي العربي، لكن مع الوعي بأن يأخذ اتجاه التأسيس للاتحاد المعني الذي حددناه للفعالية وبالذات القدرة على القيام بوظائف التكامل والأمن والتنمية إضافة إلى القدرة على مواجهة التحديات والقدرة على التكيف مع المطالب العربية المتجددة في هذه النواحي الثلاث: التكامل والأمن والتنمية.
هذه الفعالية المطلوبة لجامعة الدول العربية يصعب أن تتحقق في غياب شرطين أساسيين:
الشرط الأول، هو ضرورة إيجاد قيادة للنظام العربي تكون قادرة على تحمل مسئوليات النهوض بالعمل العربى الوحدوى المشترك نحو تحقيق الأهداف. فلابد من خلق قيادة عربية يكون فى مقدورها تفعيل القدرات العربية واستنهاض الطاقات والعمل مجدداً فى إتجاه إعادة التوحيد بعد مواجهة موجات الانفراط.
الشرط الثانى، هو التوافق العربى على أجندة عمل عربية ذات أولويات محددة، أجندة عمل للإنقاذ حتما سيأتى على رأس أولوياتها الدفاع عن وحدة وتماسك الدولة الوطنية العربية والحيلولة دون انفراطها، إضافة إلى طرح مشروع لنظام عربى يؤسس لـ "اتحاد عربى" يضع نصب أعينه هدف تحقيق التكامل العربى الاقتصادى والسياسى والعسكري. 
الاتجاه الثاني الشعبي: تأسيس حركة شعبية ديمقراطية تقود النضال الوحدوي
هذان الشرطان المطلوبان لتفعيل أداء النظام العربي الرسمي ومؤسساته وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، وغيرهما من شروط إعادة تفعيل العمل العربي المشترك يصعب توفيرهما في غيبة من إرادة شعبية قوية تمتلك الأدوات التنظيمية والقدرات التي تجعلها رافعة وداعمة للعمل الرسمي العربي من ناحية، وتجعلها من ناحية أخرى تمثيل للإرادة الشعبية التي ظلت غائبة لعقود طويلة عن إستراتيجية العمل الوحدوي العربي الأمر الذي أدى إلى تعسر وانكفاء أداء النظام العربي وسقطاته المروعة في مواجهة التحديات.
إن التحديات الهائلة التى تواجه الأمة العربية الآن والمهام الوطنية والقومية المطلوب إنجازها تفرض قيام حركة تحرر شعبية فى تكوينها أى مرتكزة على قوى شعبية ومؤسساتها الجماهيرية المختلفة من أحزاب ونقابات ومؤسسات مجتمع مدنى غير مرتبطة بالتمويل الأجنبى وحركات احتجاج شعبية متنوعة تكون مؤمنة بهدف قيام حركة تحرر عربية وحدوية شاملة، وأن تكون هذه الحركة ديمقراطية فى تأسيسها ومؤسساتها وأدائها دون سيطرة أو هيمنة من أى طرف مشارك، وأن تتمتع بالقدر الأعلى من الشفافية والمحاسبة فى الأداء، وأن تمتلك من أدوات الرقابة والمحاسبة ما يجعلها دائماً بمنأى عن أى شطط أو تعسف أو انحراف. 
إن الحركات الشعبية المنتشرة فى كثير من الدول العربية الآن هي علامات رائدة على ما يمكن أن تكون عليه حركة التحرر العربية الجديدة، من ناحية الاعتماد على العضوية الفردية وليس على العضوية الحزبية، بحيث لا تكون تكراراً لتجارب الجبهات الحزبية التي فشلت في معظمها داخل كثير من الدول العربية.
لقد كانت جبهات الأحزاب محكومة بالأهداف الخاصة بكل حزب، وأيديولوجيته الجامدة والمنغلقة الحاكمة لأدائه وبرنامجه السياسي وديكتاتورية بنيته التنظيمية وافتقاده للحراك الديمقراطي الداخلي، ومن ثم كانت على المستوى القطري مجرد جبهات أو تحالفات انتخابية سرعان ما تواجه التفكك والتحلل بعد تلك الانتخابات، وكانت أيضاً جبهات مؤقتة بأداء غرض معين في مواجهة السلطات الحاكمة، ولكنها ولكل ما تتمتع به من ممارسات انتهازية وسلطوية سرعان ما تنفجر إما بسبب خلافات داخلية أو اختراقات سلطوية من مؤسسات النظام الحاكم. أما تجارب الجبهات الحزبية التي استطاعت الصمود لفترة طويلة فإنها كانت في الغالب خاضعة لحزب قائد أو مهيمن أو مسيطر تشاركه بعض الأحزاب السلطوية الضعيفة العاجزة عن المنافسة والطامعة في الحصول على قناة ممارسة السلطة، ويكون بقاءها مرهوناً بما تقدمه من تجميل للوجه غير الديمقراطي السلطوي لذلك الحزب المهيمن.
إن الحركة التحررية الجديدة يجب أن تكون شعبية بقدر ما تعكسه من المبادرات الفردية للأعضاء ولمن ينتسب إليها متجاوزة الانتماءات الحزبية والأطر الأيديولوجية الضيقة، وأن تضم كافة التيارات الوطنية الفاعلة داخل الأقطار العربية وعلى الأخص منها: التيار القومي والتيار اليساري الاشتراكى والتيار الليبرالي والتيار الإسلامي وخاصة المؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية وبالأهداف التحررية للمشروع النهضوي العربي الذي تسعى حركة التحرر العربية من أجل إنجازه.
إن الوعى بحقيقة وخطورة التحديات التى تواجه الأمة الآن وفداحة المهام التى يجب أن تقوم بها حركة التحرر العربية تفرض على كل تيار من هذه التيارات أن يكون واعياً بأنه وحده لن يستطيع مواجهة التحديات ولن يكون قادراً على إنجاز المهام النضالية الهائلة المطلوب إنجازها، إن التجربة العملية العربية الراهنة تؤكد أنه ليس فى مقدور أى تيار من التيارات المكونة للحركات الوطنية العربية أن يواجه التحديات ويحقق المهام المطلوبة أياً كانت قوته. إن تحالفاً يجمع كل هذه التيارات بكافة تعدديتها وتنوع انتماءاتها هو وحده القادر على مواجهة التحديات وإنجاز المهام.
إن قوة حركة التحرر العربية الجديدة لن تكون فقط بشعبيتها ولكن أيضاً بديمقراطيتها، فهى يجب أن تقدم النموذج الأمثل للتكوين وللأداء الديمقراطى وأن يكون على رأس مهامها فرض الديمقراطية كقيمة سياسية عليا لأهدافها الاستراتيجية ولمشروعها النهضوى الذى يجب أن تسعى إلى تحقيقه. 
لقد عانت الأمة العربية وحركة القومية العربية طيلة العقود الماضية من افتقادها البُعد الديمقراطى على مستوى الممارسة الداخلية فى الوقت الذى كانت ترفع شعار بُعدها التحررى على المستوى العالمى وفى مواجهة الحركة الاستعمارية. لقد اتهمت حركة القومية العربية بأنها بقدر ما اهتمت بتحرير الأوطان لم تهتم بتحرير الشعوب ولم تؤسس نظم حكم ديمقراطية ومؤسسات سياسية ديمقراطية قادرة على تأمين أدائها السياسى والدفع بالتجربة العربية نحو تحقيق غاياتها. 
إن مثل هذه الاتهامات أياً كانت صدقيتها فإنها تفرض على حركة التحرر العربية الجديدة ليس فقط أن تكون ديمقراطية فى ذاتها وفى أدائها بل وأن تسعى إلى أن تجعل الديمقراطية أهم أهدافها وتفرضها كقيمة سياسية عليا وأساسية فى نظم الحكم العربية المستهدف تحديثها وتطويرها، وأن تكون ملتزمة في مسعاها الوحدوي بالمشروع النهضوي العربي بأبعاده الست في مواجهة المعضلات والتحديات الست الأساسية الراهنة: الاحتلال والتجزئة والتخلف والاستغلال والاستبداد والتأخر والتراجع والجمود الحضارى، من خلال الأهداف والمهام النضالية القادرة على مواجهة هذه التحديات والمعضلات التى تتفاقم يوماً بعد يوم. 
إن حركة التحرر العربية يجب أن تسعى إلى تحقيق الأهداف الست لمواجهة تلك المعضلات الست: هدف التحرر والاستقلال الوطنى والقومى لمواجهة حالة الاحتلال والخضوع للهيمنة الأجنبية التى تتفاقم يوماً بعد يوم، والحرية والديمقراطية لمواجهة الاستبداد الداخلى الذى تجسده الدولة التسلطية المتحالفة مع قوى الهيمنة الخارجية، والعدل القانونى والاقتصادى والاجتماعى والسياسى لمواجهة الظلم والاستغلال الاقتصادى والاجتماعى والاحتكار السياسى للسلطة، والتنمية المستدامة القادرة على تحقيق مجتمع الكفاية لمواجهة التخلف والتبعية، والنضال المتجدد والمتواصل من أجل تحقيق الوحدة العربية يبقى هو الرد الحاسم ليس فقط لمواجهة التجزئة التى فرضت على الأمة فى عقود طويلة مضت من الخارج ولكن أيضاً لمواجهة مشروع إعادة التقسيم الذى يسعى المشروع الإمبراطورى الأمريكى – الصهيونى إلى فرضه على الوطن العربى بالتعاون مع أطراف داخلية منحرفة الولاء الوطنى والقومى ارتضت أن تكون بؤراً للعمالة الأجنبية ومرتكزات للتبعية والهيمنة. أما التجدد الحضارى والتحديث المتواصل وتحرير الفكر العربى من انغلاقه وجموده وانفتاحه الحر على كل مصادر التنوير والثقافة الحرة فهو الكفيل لمواجهة كل قيود التعثر والتأخر التاريخى وحماية الهوية القومية العربية من كل محاولات الانحراف بها إلى مزالق هويات طائفية أو عرقية أو نزعات شعوبية بغيضة تهدف إلى فرض خطط إعادة التقسيم الراهنة. 
إن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يحدث دفعة واحدة أو بشكل متزامن، لأن ذلك يفوق كل قدرات الأمة ولا يتناسب مع ضخامة التحديات التى تواجهها، ولكن الأمر يستلزم أولاً وضع استراتيجية واضحة لتحقيق الأهداف ترتكز أولاً على تحديد ما يمكن تسميته بـ "هدف الاختراق" أى الهدف النموذجى الذى يمكن من خلاله الانطلاق لبدء مشروع النهضة والقادر على جذب الأمة وتمكينها من تحقيق باقى الأهداف عبر سلسلة من المهام النضالية المتداخلة فيما بينها. ويستلزم ثانياً السعى لامتلاك القدرات والآليات والأدوات اللازمة للبدء فى تحقيق وإنجاز المشروع النهضوى بأهدافه الست، وعلى الأخص هدف الوحدة العربية.
إننا نرى إن هدف العدل والحرية والكفاية هو المهمة المركزية الأساسية التى يجب أن تسعى حركة التحرر العربية الجديدة للنضال من أجل تحقيق الوحدة العربية بتأسيس مجتمع "الكفاية والعدل والحرية" الذي سيؤسس لنضال حقيقي من أجل الوحدة العربية ومجمل أهداف المشروع النهضوي العربي.
فمجتمع العدل الذى يجب أن يكون هدف التغيير المطلوب هو مجتمع العدل القانونى ومجتمع العدل الاقتصادى والاجتماعى ومجتمع العدل السياسى. والعدل القانونى هو حكم القانون فى دولة مدنية قائمة على قاعدتين: السيادة للقانون وحده وليس لغيره من الاعتبارات، والمساواة بين المواطنين دون تمييز لأى سبب من الأسباب، أى المساواة القائمة على قاعدة المواطنة.
أما العدل الاقتصادى والاجتماعى فهو مجتمع العدالة التوزيعية أى عدالة توزيع الثروة الوطنية بين المواطنين بما يحقق تكافؤ الفرص ويذيب الفوارق بين الطبقات، ويؤمِّن الحقوق فى العمل والتعليم والسكن والعلاج ويحول دون حدوث الاستقطاب الطبقى بين أقلية تملك وأغلبية محرومة لا تملك. أما العدل السياسى فهو الذى يحقق العدالة فى توزيع القوة السياسية بين المواطنين، أى العدالة فى النصيب المتكافئ من السلطة والحيلولة دون احتكارها لأى سبب من الأسباب لحزب أو قبيلة أو عائلة أو فرد أو طبقة. فالقوة السياسية، أى السلطة، هى ملك وطنى عام يجب عدم احتكاره وذلك من خلال تفعيل مبدأ "تداول السلطة" ومن خلال عمليات ديمقراطية متعددة تؤمِّن الحق الكامل غير المشروط فى المشاركة السياسية، والانتخاب الحر وتمكين المواطنين من الاختيار الحر النزيه لحكامهم، وتمكينهم من مجمل حقوقهم السياسية فى التعبير الحر والتنظيم والتظاهر وغيرها من الحقوق السياسية. 
أما مجتمع الحرية الذى يجب أن يكون الهدف الثانى لعملية التغيير المطلوبة فيعنى تأمين ثلاثة حريات: حريات الأفراد وحرية المجتمع وحرية الوطن. ويكون تأمين حريات الأفراد بكفالة الحريات المدنية والإنسانية وفى مقدمتها حرية الاختيار وحرية الفكر وحرية العقيدة واحترام عقائد الآخرين، وحرية تبادل المعلومات، وحرية التنظيم، وحرية التعبير، والقضاء على كل أشكال القهر والاستبداد والتسلط السياسى أو الاقتصادى والاجتماعى، وإنهاء كل وجود للدولة التسلطية. 
ويكون تأمين حرية المجتمع من خلال صيانة الحرية الكاملة للجماعات والثقافات الفرعية الوطنية وتأمين قاعدة المواطنة المتساوية فى الحقوق والواجبات دون تمييز بين كافة المواطنين فى المجتمع. 
فالمواطنة هى التعبير القانونى عن الوجود السياسى للوطن والمواطن معاً، وهى المدخل الأساسى للنهوض الوطنى وهى حجر الزاوية لتطوير الوطن ابتداءً من نظامه السياسى والاجتماعى والاقتصادى وامتداداً إلى النهوض الثقافى والارتقاء الحضارى. لأن افتقاد المواطنة هو الوجه الآخر لافتقاد الوطن بمدلولاته المعنوية والرمزية وليس فقط المادية. هذا يعنى أن المواطنة تتجلى فى أرقى صورها بارتقاء الاستقلال الوطنى وثبات العزة والكرامة الوطنية من ناحية، كما تتجلى بتثبيت الحقوق السياسية للمواطن، ناهيك عن حقوقه الإنسانية وتمتعه بالمساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات دون تمييز، ووجود درجة عالية من الحريات الديمقراطية وانتفاء الحكم الاستبدادى ا