www.arabnc.org
الاستقلال الوطني والقومي 28البرنامج النهائي 28المشاركون في الدورة 28البيان الصحفي للدورة 28مبادرات ومواقف المؤتمر 10 نيسان 2016 - 8 أيار 2017المشهد السياسي 28الديمقراطية وحقوق الإنسان 28العدالة الاجتماعية 28التنمية المستقلة 28التجدد الحضاري 28أمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلامالبيان الختامي للدورة 26
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
العدالة الاجتماعية 28 ((العدالة الاجتماعية 28))
المؤتمر القومي العربي
ARAB NATIONAL CONFERENCE


التوزيع: محدود
الرقم: م ق ع 28/وثائق 8
التاريخ: 12/5/2017
 ـــــــــــــ
المؤتمر الثامن والعشرون 12 – 13 أيار/مايو 2017، بيروت - لبنان


اللامساواة
وغياب العدالة الاجتماعية في الوطن العربي **

د. إبراهيم شريف السيد *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عضو المؤتمر القومي العربي، الامين العام لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) سابقاً، باحث.
** لا تعبر هذه الورقة بالضرورة عن رأي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.
 
اللامساواة
وغياب العدالة الاجتماعية في الوطن العربي
إبراهيم شريف السيد
"وتقضي البرجوازية أكثر فأكثر على تبعثر وسائل الانتاج والملكية والسكان. وقد كدست السكان ومركزت وسائل الانتاج وجمعت الملكية في أيدي أفراد قلائل. وكانت النتيجة المحتومة لهذه التغيييرات نشوء التمركز السياسي". 
من بيان الحزب الشيوعي 1848
أولا: اللامساواة على مستوى العالم
بين ماركس وكوزنتس: 
هل تقود حركة تراكم رأس المال إلى تركزه في أيد أقل فأقل دوما؟ هذا السؤال الذي حاول الاجابة عليه الاقتصادي الفرنسي توماس بكيتي الذي بحث في حركة تمركز الدخل والثروة في يد قلة من الرأسماليين خلال ثلاثة قرون مغطيا أكثر من 20 دولة.
في البيان الشيوعي الصادر عام 1848، كان ماركس ورفيق دربه أنجلز قد توصلا إلى النتيجة المقتبسة في بداية هذه الورقة حول حتمية التراكم اللانهائي لرأس المال، الأمر الذي يعتبره ماركس أمرا عضويا من خصائص الرأسمالية، تركّز مستمر ومتعاظم في الثروة في أيد قليلة، يرافقه تركّز في السلطة السياسية.
وعلى النقيض من ماركس، رأى الاقتصادي الأمريكي سايمون كوزنتس (Kuznets) أن الرأسمالية تنزع لعدم المساواة في بدايتها، لكن هذه تنخفض في أطوارها المتقدمة إلى أن تستقر عند مستوى مقبول. وقد كتب كوزنتس رأيه عام 1955 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، معتمدا على احصاءات لم تكن متوفرة من قبل. وقد اقترح كوزنتس أن اللامساواة تتبع منحنى على شكل جرس (حرف U مقلوب). وقد كان "منحنى كوزنتس" سلاحا أيديولوجيا من أسلحة الحرب الباردة لابقاء الدول المتخلفة في فلك الرأسمالية  . كانت ملاحظته حول انخفاض اللامساواة بعد الحرب الأولى صحيحة، لكن ليس للسبب الذي توقعه.
(الرسم البياني يبين كيف انخفضت حصة العُشر (10%) الأعلى من الدخل في الولايات المتحدة في الربعين الثاني والثالث من القرن العشرين، لتعود للارتفاع في الربع الرابع وتستمر في الألفية الثالثة. إنه منحنى على شكل U، وليس U مقلوبة أو جرس)
تزايد اللامساواة على مستوى البلد الواحد:
" لا يمكن للتمايزات الاجتماعة أن تقوم إلا على المنفعة العامة" 
من اعلان حقوق الانسان والمواطن، المادة 1، 1789
هكذا يبدأ الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي كتابة "الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين" الذي نشره بالفرنسية في 2013، وترجم إلى الانجليزية في العام التالي فأحدث اهتماما بالغا بموضوع بحثه الرئيس حول اللامساواة. لم يكن بيكيتي أول من كتب في الموضوع لكنه كان أكثرهم توثيقا لحركة تركّز رأس المال خلال القرون الثلاثة الماضية ومناقشة لأسبابه معتمدا على مصادر معلومات كثيرة أهمها احصاءات الضرائب والدخل الوطني والتركات. وقد ساهم عمل بيكيتي وغيره في إعادة الاهتمام بموضوع اللامساواة وتفاوت الدخل والثروة، فقد جاء في وقت تشهد فيه الرأسمالية تحديات جمة وغضبا شعبيا ضد الشركات الكبرى والمصارف وكبار المدراء. موضوع الغنى الفاحش وتوزيع الثروة لم يتحول إلى موضوع ساخن في الولايات المتحدة إلا في السنوات الأخيرة بعد الركود الاقتصادي الكبير نهاية 2008 الذي تسبب فيه جشع أرباب المال في وول ستريت.
ويمكن تلخيص استنتاجات بيكيتي حول تركز رأس المال بالتالي: تركّز الثروة متأصل ومن طبيعة رأس المال ويعتبره بيكيتي التناقض المركزي للرأسمالية. إلا أن هناك فترة استثنائية بين 1914 والسبعينيات وقعت خلالها حربان عالميتان خفّضتا النمو الاقتصادي ودمّرتا ثروات رأسمالية ضخمة، صاحبها تغييرات في السياسات الاقتصادية للدول الرأسمالية أقرت فيها ضرائب تصاعدية وسياسات تقدمية لتوزيع للدخل. يقول بيكيتي ان "القوة الرئيسية التي تقوض الاستقرار هي تفوق معدل العائد على رأس المال الخاص (r) على معدل نمو الدخل والناتج (g) بنسب كبيرة وبشكل مستمر"  . ويضيف إن اقتصاد السوق إذا ما ترك لنفسه يمكن أن يشكل تهديدا للمجتمعات الديمقراطية وقيم العدالة الاجتماعية التي تأسست عليها. إن رأس المال ما أن يتكون فانه يتكاثر، وفي غياب الكوابح التي تخفف من سرعة نموه فان النتيجة الحتمية تركزا وتراكما أكبر لرأس المال ولامساواة أشد  . ان "التفاوت بين الثروات لا علاقة له بروح ريادة الأعمال، كما انه غير ذي نفع للنمو"  . هذه العبارة الأخيرة ربما تفسر سبب اقتباس بيكيتي من إعلان حقوق الانسان الذي أصدره الثوار الفرنسيون. 
منذ الثورة الصناعية كان رأس المال يتركز في يد القلة، هذا ما لاحظه كل من ريكاردو وماركس. استمرت حصة أصحاب رأس المال في الصعود في حين عاشت الطبقة العاملة حالة من الفقر والبؤس إلى أن طلّت منتصف القرن التاسع عشر ثورات "ربيع الأمم" في أوروبا ومخاطر الصراع الطبقي على النظام الرأسمالي  ، فبدأت أوضاع العمال في التحسن نسبيا مع الربع الأخير من القرن التاسع عشر. غير ان تراكم رأس المال وتركزه استمر ولم يوقفه إلا اضطرابات الحربين العالميتين والكساد العظيم في الثلاثينيات وبروز الخطر الشيوعي، حيث اضطرت خلالها أوروبا وأمريكا لتدشين عصر جديد تميّز بتوزيع أفضل للدخل والثروة. لكن هذه الحقبة التي انخفضت فيها اللامساواة بشكل ملحوظ انتهت مع نهاية السبعينيات وعاد رأس المال لطبعه في التراكم اللامتناهي وبدأ يسجل نفس مستويات ما قبل حقبة الحربين والكساد العظيم.
إن معدل الضريبة يعكس بشكل مباشر حجم دولة الرفاه والسياسات التوزيعية للدخل.  تقول الدكتورة أندريا كامبل ان أمريكا هي ثالث أقل دولة من ناحية نسبة الضرائب للناتج المحلي في الدول المنضوية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  (الترتيب 32 من 34 دولة). في 2009 كانت حصيلة الضرائب على المستوى الفدرالي والولايات والمحليات 24.1% وهي نسبة تساوي نصف النسبة في الدنمارك  . وكانت تشيلي (18.2%) والمكسيك (17.4%)، الدولتين الناميتين، الوحيدتين اللتين تقل فيهما الضرائب عن مستواها في أمريكا. ومن الملاحظ أن الدول الاسكندنافية ودول شمال القارة الأوروبية بشكل عام ترتفع فيها الضرائب وتكون دولة الرفاه في أفضل حالاتها. 
في العقود الأخيرة من القرن العشرين كانت الضرائب ترتفع في أغلب العالم الصناعي خاصة بعد استحداث ضريبة القيمة المضافة في الستينيات والسبعينيات، باستثناء الولايات المتحدة التي قامت بخفض فعلي للضرائب على أرباح الشركات بينما زادت الضرائب على معاشات الأفراد (لتغطية نفقات التقاعد والتأمين الصحي للكبار). في أوروبا تستخدم الضرائب بفعالية أكبر لإعادة توزيع الثروة وتخفيف اللامساواة، لذلك فان تركّز الثروة في الولايات المتحدة عند شريحة 1% الأعلى دخلا تعادل ضعف إلى ثلاثة أضعاف المعدل في الدول الأوروبية. 
النتيجة هي ان دخل الفئات المتوسطة والفقيرة في الولايات المتحدة لم يتغير خلال العقود التي تفجرت فيها ينابيع الثروة للأغنياء جراء العولمة والتقدم التكنولوجي وارتفاع الانتاجية. ورغم إن دولا صناعية أخرى تشكو من نفس الظاهرة الأمريكية في انخفاض دخل الطبقات الدنيا والمتوسطة، إلا أن هذه الدول، بعكس الولايات المتحدة، لديها شبكات أمان اجتماعي أفضل تساهم في اعادة توزيع الثروة. هذه التحويلات تساهم في انخفاض عدد من يستمرون تحت خط الفقر، في السويد مثلا إلى 1.8%، مقابل 10.9% في أمريكا.   

العلاقة بين اللامساواة والتغيرات الثقافية والسياسية:
على الأرجح، هناك علاقة جدلية بين ظاهرة اللامساواة والتغيرات الثقافية والسياسية. فليس صدفة صعود الشعبوية اليمينية في أوروبا والولايات المتحدة في وقت تفاقمت فيه اللامساواة  في الدخل والثروة وفي موازين السلطة السياسية. لكن ما طبيعة هذه العلاقة وكيف تعمل؟ هذا ما يحاول الاجابة عليه أنغلهارت.
في مقال حول العلاقة بين اللامساواة وعملية التحديث، يقول عالم السياسة رونالد انغلهارت إن ماحدث منذ 1980 هو زيادة في تفاوت الدخل إلى درجة جعلت 1% من الأمريكيين يسيطرون على 40% من مجمل الثروة في بلدهم. يضيف انغلهارت أن الدخل الحقيقي لأغلب الأمريكيين لم يتغير منذ 1991 في حين تضاعف دخل مدراء أكبر الشركات من 20 مرة متوسط دخل العامل في 1965 إلى 273 مرة في 2012. 
ويعزو انغلهارت هذه الظاهرة التي تشمل كل الاقتصاديات المتقدمة إلى "تغيّر في موازين القوى بين النخب والجماهير بسبب عملية التحديث المستمرة"  . يقول الكاتب إن عملية التحديث في العصر الصناعي أدت إلى نشر التعليم وتجميع العمال في المدن مما أدى إلى تمكينهم من تشكيل نقاباتهم وتحسين شروط العمل من خلال المفاوضة الجماعية. وقد تمكنت الأحزاب اليسارية من تعبئة الطبقة العاملة خلف سياسات اقتصادية تساهم في توزيع أكثر عدالة للدخل مثل الضرائب التصاعدية والضمان الاجتماعي ودولة الرفاه.
لكن بروز مجتمع مابعد الصناعة (postindustrial society) غيّر قواعد اللعبة مرة أخرى. نجاح دولة الرفاه في توفير حياة كريمة لأغلب المواطنين جعل موضوع الصراع الاقتصادي/الطبقي من أجل حصة أكبر في الدخل أقل استعجالا. هنا برزت القضايا غير الاقتصادية العابرة للطبقات مثل سياسات الهوية والبيئة والجندر والأقليات والمثليين، وهي قضايا قسّمت المجتمع على أساس ثقافي وهوياتي وقوّضت القاعدة السياسية لسياسات التوزيع العادل للثروة. وقد استغل الأثرياء هذه الأجواء لتقديم سياسات تُعلي مصالحهم مما أعاد عملية تركّز رأس المال إلى وتيرته العالية. يتوقع أنغلهارت انه في هذه المرة لن تكون الطبقة الوسطى في مواجهة الطبقة العاملة، بل الأغلبية في مواجهة الأقلية الثرية  .
وقد تمكنت الحركات والشخصيات الشعبوية اليمينية من استغلال البطالة وركود الدخل رغم النمو الاقتصادي، وفقدان الوظائف بسبب العولمة، وقضية الهجرة ، وأزمات الاتحاد الأوروبي. وكانت الأحزاب الكبرى، اليسارية واليمينية، قد واصلت تحولها السياسي باتجاه الوسط مع تبنيها السياسات الاقتصادية الليبرالية، فزالت الفوارق الأيديولوجية بينها. هذه السياسات البراغماتية الليبرالية أفقدت هيمنة اليسار التقليدي وسط العمال وفتحت مجالا لانتشار بديل شعبوي  يميني استفاد أيضا من تخلي اليمين عن مواقفه التقليدية المحافظة بتبنيه مواقف اجتماعية ثقافية تقدمية (في مجالات البيئة والعائلة والمرأة والمثليين والأقليات). وجاءت نهاية الحرب الباردة لتسدد ضربة قوية للاشتراكية بكل ألوانها ودفعت أحزابها أكثر إلى الوسط، فتلاشت الفوارق الكبيرة بين اليمين واليسار في الاقتصاد. ومنذ السبعينيات تراجع الوعي الطبقي وحلّ مكانه خاصة لدى الشباب الوعي الفردي والتعبير عن الذات واتخاذ مواقف ثقافية تتحدى السائد. أدى هذا الى ردود فعل، خاصة لدى كبار السن وجزء من الطبقة العاملة، فأخذت هذه القطاعات تصوّت لأحزاب يمينية عنصرية تصد رياح التغيير الثقافي باسم الدفاع عن الهوية الوطنية والمواطن البسيط ضد النخبة المعولمة الفاسدة.
اللامساواة بين دول العالم:
منذ الثورة الصناعية، التي حررت المجتمعات الأوروبية من قيد الاقطاع، الى الربع الأخير من القرن العشرين كانت درجة اللامساواة تتسع بين الدول الصناعية في أوروبا وأمريكا واستراليا واليابان، وبين بقية دول العالم. لكن هذه الفوارق بدأت في التقلص نسبيا خلال العقود القلية الماضية رغم زيادة درجة اللامساواة في البلد الواحد.
كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي، فرنسوا بورغينون، يقول ان العولمة والسياسات الاقتصادية الليبرالية كان لهما أثر كبير في زيادة اللامساواة داخل حدود الدولة الواحدة وانخفضاها بين الدول، خاصة بسبب نقل الشركات الكبرى جزءا هاما من انتاجها إلى الدول النامية. منذ التسعينيات انخفضت اللامساواة بين الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية، على عكس مسارها منذ الثورة الصناعية، خاصة بسبب الصعود السريع للاقتصادين الصيني والهندي. لكن اللامساواة على مستوى البلد الواحد في حالة تصاعد مستمر منذ الثمانينيات. وبرأي بورغينون فان نخبا جديدة تشكلت في هذه الظروف عملت على خفض ضرائب الدخل وقلصت دولة الرفاه مما أدى إلى تهميش فئات من المواطنين وزيادة اللامساواة. هذه العولمة الليبرالية التي مكّنت الشركات من الحركة الحرة من دولة لأخرى لخفض نفقاتها وضرائبها، حدّت من امكانية الدولة في مواجهة اللامساواة  .
ثانيا: اللامساواة في الوطن العربي
نتيجة لغياب الحكم الصالح في الوطن العربي، فشلت سياسات التنمية المستدامة، فأصبح البقاء في السلطة والاستفراد بالقرار والتنفع منه هو المشروع الوحيد للنخب الحاكمة. تحولت الأجندات القومية إلى وطنية  تستجيب لمتطلبات التبعية الدولية التي تقدم الحماية لبقاء النظام الحاكم، ثم مابرحت أن تشوهت إلى  أجندات فئوية تأخذ أشكالا طائفية وقبلية وطبقية وجهوية. تحولت الدولة العربية الوطنية إلى دولة بوليسية وأصبح ما يحدد البقاء في السلطة ليس مشروعية قيادة ثورة ضد الاستعمار أو انقلاب عسكري ضد عملائه، ولا مشروعية صناديق الانتخاب أو مشروعية الانجاز، ولكن "مشروعية" يمنحها نظام عالمي تسنده منظومة اقليمية، مدعوم بقوة بوليسية وعسكرية محلية، وفي بعض الأحيان يتم استيراد قوات من خارج حدود الدولة لحماية النظام من خصومه في الداخل، أو الحصول على مليارات الدولارات من دول نفطية لضمان استقرار النظام السياسي أو قيادة ثورة مضادة ضد أي نظام جديد يهدد النظام العربي القائم. يتم في هذه الدولة الأمنية الاستبدادبة التحول من بناء الهوية المشتركة، التي عملت الدولة القطرية في بدايتها على تعزيزها، إلى تمزيق هذه الهوية الجامعة وتشجيع الهويات الفرعية باستغلال الشروخ والخلافات المجتمعية وارث التاريخ ورموزه لخلق حالة عدم ثقة مستمرة بين مكونات المجتمع تمنعه من الوحدة في مواجهة النخبة الحاكمة.
في ورقة بحثية صدرت من اللجنة الاجتماعية والاقتصادية لغربي آسيا (الاسكوا) خلص الباحثون إلى أن "موجات الأمل في التغيير التي عمت أنحاء المنطقة العربية في عام 2011، ناتجة عن صحوة الطبقة الوسطى التي أدركت ان المقايضات التي اعتاشت عليها لفترة طويلة لم تعد تفي بوعد توفير حياة أفضل". الورقة أعادت تعريف الطبقة الوسطى على أساسين أحدهما اقتصادي مرتبط بخط الفقر، والاخر اجتماعي متعلق بالتعليم والمهنة. الباحثون قالوا أن نظام "المقايضة السلطوية" في الدول العربية بدأ في الانهيار من عقد التسعينيات مع شروع الحكومات باجراء "اصلاحات" اقتصادية هيكلية تقلصت بموجبها الاعانات وانفاق الدولة، وخصخصت العديد من مؤسساتها، وحُررت التجارة، وجُمدت الوظائف في القطاع العام، وتفاقمت اللامساواة، وتضائلت فرص الخريجين في ايجاد فرص عمل، وتدنى عائد التعليم، وتراجعت الأجور، وارتفعت البطالة وسط الشباب حتى بلغت 26% عام 2012 وهي ضعف المعدل العالمي. أدى هذا إلى تدهور في الخدمات العامة خاصة في قطاعي التعليم والصحة ولجوء الطبقة الوسطى الى القطاع الخاص المكلف لتوفير حاجتها. هذه في الحقيقة نتيجة "اصلاحات" في أنظمة غير ديمقراطية قادتها نخب فاسدة عوَّلت على تحرير التجارة وتشجيع الواردات واهمال الصناعة المحلية واعتمدت "سياسيات للخصخصة ساهمت في ملء جيوب النخبة". نتيجة لذلك تفاقمت اللامساواة في كل أنحاء المنطقة". وتقدر الدراسة حجم الطبقة الوسطى العربية ب 45% مقابل 53% للفئات الفقيرة. الباحثون يخلصون إلى نتيجة ثورية:"المستقبل المشرق رهن بتغيير ثوري لنظم الحوكمة وبتفكيك نظام المقايضة السلطوي البالي.. وتحقيق العدالة الاجتماعية"  . 
وقد طرح الباحثون رؤية تستند على نموذج انمائي جديد يجمع الطبقات الوسطى والفقيرة في تحالف ديمقراطي تحت شعار "إعانات للفقراء وعمل لائق للطبقة الوسطى". (ليس من الواضح لدي لماذا التمكين والعمل اللائق للطبقة الوسطى فقط!). كما دعوا إلى توجيه الاستثمارات لانعاش الصناعات التحويلية وذات القيمة المضافة العالية أي في القطاعات التي توفرأكبر عدد من الوظائف الجيدة.  وأكدوا أن الحماية الاجتماعية مفيدة للنمو وتطلق دورة من التقدم الاجتماعي والاقتصادي، شريطة ألا تستخدم لشراء الذمم بل كاستثمار في النمو والعدالة وكأساس للاستقرا، وطالبوا بتفكيك رأسمالية المحاباة واصلاح النظام الضريبي وخفض الانفاق العسكري الذي يفوق في المنطقة العربية المستويات الاوروبية وتحويل أمواله للتنمية، وفي نفس الوقت شددوأ على أهمية دور الدولة الاقتصادي والتكامل الاقتصادي العربي.
في دراسة لحالة أربع دول عربية هي مصر والأردن وفلسطين وتونس نشرها منتدى البحوث الاقتصادية بالقاهرة عام 2016، قال الباحثون إن "عدم المساواة الاقتصادية بين الفئات الاجتماعية والديموغرافية في المنطقة العربية في ارتفاع متزايد". وقالت الدراسة انه للوهلة الأولى تبدو اللامساواة منخفضة في المنطقة العربية، غير أن انخفاض التوظيف في القطاع العام وبرامج إعادة الهيكلة وانخفاض أسعار النفط والحد من فرص الهجرة إلى أوروبا تؤدي جميعها إلى تفاقم اللامساواة في الفرص. وتقول الدراسة إن مؤشرات التعليم والتطور لدى الأطفال ونتائج الامتحانات الدولية التي تنعكس سلبا على سوق العمل، سيئة مقارنة بالدول النامية الأخرى. تحذر الدراسة من أن تفاقم اللامساواة لا يتعلق فقط بقضية الانصاف والعدالة الاجتماعية، فهو يعيق التنمية الاقتصادية ويرفع كلفة توفير الأمن، وأن اللامساواة بين الجماعات أمر مقلق بالخصوص لأنه ينتقل عبر الأجيال ويوقع جماعات اجتماعية كاملة في فخ الفقر ويؤدي إلى زيادة الاستقطابات والتوترات الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي  . 
وفي دراسة للبنك الدولي وجد الباحثون صعوبة في تقدير معدل اللامساواة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بسبب عدم توفر المعلومات الضريبية (التي لا يمكن الركون إليها حتى إن وجدت بسبب اتساع ظاهرة التهرب الضريبي) وعدم دقة المسوح حول نفقات الأسرة. أفضل ما وصلوا إليه هو أن معدل اللامساواة في الوطن العربي حسب مقياس معامل جيني Gini يبلغ حوالي 38.5 نقطة مئوية وهو رقم معتدل يشبه معدلات شرق آسيا ولكنه أفضل من معدلات جنوب الصحراء (45) وأمريكا اللاتينية (52 نقطة)، علما إن أكثر الدول الأوروبية تقع قرب أو تحت 30 نقطة مئوية في حين يزيد المعدل في الولايات المتحدة عن 41 نقطة  . لكن الدراسة لاحظت أن معدل اللامساواة "المعتدل" بالقياس العالمي وارتفاع دخل الفرد خلال العقدين الماضيين والتطورات التي حدثت في مجالات الصحة والتعليم، لا تجيب عن سؤال لماذا عصفت بالمنطقة العربية رياح "الربيع" العربي. في رأي الباحثين إن السبب يمكن أن يُرجع إلى تصورات الطبقة الوسطى حول تراجع مستويات المعيشة والخدمات العامة، وعدم مشاركتها في حصة عادلة في الثروة وفي ثمرات النمو الاقتصادي. الدراسة تخلص إلى أن الطبقة الوسطى تريد صوتا أعلى وفرصا أفضل ومحاسبة حقيقية، لذلك انهار العقد الاجتماعي القائم  . 
وفي رأيي أن أغلب هذه الدراسات التي تركز على اللامساواة في النفقات بدل اللامساواة في الثروة، تغفل جانبا هاما في عمليات حسابها لمعدلات اللامساواة في الوطن العربي وهو جانب الفساد المستشري في السلطة السياسية وتمكّن نخبة صغيرة من السيطرة على موارد عامة ضخمة دون رقابة أو مساءلة، منها على سبيل المثال مدخولات نفطية لا تدخل موازنة الدولة، وعمولات صفقات السلاح الضخمة التي تتميز بها المنطقة العربية، ووضع اليد على الأراضي وغيرها (هذا الجانب سأتناوله لاحقا في معالجة موضوع "غنيمة" الأرض). وقد لاحظت دراسة البنك الدولي إن حصة العرب في الودائع المخبئة بالملاجىء الضريبية Tax Havens التي تلجأ إليها الأموال غير المشروعة، أعلى كنسبة من الناتج المحلي من مثيلاتها في الدول الأخرى. 
لذلك ليس مستغربا أن يكون "مكافحة الفساد" و"العدالة الاجتماعية" هما العاملين الأول والثالث بنسبة 64% و57% على التوالي في استطلاع الباروميتر العربي حول أسباب انتفاضات الربيع العربي  . في المنطقة العربية لا ينظر كثير من المواطنين إلى تركّز الثروة على أنه ثمرة جهد شخصي أو تراكم طبيعي لرأس المال، بل يرى غالبها شكلا من أشكال الغنيمة والسطو بسبب موقع كبار الأثرياء في هرم السلطة أو تحالفهم معها.
اللامساواة في مجتمعات الخليج العربي:
هناك أبعاد عديدة لقضية اللامساواة. سنحاول في هذه الورقة إلقاء ضوء على بعض هذه الأبعاد في مجتمع خليجي. ولكن لنبدأ أولا بشرح الآلية غير الرأسمالية لتركز الثروة. 
آلية تركّز الثروة في يد النُخب المقررة وحلفائها: الاقتصاد النفطي الريعي المترسخ في أقطار الخليج العربي يسمح بنمو ثروة سريعة وضخمة في يد قلة من أصحاب القرار السياسي وحلفائهم، بعضها خارج الآليات الرأسمالية الطبيعية لتراكم رأس المال. هناك معادلة طفيلية تعمل بالشكل التالي: 
الدولة تُصدّر النفط وتتحصل على أمواله.
الأموال تتوزع على قسمين، واحد يذهب إلى النخبة المقررة والآخر لتغطية نفقات الدولة. 
ريع الفئة المقررة المباشر يأخذ شكلين: إما تحويلات سرية بالاقتطاع المباشر من عائدات النفط قبل دخولها خزينة الدولة، أومباشرة معلنة أو سرية لتمويل "دواوين" كبار المسؤولين وتقديم خدمات مجانية لهم في غياب المساءلة والرقابة الشعبية.
نفقات الدولة التي تصرف على مشاريع البنية التحتية والمرافق والمشتريات الحكومية يتسرب جزءا منها للنخبة عن طريق حصة العمولات من صفقات الأسلحة الدولية والعقود المحلية،
وجزء آخر يخرج من جيب المواطن (لبناء منزله أو الاستثمار في مشروع عقاري) لشراء الأراضي الأميرية/الحكومية التي "غنمها" كبار المسؤولين من خلال عطايا.
ما يحدث فعلا هو توزيع ثروة بالمقلوب، من الفقير ومتوسط الحال وصغار رجال الأعمال إلى الفئة الطفيلية المتحكمة بالقرار. بطبيعة الحال، من يقوم بالاستيلاء على الثروة ليس من مصلحته دفع ضرائب عليها، لذلك فمنطقة الخليج العربي هي من البلاد القليلة في العالم التي تنعدم فيها ضرائب الدخل والعقار فضلا عن ضرائب الثروة. 
ولتبيان حجم "غنيمة" الأرض التي يستحوذ عليها المتنفذون، يبين الرسم البياني حجم الأراضي البحرية التي يتم ردمها سنويا في البحرين، وهي أراض تملكها الدولة ويستخدم بعضها لمشاريع الاسكان والمرافق الحكومية، فيما يُوهب القسم الأكبر منها لكبار المسؤولين والمتنفذين والحاشية من الموالين المقربين. في الفترة ما بين عامي 2000 و و2015، وهي مدة الطفرة النفطية الثالثة التي شهدت إرتفاعا حادا في أسعار الأراضي وحمى مضاربات عقارية، تسارعت عملية الردم للشواطىء الضحلة، خاصة القريبة من العاصمة المنامة، التي تم وضع اليد عليها بعد أن كانت مملوكة من الدولة، فزادت مساحة البحرين 66 كيلومترا مربعا  ، أي 9% من مساحة البلاد الصغيرة. في هذه المناطق التي يتركز فيها النشاط التجاري والسكني، يبلغ قيمة الكيلومتر المربع ما لا يقل عن نصف مليار دولار. 
الحصيلة الاجمالية لهذه الثروة من "غنيمة" الأراضي تبلغ عشرات المليارت من الدولارات، عدا قيمة عشرات الكيلومترات من الأراضي التي تم وضع اليد عليها ولكن لم يتم ردمها بعد. وقد انعكس حجم هذه الثروة الريعية في تعاملات سوق العقار حيث زادت قيمة المعاملات السنوية 10 أضعاف، من حوالي 500 مليون دولار في بداية الطفرة العقارية عام 2001 إلى حوالي 5 مليار دولار في قمة الطفرة عام 2008  . 
طريقة الحساب التقليدية حول اللامساواة في المنطقة العربية باستخدام مسوح نفقات الأسرة أو غيرها-إن وجدت- غير كافية لاكتشاف فجوة الدخل والثروة الهائلة، فهي مثلا لا تأخذ بعين الاعتبار هذه الثروات المتضخمة من ريع الأراضي، مرة بسبب طفرة أسعارها حوالي عشر مرات، ومرة أخرى بسبب تحويلها من ملك عام إلى خاص.

البعد الجيلي: ونقصد به العدالة بين الأجيال الحاضرة والمستقبلية من ناحية الفرص والدخل وعبء الدين العام وتوزيع الموارد ونتائج النشاط البشري على تلوث البيئة واستهلاك الموارد الطبيعية غير المتجددة. المخاطر البيئية أضحت معلومة وخطيرة خاصة ظاهرة الاحتباس الحراري والكوارث التي سينجم عنها. 
اللامساواة لا تكون بين الطبقات والفئات المجتمعية المختلفة فحسب، بل من الممكن أن تحدث بين الأجيال ضمن الطبقة الواحدة وبين الأبناء والآباء بسبب غياب السياسات التنموية المستدامة.وفي هذه العجالة سأركز فقط على مسألة تتعلق بالدين العام وكلفة نظام معاشات التقاعد والعجز والوفاة للمؤمن عليهم تحت مظلة اللهيئة العامة للتأمين الاجتماعي. 
يمكن ملاحظة إن أغلب الأقطار العربية، حتى النفطية منها، راكمت ديونا متزايدة خلال السنوات الماضية. في البحرين مثلا، التي يقل عدد مواطنيها عن 700 ألف، من المتوقع أن يصل الدين العام مع نهاية عام 2017 إلى 10.2 مليار دينار (27 مليار دولار)، وفي  2018 إلى ما يقارب 100% من الناتج المحلي البالغ حوالي 12 مليار دينار (32 مليار دولار) ، بعد أن كان لا يتجاوز 10% من الناتج المحلي قبل 10 أعوام. هذه الديون المتراكمة على الدولة تحتاج اما إلى معجزة نفطية من نوع الطفرات النفطية الثلاث التي مررنا بها خلال العقود الماضية، أو إلى تقليص نفقات الدولة بشكل كبير يصاحبها فرض ضرائب ورسوم متزايدة. من الأكيد إن من سيدفع الثمن هم الأجيال القادمة من الشباب الذين لم يشهدوا العصر الذهبي للنفط.
 
المصدر: بنك البحرين المركزي. الدينار البحريني= 2.65 دولار

هذا ليس كل ما في الأمر، فأنظمة التقاعد في بعض الأقطار العربية مفلسة. في البحرين، بلغ العجز الاكتواري (التزامات صناديق التقاعد المستقبلية تجاه المؤمن عليهم ناقصا الأصول المتراكمة لهذه الصناديق) عام 2015 ما يزيد عن 7.5 مليار دينار (20 مليار دولار) يتزايد بمعدل 500 مليون دينار سنويا (1.3 مليار دولار). من هو الخاسر الأكبر من استمرار تراكم هذا العجز الاكتواري؟ من المؤكد ان الصناديق التقاعدية ستعجز بعد بضع سنين عن دفع كل مستحقات المتقاعدين، فأصولها (احتياطياتها) المتراكمة البالغة حوالي 10 مليار دولار ستنفد عام 2028 حسب توقعات الخبير الاكتواري  ، الأمر الذي قد يدفعها إلى مضاعفة الاشتراكات التي يسددها المؤمن عليهم وتخفيض المستحقات التقاعدية. الغالبية الساحقة من هؤلاء المتضررين هم من فئة الشباب الذين لم يدخلوا سوق العمل بعد أو الذين مازال أمامهم عشرات السنين قبل الوصول إلى سن التقاعد.   
كان من الممكن تجنب أزمة الدين العام والعجز الاكتواري، الذي من المؤكد أن الخاسر الأكبر فيه هو جيل شاب لم يستفد منه، لو وُجد الحكم الصالح وسُخّرت موارد الدولة لصالح التنمية المستدامة. لقد تم التعامل مع الأراضي الأميرية المملوكة من الدولة باعتبارها أملاكا خاصة يمكن التصرف بها في غير المصلحة العامة، إذ وُهبت أراض شاسعة للنخب الفاسدة، تتجاوز قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، بدل بيعها في مزادات علنية تملأ خزينة الدولة المنهكة اليوم بالمصروفات الأمنية والعسكرية والعمولات، وفي المستقبل بخدمة الدين العام وسد عجز صناديق التقاعد. 
اللامساواة بين موظفي الحكومة وموظفي القطاع الخاص: دولة الرفاه التي شيدت على فوائض الأموال النفطية اعتمدت على عقد اجتماعي غير مكتوب: الولاء للسلطة والتنازل عن الحقوق السياسية مقابل العطايا من الوظائف الحكومية المريحة ودعم الأغذية والمحروقات والطاقة والماء والسكن وغيرها. لهذا أصبح القطاع الحكومي المدني والعسكري هو الموظف الأكبر للمواطنين. في البحرين مثلا يبلغ عدد موظفي القطاع الحكومي المدني 52 ألف موظف بحريني بالاضافة الى نحو 30 أو 40 ألفا يعملون في القطاع العسكري والشركات والمؤسسات التي تملك الحكومة فيها حصصا كبيرة، مقابل 90 ألف بحريني يعملون في القطاع الخاص.  
التمييز لصالح القطاع العام على القطاع الخاص يأخذ أبعادا متعددة، سواء من حيث الفارق في الأجر، أو في حقوق التقاعد، أو في عدد أيام الإجازة السنوية مدفوعة الأجر (42 يوما للموظف العام مقابل 21 يوما للخاص). ومن ناحية الأجور، فإن 50% من موظفي القطاع الخاص يحصلون على أقل من 400 دينار شهريا (1,060 دولار)، مقابل فقط 4% في القطاع العام. كما أن وسيط (median) الأجر الشهري في القطاع العام المدني يزيد 86% عنه في الخاص (744 دينار مقابل 400). هذه الميزة التفضيلية تستمر حتى بعد الإحالة للمعاش، إذ يبلغ وسيط المعاش التقاعدي لموظف القطاع العام المدني 766 دينارا مقابل 395 للخاص  . 
وبطبيعة الحال يفضل أغلب الناس الحصول على أجر أعلى مقابل عمل أقل. وعندما يتعرض الاقتصاد لهزات كبيرة من قبيل الانخفاض الحاد في أسعار النفط، تقوم الحكومة بخفض نفقاتها فيتزايد التنافس على الوظائف المحدودة التي تعرضها. وبالاضافة إلى أشكال المحسوبيات العائلية وغيرها الشائعة في الأوضاع الطبيعية، فان  سياسة التوظيف الرسمية في البلدان التي تتعرض لانقسامات سياسية حادة تستخدم كسلاح لمكافأة الفئات والطوائف الموالية ولتأديب "المتمردة" منهم، أي الفئات التي يتركز فيها وجود المعارضة. في هذه الدول تصبح الأولوية القصوى للسلطة الحاكمة رص صفوف الأقلية المؤيدة للابقاء على قاعدة اجتماعية متماسكة للسلطة، خاصة في القوات الأمنية والعسكرية، في وجه أغلبية معارضة تنتمي في غالبيتها لجماعات مختلفة عن جماعة النخبة الحاكمة.
إن اللامساواة بين دخول الأفراد في القطاعين العام والخاص مرشحة للاستمرار في غياب إصلاحات هيكلية للقطاعين، لكنها ستكون أكثر وطأة على الفئات المحسوبة على المعارضة التي تحرم من الحصول على فرص متساوية لتقلد الوظائف الحكومية.

اللامساواة بين الوافدين والمواطنين: الاقتصاد الخليجي مدمن نفط في التصدير، ومدمن عمالة وافدة في الاستيراد. في البحرين، يوظف القطاع الخاص جل العاملين الوافدين اذ يبلغ تعدادهم 516 ألف إضافة لحوالي 120 ألف من خدم المنازل. يشغل هؤلاء الوظائف الدنيا المنخفضة الأجر في الأعمال التي لا تتطلب مهارات متميزة أو تعليما عاليا خاصة في قطاع الانشاءات. متوسط الأجر (لا توجد إحصاءات للوسيط) الذي يحصل عليه العاملون الوافدون في هذا القطاع أقل من ثلث متوسط ما يحصل عليه البحرينيون (213 دينارا مقابل 690)  . 
من ناحية فإن السبب الرئيس لانخفاض الأجور هو الخزان الضخم من العمالة الرخيصة المتوافرة في شبه القارة الهندية على وجه الخصوص، ومن ناحية أخرى غياب الحماية للعمالة الوافدة من حيث الحد الأدنى للأجر ونظام الكفالة شبه العبودي الذي يمنع أو يعيق انتقال العامل من رب عمل لآخر لتحسين شروط عمله. هذا التمييز ضد العامل الوافد يتلاشى في حالة الوظائف الوسطى التي تتطلب تعليما عاليا أو مهارات جيدة، حيث يقترب أجر الوافد من أجر المواطن، وربما يزيد في حالة كبار الموظفين من ذوي البشرة البيضاء.

اللامساواة بين المرأة والرجل: أغلب خريجي الجامعات خلال العقدين الماضيين هم من النساء. كما أن المراتب الأولى في نتائج امتحانات الثانوية العامة والاعدادية والابتدائية تهيمن عليها الفتيات. والفجوة العلمية بين الفتيات والفتيان  كبيرة لصالح الفتيات كما تبينها امتحانات دراسة التوجهات العالمية للرياضيات والعلوم (TIMSS). لكن كل هذا لم يحقق بعد النتائج المرجوة بالمساواة في الأجر رغم الزيادة المستمرة في عدد النساء العاملات وفي أجرهن.
وفي حين أن متوسط ووسيط الأجر متساو تقريبا في القطاع العام المدني، فان متوسط الأجر الشهري للمرأة في القطاع الخاص عام 2016 بلغ فقط 68% من أجر الرجل (524 دينار للمرأة مقابل 772 دينار للرجل). لكن الفجوة في الأجور تتزايد بين الرجال والنساء مع تقدم العمر واطالة أمد بقائهم في العمل. ان متوسط أجر النساء بالنسبة للرجال في القطاع الخاص ينخفض إلى 50% للشريحة العمرية من 40 إلى 49 ، و 40% للشريحة العمرية من 50 إلى 59. هذا يعني ان فرص المرأة للترقي بعد حصولها على الوظائف الوسطى محدودة  .
خاتمة
اللامساواة في الدخل والثروة في الوطن العربي لا يقتصر سببها على آلية التراكم اللانهائي التلقائي التي يقول ماركس وبيكيتي إنها متأصلة في طبيعة رأس المال. في وطننا العربي تشتغل آلية إضافية لتركيز رأس المال في أيد قليلة، آلية الفساد المستشري في جسد الدولة القطرية  الذي يعتبر موارد الدولة غنيمة تستأثر بها النخبة الحاكمة وتستخدمها لرشوة المجتمع، وهي أشد خطرا لأنها تأخذ ولا تعطي إلا بما يكفي لشراء الضمائر أو لضمان صمت الجياع، بينما تقوم آلية التراكم الرأسمالي على قسمة غير عادلة بين رأس المال والعمل.
طرح الباحثون في ورقة الاسكوا السابقة الذكر رؤية تستند على نموذج انمائي جديد يجمع الطبقات الوسطى والفقيرة في تحالف ديمقراطي، وهو ما رآه أيضا الأمريكي انغلهارت حول التحالف العريض بين الأغلبية ضد الأقلية الثرية. كما دعوا إلى توجيه الاستثمارات في القطاعات التي توفرأكبر عدد من الوظائف الجيدة، وطالبوا بتفكيك رأسمالية المحاباة واصلاح النظام الضريبي وخفض الانفاق العسكري، وعلى أهمية دور الدولة الاقتصادي. ويعنينا كثيرا كقوميين ما لاحظه الباحثون أن المنطقة العربية هي الأقل تكاملا في مجالات التجارة والاستثمار، وأن "الخطوات الأولى في مسار التكامل الاقتصادي كفيلة وحدها بتحقيق فوائد هائلة" قدروها بزيادة في الناتج المحلي بنسبة 3% سنويا. لكن كل هذه تحتاج إلى اصلاحات بنيوية للدولة العربية والمنظومة القومية تقوم على قواعد الديمقراطية والحكم الرشيد.
وعلى الصعيد العالمي، يقترح بيكيتي وأنتوني أتكنسون وبورغينون وآخرون نظاما ضريبيا عالميا على الثروة، وضرائب تصاعدية على أصحاب الدخول الكبيرة والتركات والعقارات، وضمان ثروة دنيا لكل شاب يبلغ سن الرشد ، ومحو أشكال التمييز، وتنظيم أسواق العمل وتنسيق دولي من أجل ضمان أكبر قدر من الشفافية لمنع التهرب الضريبي. غير أنهم يعترفون بصعوبة هذا الحل لأنه يتطلب درجة عالية من التنسيق الدولي وتكاملا سياسيا واقليميا، ولكن لا خيار آخر للجم الرأسمالية.  
-انتهى-