www.arabnc.org
الاستقلال الوطني والقومي 28البرنامج النهائي 28المشاركون في الدورة 28البيان الصحفي للدورة 28مبادرات ومواقف المؤتمر 10 نيسان 2016 - 8 أيار 2017المشهد السياسي 28الديمقراطية وحقوق الإنسان 28العدالة الاجتماعية 28التنمية المستقلة 28التجدد الحضاري 28أمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلامالبيان الختامي للدورة 26
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
المشهد السياسي 27 ((المشهد السياسي 27))
المؤتمر القومي العربي
ARAB NATIONAL CONFERENCE
   المؤتمر السابع والعشرون
19 – 20 نيسان/أبريل 2016
     الحمامات - تونس
التوزيع: محدود
الرقم: م ق ع 26/وثائق 8

منطق الصراعات في المشهد السياسي العربي الراهن **
د. زياد حافظ *
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* الأمين العام للمؤتمر القومي العربي

منطق الصراعات في المشهد السياسي العربي الراهن

د. زياد حافظ
ألامين العام للمؤتمر القومي العربي

مقدمة
خلال اجتماع الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي في بيروت في تشرين الأول من العام الماضي قدّمنا قراءة عن المشهد الدولي والإقليمي والعربي حاولنا من خلالها إبراز تقدير موقف لموازين القوة التي تتحكّم بمسار الأمور في الوطن العربي والمتأثرة بنسب متفاوتة بالتحوّلات الدولية والإقليمية. ونعتقد أن ما أتينا به في تلك الورقة ما زال صالحا في معظمه وبالتالي تصبح ورقة مساندة لمقاربتنا اليوم.
المنطقة العربية من مشرقها إلى مغربها مرورا بالجزيرة العربية مسرح لصراعات مختلفة منها طابعها دولي، ومنها طابعها إقليمي، ومنها طابعها عربي، وكثير منها مريج من الداخلي والإقليمي والدولي. وهذه الصراعات معظمها مزمن في الجوهر وإن تغيّرت إلى حد كبير أدوار اللاعبين الدوليين والإقليميين والعرب منهم من منتصف العقد الماضي (أي بعد حرب تموز على لبنان عام 2006) حتى اللحظة الراهنة.
التغييرات في الصراعات الراهنة تعكس تغييرات في موازين القوة على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي. التغييرات في موازين القوة تعكس بدورها تغييرات جوهرية في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسكّانية والثقافية عرضناها في ورقتنا السابقة ونكتفي بالإشارة إليها فقط. هذه التغييرات في موازين القوة على المستويات الثلاثة، أي الدولية والإقليمية والعربية، أتاحت الفرصة للاعبين إقليميين وعرب من توسيع رقعة تحرّكهم ورفع سقف ذلك التحرّك وفقا لتقديراتهم في تراجع فعّالية القوى الدولية الأساسية والتي كانت تتحكّم بمسار الأمور وإيقاعها. من هنا يمكن فهم بعض مسارات الصراعات القائمة في المنطقة العربية التي يعتبرها البعض بشكل آلي نتيجة لتصّور أميركي صهيوني ينفّذه لاعبون عرب. وإذا كنا لا ننكر دور الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في تأجيج صراعات قديمة وخلق صراعات جديدة إلا أن الفكرة الأساسية التي نطرحها في هذه الورقة والتي نعرضها للنقاش، وهي غير منزلة أو منحوتة في الصخر، هي أن القسط الأكبر من الصراعات العربية العربية هو من صنع عربي وأن مستقبل هذه الصراعات يتوقف على اللاعبين العرب في المرتبة الأولى آخذين بعين الاعتبار عامل جديد دخل على المشهد هو ما يمكن تسميته بالتنسيق الروسي الأميركي. فهناك سلسلة من أحداث ومواقف وقرارات ترجمت ميدانيا في عدد من ساحات الصراعات القائمة كسورية واليمن وليبيا والعراق تدلّ على أن التنسيق الروسي الأميركي هدفه في الحد الأدنى ضبط إيقاع حركة الأحداث وفي الحد الأقصى تفاهم أشمل. لكننا لسنا متأكدين حول مدى صمود هذا التنسيق وعلى مدى فعّاليته على المدى المتوسط والطويل على سلوك اللاعبين العرب في المشهد السياسي.
لذلك فإن هذه الورقة ستتناول حركة الصراعات القائمة التي منها دولية في الساحات العربية ومنها عربية إقليمية ومنها إقليمية إقليمية ومهنا عربية عربية. لكن المفتاح الرئيسي لمعظم هذه الصراعات كي لا نقول جميعها هو القضية الفلسطينية التي كانت وما زالت وستستمر إلى يوم الحسم أو النصر النهائي في استرجاع فلسطين، ونعنى هنا كامل فلسطين، وحقوق الشعب الفلسطيني في العودة والاستقرار والتعويض المادي والمعنوي لما تحمّله هذا الشعب من وزر الاحتلال والتشرّد. فلا الحرب على العراق واحتلاله وتدمير بنيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وذاكرته العلمية والثقافية والتاريخية، ولا تدمير ليبيا وتمزيقها، ولا العدوان الكوني على سورية، ولا العدوان العربي غير المبرّر على اليمن، ولا حتى استمرار الأزمة في لبنان، ولا حتى نشأة وتشجيع حركات الغلو والتوحّش، ولا استمرار الحصار على غزة والتنسيق الأمني بين السلطة والكيان تبرّرها الأسباب التي تروّجها وسائل الاعلام الغربية والعربية المملوكة من دول النفط إلاّ والقضية الفلسطينية هي الحاضرة والسبب الحقيقي المباشر وغير المباشر لمختلف ألوان العدوان. لا ننفي وجود أسباب أخرى خاصة بكل قطر لكن السبب الرئيسي في رأينا هو الصراع العربي الصهيوني يلييه العمل على إجهاض أي حراك نهضوي وحدوي. هكذا كان التدخّل الدولي والإقليمي في السابق، وهكذا هو تدخله اليوم. كما أن محاولات استبدال العداء للجمهورية الإسلامية في إيران بالعداء للكيان الصهيوني هو الوجه الحقيقي لمسار الصراعات في المنطقة العربية.
الجزء الأول. الصراعات الدولية في الوطن العربي
التدخلات الخارجية في الوطن العربي ناتجة عن الصراعات الدولية. ويمكن اختزال الصراعات الدولية بالصراع بين روسيا والولايات المتحدة نيابة عن صراع بين محور الدول الصاعدة المتمثلة بمجموعة دول البريكس والتي قد تنضم إليها في وقت لاحق الجمهورية الإسلامية في إيران وبين المحور الغربي الأطلسي بما فيه الاتحاد الأوروبي وطبعا الكيان الصهيوني. وللمزيد عن الموضوع يمكن مراجعة ورقتنا السابقة. 
الصراع بين روسيا والولايات المتحدة ليس جديدا بل متجدّدا بعد حقبة تفكّك الاتحاد السوفيتي. كما أن هذا الصراع لن يفضي بالضرورة إلى توافق أو تسويات مشابهة لتسوية يالطا. فالتسوية الأخيرة كانت بين حلفاء منتصرين على عدو مشترك أي النازية بينما سمة العلاقة الحالية هي سمة التنافس بين قوة صاعدة وقوة متراجعة وإن كانت الأخيرة في حالة إنكار ومكابرة. فالتسوية قد تكبح وتيرة الصعود لما يرافقها من إما تنازلات أو تأخير لأولويات كما أنها عند الطرف الثاني قد تكبح فرصة إعادة تحسين الظروف وإلغاء التراجع. فإلى حد ما نستطيع أن نقول إن كل من روسيا والولايات المتحدة تسعى فقط للوصول إلى تفاهمات تضبط إيقاع مسار الصراع وليس بالضرورة لتوزيع مناطق النفوذ بينهما. ففيما يتعلّق ب"التفهامات" التي يمكن أن تكون قد تمّت بين روسيا والولايات المتحدة لا بد من الانتباه إلى النقاط التالية:
أولا-إن أي "تفاهم" لا يعني نهاية الصراع بل فعليا متابعته بوتائر مختلفة وبوسائل متعدّدة كمحاولات الالتفاف على مقرّرات جنيف أو فينا أو نيويورك. فما شهدناه من قرارات صادرة عن جامعة الدول العربية من توصيف المقاومة إرهابا تشكّل تمهيدا لضرب المقاومة في سورية على قاعدة أن التسوية التي يروّج لها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا تتضمّن بندا بمحاربة الإرهاب!  قد يكون ذلك النزع للغطاء العربي عن المقاومة تمهيدا لعداون صهيوني على لبنان ومقاومته سواء في لبنان أو في سورية، هذا إذا ما كان الكيان الصهيوني واثقا من نجاح سريع وحاسم. فالحرب المرتقبة هي الوجه الآخر للصراع بين المحورين عبر الأدوات الإقليمية والعربية.
ثانيا-للولايات المتحدة تاريخ حافل بنقض الاتفاقات التي تعقدها على قاعدة أن "إستثنائيتها" تعفيها من المسائلة والمحاسبة. كما أنها تعتبر أن العقد الذي يشكّل شريعة المتعاقدين يعكس موازين قوة في لحظة معّينة. وبما أن سنة الحياة هي العمل على تحسين موازين القوة لصالح كل طرف يستطيع ذلك وإن كان على حساب الاتفاق المعقود فإن الولايات المتحدة سعت في السابق، وستسعى في كل لحظة تعقد فيها أي اتفاق، ومنذ اللحظات الأولى للتوقيع على العمل على نقض الاتفاق إذا ما توفرت لها الظروف. فلا قدسية للمعاهدات والاتفاقات إذا ما اقتضت في تلك اللحظات المصلحة الأميركية كما تحدّدها هي وإن كان على حساب الآخرين. فالتفاهم مع الروس وقبل ذلك الاتفاق على الملف النووي مرشح بقوّة للنقض أو التخلّي إذا ماشعرت أنها تستطيع أن تقوم بذلك حتى مع عقوبات إذا استطاعت أن تستوعبها. لكن هذه القدرة رهن التحوّلات الداخلية السلبية التي تشهدها الولايات المتحدة والتي قد تحدّ من فعّاليتها.
في هذا السياق، علينا أن ننتبه أن التحوّلات التي حصلت وما زالت تحصل داخل هذه المجتمعات الدولية وحتى سائر الدول أدّت وتؤدّي إلى تناثر مراكز القوة والنفوذ (dispersion) ما يحول دون إمكانية لأي طرف أن يفرض سلطته أو رأيه. لكن هل بإمكان التفاهم بين القطبين أن يحقق ذلك ويؤدّي إلى فرض تسويات على سائر الأمم؟  هذا ما لا نعتقد أنه ممكن في الظروف الراهنة لأن الأمم بشكل عام وخاصة الدول المعنية في الوطن العربي وفي الإقليم لديها من القوة الذاتية ما يسمح لها بتعديل أو تأخير التفاهمات أو ابتزاز وانتزاع بعض المكاسب، أي بمعنى آخر هناك قدر من الاستقلالية لدى الدول العربية الوازنة يجعلها تتخذ قرارات وإن كانت غير صائبة في بعض الأحيان إلاّ أنها ليست بالضرورة تنفيذا لإملاءات خارجية. كما أن "التمرّد" على الإرادة الدولية وأو الإقليمية هي التي تفسّر منطق المقاومة للاحتلالات المتعدّدة، وتفسّر عند حلفاء الولايات المتحدة رفع سقفها السياسي في الملفات الساخنة التي تحاول الولايات المتحدة إطفاءها. فليست كل القرارات العربية من صنع الولايات المتحدة وإن كانت لا تمانع هذه الأخيرة هذه القرارات العربية المدمّرة للأمة. كما أن  المقاومة ليست تنفيذا لإرادة دولية أو إقليمية في العراق أو في سورية أو طبعا في فلسطين. هذا الأمر، اي تناثر النفوذ، قد يؤدّي بدوره إلى إطالة الأزمات إن لم تحسم ميدانيا أو إن لم يحصل توافق داخلي بعيدا عن الأجندات الخارجية. وليس كل شيء يسير في صالح القوى الدولية في المنطقة مهما كانت. 
أولا-المسرح السوري للصراع الروسي الأميركي
من الواضح أن المسرح السوري ساحة تنافس شديد القسوة يعكس مدى تصادم المصالح الروسية مع المصالح الأميركية إضافة إلى المصالح الإقليمية المتصادمة. لكن نلاحظ حرص الطرفين على عدم التصادم المباشر والاكتفاء بالتصادم عبر الحلفاء/الوكلاء على الأرض. فلروسيا استراتيجية واضحة المعالم والأهداف بينما للولايات المتحدة مواقف تتميّز بطابع ردّة الفعل وليس الفعل رغم كل ما يمكن أن يتصوّره المرء من إمكانيات وقوة نارية واقتصادية ومالية لديها. ونفسّر ذلك بمنحى التراجع المزمن الذي عرّفنا عنه منذ عام 2003 وما زلنا أي أننا نعيش حقبة الأفول الأميركي في المنطقة وحتى في العالم. ويعود ذلك لأسباب داخلية أميركية في المترتبة الأولى تتمثل في انسداد أفق النظام السياسي والتراجع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتحوّلات في البنية السكّانية وانعكاسها على مراكز القوة والقرار وثقافة العنف لحل المشكلات في زمن التراجع. ونكرّر أن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت دولة متخلّفة أو فقيرة أو ضعيفة في القدرات العسكرية والاقتصادية لكن كل رصيدها لا يمكنه أن تصرفه كما تريد  سياسيا واقتصاديا في الساحات الدولية بشكل عام وفي المنطقة العربية بشكل خاص. ومن هنا نعتبر أن المقاومة للاحتلال في العراق كانت بمثابة الضربة القاضية للتقدم الأميركي أوقفت مشروعها في المنطقة العربية ففتحت الأبواب على مصراعيها لجميع احتمالات "التمرّد" على الإرادة الأميركية.
أ-روسيا. في الميدان السوري تتبع روسيا استراتيجية لاعب الشطرنج الذي بعد عمليات الافتتاح في حركات البيادق يسعى إلى توضيع القطع الأساسية من فرسان وأفيال وقلاع وملكة في الأماكن التي تعتبرها استراتيجية على طاولة المربعات الأربعة وستين. فهي تقضم وتقوم بتراكم الإنجازات الصغيرة التي تتحوّل إلى كتلة حسّاسة لا يستطيع الخصم أن يقاومها فيستسلم. وإذا حلّلنا مسار سلوك روسيا منذ خريف 2012 حتى الساعة نرى كيف استطاعت استعمال حق النقض في مجلس الأمن إلى الإمداد العسكري إلى التفاوض في جنيف واحد ثم اثنين ثم فينّا وموسكو ونيويورك في مجلس الأمن في مراكمة المكاسب السياسية تُوّجت بمساندة عسكرية واسعة في أيلول الماضي فانتزعت من خلالها معظم الأوراق التي كانب بيد الولايات المتحدة. ليس هدف هذه الورقة البحث في المحطّات المختلفة ولا سرد التطوّرات على المسرح السوري بل التركيز على أن لروسيا استراتيجية واضحة تسعى إلى فرض تسوية وفقا لمصالحها. فهي تسعى إلى إيقاف النزيف في سورية الذي يؤجّج تنامي قوى التعصّب والغلو الذي يشكّل تهديدا مباشرا على الأمن القومي الروسي لما لها من جاليات مسلمة في دول الاتحاد الروسي. كما أن تقليص نفوذ الولايات المتحدة في المشرق العربي يساعدها على تحقيق هدف استراتيجي مزمن منذ حقبة القياصرة وهو الدخول إلى البحر المتوسط وإن كانت فعّالية ذلك الدخول محفوفة بالقيود كضرورة المرور بمضيق البوسفور الذي يتحكم به الحلف الأطلسي عبر تركيا. من هنا نفهم قيمة المشروع الإيراني لحفر قناة تربط بحر القزوين بالخليج العربي. وأخيرا تسعى روسيا إلى تأمين الجنوب الغربي للكتلة الجغرافية لاوراسيا التي تشكّل في رأينا الهدف الأساسي للعبة الأمم في هذه الألفية. ولنا رأي في هذا الموضوع عرضناه بشكل سريع في الورقة التي قدمناها في شهر تشرين الأول للأمانة العامة للمؤتمر.
الإنجازات العسكرية الميدانية للجيش العربي السوري تؤهّل روسيا لفرض تنازلات على الولايات المتحدة خلال المفاوضات. فمن جهة استطاعت روسيا فرض تصنيف العديد من المنظّمات المقاتلة على الأرض السورية كتنظيمات إرهابية غير مؤهّلة للدخول في مسار التفاوض والحل السياسي، كما فرضت على عدم اختزال المعارضة السورية للحكومة في مجموعة التي ترعاها حكومة الرياض، كما أنها تسعى حتى هذه الساعة إدخال أطراف جديدة إلى طاولة الحوار ككرد سورية. والانجاز الأكبر هو التسليم بوحدة الأراضي السورية وعدم تقسيمها رغم الالتباس في دعوات إلى "فدرالية" تصدر من وقت إلى حين عن بعض المسؤولين في روسيا سرعان ما يتمّ التراجع عنها، وكأنها نوع من وسائل الضغط على بعض الأطراف في الدولة السورية لإبداء بعض "المرونة" في ملفّ المفاوضات. أما بالنسبة لمصير الرئيس السوري بشّار الأسد فاستطاعت روسيا إقناع الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي أن المسألة تترك للشعب السوري وأن لا شروط مسبقة لتنحّيه وعدم ترشّحه.
ب-الولايات المتحدة. اعتبرت الولايات المتحدة منذ اندلاع الحراك الشعبي العربي في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين أن روسيا إما لا تستطيع التدخّل في مسار الأمور أو ليست لديها أي رغبة في ذلك بسبب فقدان نفوذها في المنطقة منذ فترة تفكّك الاتحاد السوفيتي. هذا دليل قاطع على سؤ تقدير فادح تدفع ثمنه الولايات المتحدة كما أنه يدّل على ترهّل القدرات على التقدير والتخطيط، سواء بسبب الغطرسة أو بسبب رداءة النخب الحاكمة. وبالتالي اعتبرت الولايات المتحدة أن الساحة السورية خالية من أي منافسة دولية لها وتستطيع أن تتحكم بمسار الأمور إلى أن أتت الخدعة الغربية بقيادة الولايات المتحدة في تحوير قرار مجلس الأمن بحق الأزمة في ليبيا. واعتقدت الولايات المتحدة أن يمكنها تجاوز روسيا في الملف الليبي وحتى في سائر الملفات وخاصة في الملف السوري إلى أن أقدمت روسيا ومعها الصين على استعمل حقهما في النقض في مجلس الأمن في أواخر 2011وذلك بعد أن ثبت صمود سوريا دولة وقيادة ومؤسسات وخاصة المؤسسة العسكرية. فكان تعطيل دور مجلس الأمن كأداة للسياسة الخارجية الأميركية.
هنا لا بد من توضيح بعض الأمور على موقف الولايات المتحدة في الملف السوري. لا نقاش حول رأي ورغبات الإدارة الأميركية تجاه طبيعة الدولة السورية وقيادتها. لكن سورية لا تشكّل بالنسبة للولايات المتحدة أولوية جيوسياسية بل مدخلا لابتزاز الجمهورية الإسلامية في إيران في مرحلة المفاوضات معها على الملف النووي. كما أنها تعارض وجود إيراني على شواطئ البحر المتوسط بعد الوجود غير المباشر للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان عبر محور المقاومة وحلفائها. لذلك تجنّبت الولايات المتحدة من الانخراط المباشر عسكريا في الأزمة السورية وإن كانت المسؤولة الأولى عن عسكرة الحراك الشعبي وتفاقم استمرار القتال والدمار. فالحرب بالوكالة وعبر التحريض الفئوي من أفتك وأرخص الأسلحة في الترسانة الأميركية فكان ما كان. بالمقابل نفهم عدم تمسّك الإدارة الأميركية بوكلائها وحتى ببعض التنظيمات التي أوشكت أن تهدّد مصالحها في العراق وفي دول الجوار. لذلك كان الدخول في مفاوضات للتسوية مع روسيا في الشأن السوري، بعد فشل تحقيق أهدافها عبر وكلائها، ورقة تستخدمها سواء بالتمسّك بها أو بالتفسير الملتبس لما يمكن أن يصدر عنها. فخسارتها محدودة في سورية حيث لا مصالح حيوية لها بينما خسارة حلفائها أكبر بكثير وتفوق قدرتهم التحمّل. مرّة أخرى تتحقّق المقولة أن مخالفة الولايات المتحدة أمر مكلف لكن مهادنتها أو التحالف معها أمر قاتل!
اعتبرت الولايات المتحدة انها تستطيع تحديد وتيرة الأحداث في سورية عبر التحريض المباشر من قبل وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلنتون، المرشحة المرتقبة للرئاسة الأميركية عن الحزب الديمقراطي. فهي التي حرّضت على استمرار حمل السلاح وعدم القبول بالعفو الصادر عن الدولة. كما أنها دعت وما زالت في خطابها السياسي إلى مقاربة سورية من زاوية التجمّعات الطائفية والمذهبية والعرقية مع إغفال متعمّد للهوية الوطنية وللهوية القومية العربية لسورية. فليس هناك سوريون بل طوائف ومذاهب وأعراق، كما حصل تماما في العراق.
التحريض الأميركي واللامبالاة للتحوّلات السياسية على الصعيد الدولي والإقليمي وصل إلى ذروته في صيف 2013 مع افتعال أزمة السلاح الكيماوي. نتذكر جميعا الكلام الكبير للرئيس الأميركي عن "الخط الأحمر" الذي تخطّته الدولة السورية على حسب زعمه في استعمال السلاح الكيماوي مما يستدعي التدخل العسكري الأميركي المباشر. غير أن الرسائل الإقليمية (إيران) والدولية (روسيا) وحتى داخل المؤسسة العسكرية الأميركية كانت واضحة للغاية أي أن التدخل العسكري الأميركي كان سيؤدّي إلى انفجار واسع في المشرق يطال بشكل مباشر ليس فقط المصالح الأميركية بل حلفاءها كالكيان الصهيوني وتركيا وحتى دول مجلس التعاون الخليجي. فكانت الهندسة الروسية في إيجاد المخرج اللائق للولايات المتحدة عبر قرار تسليم المخزون الكيماوي لدى الدولة السورية. 
المحطة التالية في الأزمة السورية من زاوية الولايات المتحدة كانت استمرار المواجهة مع الدولة السورية ولكن عبر منظّمات التشدّد والغلو والتعصب. فالتغاضي عن نمو ما يسمّى بالدولة الإسلامية في العراق والشام، أي داعش، لم يكن ليحصل لولا التسهيلات التركية (بموافقة أميركية صريحة) والدعم اللوجستي لها في العراق من قبل بلاد الحرمين وفيما بعد تمدّدها في شمال سورية. الحرب عبر داعش وجبهة النصرة كانت البديل عن الارتكاز على "معارضة معتدلة" أظهرت فشلها بعد لجوء العناصر التي درّبتها الاستخبارات الأميركية إلى صفوف إما داعش أو النصرة. عندما خرج التنظيمان عن السيطرة وخاصة داعش كان لا بد من الولايات المتحدة الظهور بالموقف المناهض لداعش فكان "التحالف الدولي" لضرب داعش والتي استفادت منه داعش من جهة العتاد والعداد والتمدّد الجغرافي في العراق ومن بعد ذلك في سورية. وبعد حوالي سنة من المسرحية لإيقاف داعش كان التدخل الروسي بناء على طلب رسمي من الدولة السورية الذي غيّر من موازين القوة على الأرض ولصالح الدولة السورية والجيش العربي السوري. فهذه المتغيّرات أجبرت الولايات المتحدة على ضرورة التفاهم الجدّي مع روسيا.
نقول "التفاهم الجدّي" لأن التفاهم الروسي الأميركي بدأ عام 2012 في اجتماع الرئيسين بوتين واوباما في كانكون. غير أن الظروف الموضوعية داخل الولايات المتحدة لم تسمح للرئيس الأميركي في السير في ذلك الاتجاه إلى أن أتت أزمة صيف 2013 والتي تمكّن من خلالها الرئيس الروسي من تثبيت حضوره الدولي كشريك أساسي في أي تطوّر ممكن. بالمقابل استطاع الرئيس الأميركي أن يقطع الطريق أمام صقور الإدارة والكونغرس للمطالبة بالتدخل العسكري المباشر في سورية، المطلب الذي ما زال قائما لدى الكيان الصهيوني وحكومة الرياض وأنقرة وطبعا أتباعهما في الساحات العربية.
التفاهم من خلال أزمة 2013 ساهم في تفعيل المفاوضات على الملف النووي في إيران. فعلى أثر إنجاز الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية في إيران وعلى ضوء المتغيرات الحاصلة في موازين القوة على الأرض وفي الميدان كانت الأرضية لتسوية سياسية بين القوتين الدوليتين ممهدة، فنحن نعيش هذه اللحظة دون التنبؤ بنجاحها أو إخفاقها. لن نسارع بالقول إن التسوية تحصيل حاصل كما لا نقول إنها غير قابلة للتنفيذ. لكن استمرار إنجازات الجيش العربي السوري في ميدان المواجهات مع كل من داعش والنصرة سيجعل من فرص تسوية ترضي إلى حدّ ما حكومتي الرياض وأنقرة تتراجع. فما على حكومة الرياض وأنقرة إلاّ أن تعدّلا في طموحاتهما وتتكيّفا مع المستجدات الميدانية. حتى اللحظة لا نستطيع القول إنهما وصلا إلى تلك القناعة رغم بعد التباشير الصادرة عن حكومة أنقرة بالسير في ذلك المنحى.
ج-معالم التسوية الروسية الأميركية في سورية. ليست لدينا معلومات غير ما نقرأه في مختلف وسائل الاعلام والمحطات الفضائية التابعة لمختلف الفرقاء المتصارعين في وعلى الساحة السورية. فعلى ما يبدو فإن ملامح هذه التسوية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولا-الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومؤسسات الدولة وفي مقدمتها الجيش العربي السوري خلافا لما حصل في العراق وأو في ليبيا.
ثانيا-تشكيل حكومة "انتقالية" أو "وحدة وطنية" (يبدو هناك تباين على تسمية هذه الحكومة) من خلال الدستور الحالي تقوم بالإعداد لانتخابات برلمانية جديدة ورئاسية وتحضّر التعديلات المطلوبة التي سيتم التفاوض عليها. التأكيد على تشكيل الحكومة من خلال الدستور الحالي هو إنجاز لكل من سورية وروسيا إذ أن البديل عن ذلك هو تحديد مرجعية خارجية تكون وصية على سورية وهذا ما لم ولن تقبله الدولة السورية قيادة وحكومة وشعبا. ما هو مسكوت عنه هو توجّهات الحكومة الجديدة والتعديلات المقترحة للدستور التي ستحدد طبيعة الدولة (دولة اتحادية أو لا مركزية إدارية نسبية؟) وهويتها (عربية؟؟؟) ودورها في شتى الميادين وخاصة في الصراع العربي الصهيوني.
وهنا تقفز إلى الواجهة عدة أسئلة: كيف ستتعامل كل من روسيا والولايات المتحدة مع الانتخابات التي حصلت في نهاية الأسبوع الثاني من شهر نيسان 2016؟  أليس هذا مؤشرا عن مدى حرص الدولة السورية وقيادتها على تثبيت استقلاليتها وسيادتها؟  أليس إصرار الموفد الأممي دي ميستورا على تأجيل الانتخابات بحجة أن هناك مناطق سورية خارج سيطرة الدولة (وأو النفوذ الدولي؟!) تجعل إجرائها في اللحظة تجاهلا لرأي المواطنين السوريين فيها، واستطرادا رأي السوريين في الشتات؟  أليس الحرص على ذلك دليلا أن تلك القراءة تفترض أن السوريين الموجودين في مناطق خارج سيطرة الدولة يعارضون الدولة ونظام الحكم القائم، ضاربة عرض الحائط كل المؤشرات (ككثافة المشاركة الشعبية) التي تقول عكس ذلك؟  
ثالثا-استطاعت الدبلوماسية الروسية انتزاع تنازل كبير من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول ضرورة استمرار الرئيس الأسد في موقعه وأن مصيره يحدّده الشعب السوري بعد أن كانت تنحّيته شرطا أساسيا لأي حل سياسي. لكن حلفاء واشنطن في المنطقة ما زالوا متردّدين (حكومة أنقرة) أو مكابرين (حكومة الرياض) حيال هذا الأمر وهذا ما نعيشه في اللحظة الراهنة عند كتابة هذه السطور.
رابعا-استطاعت الدبلوماسية الروسية من وضع جبهة النصرة على قائمة الإرهاب واستبعادها من المشاركة في أي حل سياسي، وكذلك الأمر بطبيعة الحال لداعش. أما المجموعات المسلّحة التابعة لحكومات إقليمية (أنقرة والرياض) فما زال الجدال قائما حول إدخالها في إطار وفد المعارضة. أوكلت هذه المهمة على ما يبدو إلى الدبلوماسية الروسية. في هذا السياق يمكن قراءة التطوّرات الأخيرة كإعادة تموضع القوات الروسية أو سحب الجزء الأكبر من قواتها من سورية على هذه القاعدة. وهناك قراءات متعدّدة لتلك الخطوة الروسية. القراءة الأولى تعتبرها خطوة تكتيكية تربك الخصوم وخاصة الولايات المتحدة وتفقدها ورقة انتقادية لروسيا، كما يمكن قراءة الخطوة كضغط على الحكومة السورية لإبداء "مرونة" أكثر في التسوية. لسنا متأكدين أن التصلّب السوري هو في موضوع المعارضة ولا حتى في الصلاحيات الدستورية بل في التوجّهات السياسية الإقليمية والدولية للحكومة المرتقبة كخطوة أولى للحل. فما يلي يعبّر عن بعض هواجسنا تجاه ما يمكن أن ينتج عن "التسوية".
فإذا نعتبر أن هذه الحلول من خلال "التسوية" وإن كانت ضرورية لإيقاف النزيف والدمار في سورية إلاّ أنها ما زالت غامضة تجاه ما نعتقد حول الأهداف البعيدة وأو غير المعلنة لهذه "التسوية". فمنذ بداية الأزمة وما رافقها من أحداث دامية ودمار شامل اعتبرنا أن الحراك الشعبي في سورية هو حراك لمطالب مشروعة غير أن جهات خارجية إقليمية ودولية منخرطة بشكل مباشر وغير مباشر في الميدان السوري ولها أجندات مشبوهة حرّضت على تفاقم واستمرار القتال. الحرب الكونية التي شُنّت على الدولة السورية شعبا وأرضا وحكومة وقيادة لم تكن لإنجاز الإصلاحات المطلوبة بل لتغيير دور سورية. فمن الصعب القبول أن بعض الدول العربية المنخرطة في الحرب على سورية حريصة على حقوق الشعب السوري أوإرساء الديمقراطية فيها وهذه الدول لا دستور لها ولا برلمان ولا حقوق سياسية أو غيرها لرعاياها. فالهدف من الحرب على سورية كان في رأينا وما زال إدخال سورية في "التسوية الكبرى" للقضية الفلسطينية. لذلك تراودنا شكوك عميقة حول يقين "التسوية" المتداولة من ناحية دور سورية في الصراع الأم بين العرب والصهاينة. هذا ملف يستحق النقاش ولكن على ضوء معلومات مؤكدة وليست فقط على قاعدة التقديرات.
نشير في هذا السياق أن روسيا غير معنية بموقف محور المقاومة تجاه الصراع مع الكيان الصهيوني. فدبلوماسيتها تركّز على ضرورة اللجوء إلى الشرعية الدولية، إي إلى قرارات مجلس الأمن، التي تقرّ بحق بقاء الكيان الصهيوني وبضرورة تنازل الشعب الفلسطيني عن حقه في الجزء الأكبر من فلسطين. كما أن لروسيا مصالح هامة في الكيان كجالية روسية قوامها مليون أو أكثر نسمة إضافة إلى مصالحها الغازية في حقول الغاز الممتدة من شواطئ غزّة إلى الحدود اللبنانية. أما الولايات المتحدة فموقفها من حماية الكيان الصهيوني من الثوابت في السياسة الخارجية الأميركية وإن كانت في رأينا بعض المؤشرات تنبّئ بتحوّلات في هذا الموقف وإن لم تتبلور وتصبح موقفا رسميا (راجع في هذا السياق ما أتينا به في ورقتنا للأمانة العامة في تشرين الأول 2015). 
هناك على ما يبدو توافق روسي أميركي حول حل للقضية الفلسطينية. فمواقع عدة في الولايات المتحدة تعتبر أن الرئيس الأميركي يفكّر جدّيا في إعادة الاعتبار إلى حل الدولتين وإيقاف الاستيطان واعتبار القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية. حتى هذه الساعة لم تصدر أي مبادرة قد توافق عليها روسيا. كما أن هناك شكوكا حول قدرة الرئيس الأميركي على تسويق هكذا تسوية تدخله في التاريخ كصاحب الإنجازات السياسية الخارجية الكبرى كالاتفاق مع الجمهورية الإسلامية والتطبيع مع كوبا والاتفاق حول المناخ وربما أخيرا تسوية النزاع المزمن في المشرق العربي. ففي جو المزايدات الداخلية في الحزب الجمهوري وقطاعات واسعة داخل الحزب الديمقراطي تجاه التأييد المطلق للكيان وسلطة اللوبي الصهيوني على الإعلام الأميركي فمن الصعب أن يحقق الرئيس الأميركي أي نجاح في هذا الموضوع وإن كانت هناك قاعدة شعبية أميركية متنامية حتى داخل الجالية اليهودية الأميركية تسعى إلى حل الدولتين.
ثانيا-المسرح العراقي للصراع الروسي الأميركي
الحضور الأميركي في العراق ما زال أقوى من الحضور الروسي. استطاعت الولايات المتحدة استغلال لحظة الضعف الروسي للدخول إلى العراق والهيمنة عليه. أما وقد خرجت القوات الأميركية من العراق باستثناء بعض التشكيلات العسكرية الصغيرة الحجم فإن نفوذ الولايات المتحدة تراجع تراجعا كبيرا وإن كان ما زال يحظى بقدر كبير من التأثير في قطاعات واسعة ووازنة بين النخب السياسية التي أفرزتها ما يُسمّى بالعملية السياسية.
الحكومة العراقية الحالية تحاول إيجاد بعض التوازن مع الولايات المتحدة عبر نسج علاقات مع روسيا. من هنا نفهم زيارة رئيس الوزراء العبادي إلى روسيا وإنجاز بعض الاتفاقات العسكرية والاقتصادية. وزيارة الوزير الخارجية الأخيرة لبغداد محاولة لتجديد وتوثيق العلاقة مع واشنطن. الملف المشترك بين الحكومة العراقية والأميركية وإلى حدّ ما روسيا هو ملف داعش. فما زالت الولايات المتحدة تضغط على الحكومة العراقية لمنع اللجوء إلى المساعدة الروسية أسوة بما حصل في سورية. لكن الوقائع الميدانية في سورية قد تفرض مراجعة لموقف الولايات المتحدة وضرورة التفاهم مع روسيا ليس فقط في سورية ولكن أيضا في العراق.
الملف الثاني المشترك بين روسيا والولايات المتحدة هو الملف الكردي. فإذا كانت الولايات المتحدة داعمة للإقليم الكردي إلاّ أن هذا الدعم لم يترجم إلى دعم النزعات الانفصالية. كذلك الأمر بالنسبة لروسيا. فالانفصال في العراق له تداعيات كبيرة على كل من الجمهورية الإسلامية في إيران وتركيا وسورية. والعدوى الانفصالية إن انتقلت إلى تركيا تؤثر في الأمن القومي الروسي. من هنا نفهم التعاون الضمني الروسي الأميركي في الملفات العراقية الساخنة وإن كان لا يخلو من تباينات في وجهات النظر. الداعم الأول للنزعة الانفصالية في العراق هو الكيان الصهيوني الذي يشجع أيضا على تجزئة العراق إلى كيانات عرقية وطائفية وفقا لرؤية برنارد لويس.  يحذّر هذا الأخير من أي نزعة وحدوية في المشرق العربي الذي يريده تجمّعا للأعراق والطوائف فقط لا غير.
ثالثا-الصراع الروسي الأميركي في ليبيا
الخدعة الأميركية في الموضوع الليبي كانت نقطة انطلاق التحرّك الروسي على الصعيد الدولي والإقليمي لردع الهيمنة الأميركية والتعالي والغطرسة إن لم نقل البلطجية في سياساتها الخارجية تجاه الحلفاء والخصوم. أما اليوم فبعد تدهور الوضع الليبي حيث أصبحت ليبيا نقطة تجمّع القوات العائدة لداعش وحلفائها من التنظيمات المتشدّدة وبالتالي مصدر خطر مباشر على أوروبا والمصالح الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص فيما يتعلّق بالنفط والأمن المتوسطي كان لا بد من التفاهم مع روسيا لوضع تسوية للأزمة الليبية. ما زلنا في هذه اللحظة بانتظار نضوج تلك التسوية. ولكن بات واضحا أن الخروج المرتقب لقوات داعش من سورية اليوم وغدا من العراق قد تجعل من ليبيا نقطة انطلاق للتمدّد في المغرب العربي وجنوبا إلى دول الساحل الإفريقي وصولا إلى وسط إفريقيا.
التسوية المرتقبة في ليبيا لا تعنى نهاية الصراع بين الدولتين فيها بل فقط ضبط إيقاع التنافس لمنع التدهور والخروج عن السيطرة. طالما كانت الإرادة العربية مغيّبة فالتدخّل الخارجي أمر طبيعي لأن الطبيعة لا تتحمّل الفراغ.
كانت هذه قراءة سريعة للصراع الروسي الأميركي في المناطق الساخنة في الوطن العربي. فالمواجهة السياسية المباشرة بينهما كانت واضحة خلال السنوات الخمسة الماضية في سورية وليبيا تتحوّل بوتائر مختلفة إلى تفاهمات ضمنية وأو صريحة ليس لإنجاز تسويات تقسّم النفوذ بينهما في المنطقة العربية بل في رأينا لضبط إيقاع المواجهة لعدم تفاقمها وصولا إلى مواجهة مباشرة عسكرية سواء في أوروبا الشرقية أو في مشرق الوطن العربي. الدليل على استمرار الصراع ولو بوسائل مختلفة مسرحية تسريب "أوراق بناما" التي تطال بشكل عام خصوم الولايات المتحدة وبشكل خاص الرئيس الروسي بوتين. فالصراع، إن لم نقل الحرب بين الدولتين، وإن تسللها بعض "التفاهمات" هي قاعدة العلاقات وإن تعدّدت الوسائل. بات واضحا أن الإعلام الذي تسيطر عليها مؤسسات قريبة من المجمع العسكري الصناعي الأمني المالي الغربي هو سلاح تحريض ودمار شامل.
الجزء الثاني-الصراع الإقليمي العربي
يتمحور الصراع الإقليمي العربي في عدد من الساحات. الساحة الأولى هي الصراع الأم وهو الصراع العربي الصهيوني. أما الصراع الثاني فهو الصراع العربي التركي في ساحات متعدّدة كالساحة المصرية والساحة السورية، وساحة الجزيرة العربية. أما الصراع الثالث فهو الصراع بلاد الحرمين مع الجمهورية الإسلامية في إيران في كل من الساحة العراقية والسورية واللبنانية واليمنية وما يرافقه من محاولات نسج تحالفات بين مصر وبلاد الحرمين والكيان الصهيوني كمشروع الجسر الذي يربط "آسيا بإفريقيا"!
أولا-الصراع العربي الصهيوني
كانت وما زالت القضية الفلسطينية القضية المركزية للأمة العربية. والصراع العربي الصهيوني مرّ بتحوّلات حيث خرج زمام المبادرة في مواجهة الكيان من أيدي النظام الإقليمي العربي إلى ما يمكن تسميته بالحراك الشعبي وخاصة عند الشعب الفلسطيني. هذا الشعب العظيم ما زال يسطّر الأساطير في مواجهة غير متكافئة على الورق وفي الميدان ولكنه يسجّل نقاط في منتهى الأهمية رغم تخاذل الحكومات العربية وفقدان بوصلتها السياسية ورغم تواطؤ الغرب المستند إلى تخاذل العرب وأخطاء القيادات الفلسطينية في خيارات المواجهة مع الكيان.
في الورقة السابقة اعتبرنا أن الحراك القائم في كل فلسطين، ضفة وأراض 1948، انتفاضة من نوع فريد وليست "هبة" كما ما زال يصفها البعض. فالتفلسف في التسميات لذلك الحراك لا يغني عن جوع ولا يسمن بل يعكس فقدان الإرادة للانخراط الفعلي في مواجهة العدو. صحيح أن كوادر وعناصر الفصائل الفلسطينية منخرطة في الصراع ولكن لم نشهد تشكيل قيادات موحدة وغرفة عمليات تنسق وتدعم المبادرات الإبداعية للشعب الفلسطيني من شباب وصبايا استطاعوا تحدّي حاجز الخوف فأظهروا عدم المبالات للحسابات الضيّقة أو العريضة التي تقوم بها "القيادات"!
قراءتنا للمشهد في فلسطين تفيد أن الكيان في حالة تراجع وإرباك أمام إبداع الشعب الفلسطيني. لكن هذا لا يعني أنه توقف عن عملية تهويد القدس والضفة الغربية مستفيدا من الصمت العربي الرسمي والإعلامي التابع لمصالح النفط باستثناء بعض الوسائل التي يتجرأ ذلك النظام على إسكاتها بدون خجل أو خوف من محاسبة. وليست محاولات إسكات محطة "الميادين" و"المنار" إلاّ دليلا قاطعا أن النظام العربي الرسمي أصبح شريكا فاعلا وفعّالا في تصفية القضية ناهيك عن السكوت عن استمرار الحصار على غزّة المقاومة بحجج لا تصمد أمام خطورة ما يصيب أهلنا في القطاع. وما يعزّز ذلك الشعور بتواطؤ النظام العربي الرسمي في تصفية القضية تنامي خطوات التطبيع في بعض الدول العربية. فبعد اللقاءات "العفوية" وفتح المكاتب التمثيلية التجارية نشهد طرح المشاريع المشتركة كمشروع الجسر بين الجزيرة العربية ومصر الذي لا يمكن أن يتحقّق دون موافقة ومشاركة الكيان الصهيوني.
غير أن نبض الشارع العربي ما زال مناصرا للشعب الفلسطيني ولقضيته ما يجعل طبيعة المواجهة مواجهة قومية في الدرجة الأولى مساندة لحراك الشعب. الأمثلة عديدة منها الهتافات لحوالي مائة ألف مشاهد في مباريات كرة القدم بين المنتخب الجزائري والمنتخب الفلسطيني نذكر منها أن الفريق الفلسطين لن يخسر في الجزائر. كما نذكر الطفل التونسي الذي رفض مصافحة منافس صهيوني له في مبارات الشطرنج فخسر اللقب وعندما سئل عن الخسارة أجاب بأن هذه الخسارة لا تساوي خسارة أطفال غزّة. وأخيرا موقف مجلس الشعب المصري الذي صوّت لطرد احد النواب الذي تباهى في استقبال سفير الكيان الصهيوني في منزله. نعم، ما زال الموقف الشعبي العربي سليم وعظيم في نصرة قضية فلسطين وإن تراجعت مكانة فلسطين في الاهتمام الرسمي العربي والاعلام الذي يدور في فلكه. 
فلسطين توحد الجماهير العربية. فلسطين أصبحت حاجة عربية لإنقاذ العرب بعد أن كانت وحدة العرب حاجة فلسطينية لاسترجاع فلسطين. الانتفاضة تساهم في تفاقم الانفصام بين الجماهير والنخب الحاكمة في الوطن العربي. إن استمرار الانتفاضة من العجائب خاصة وأن التنسيق الأمني بين سلطات الاحتلال والسلطة الفلسطينية تحول دون توسيع رقعة الانتفاضة والانتزاع المزيد من الإنجازات المعنوية لصالحها. فخيار السلطة واضح وهو نقض الانتفاضة والاستمرار بالحوار العبثي مع الكيان. للمزيد عن الموضوع يمكن مراجعة ورقة الأستاذ منير شفيق حول الانتفاضة.
ثانيا-الصراع العربي التركي
كما ذكرنا أعلاه فإن الصراع العربي التركي يتجلّى في أربع ساحات: الساحة السورية، والساحة العراقية، وفي ساحة الجزيرة العربية، والساحة المصرية. وهذا الصراع يعكس طابع العلاقات الملتبسة بين الدولة التركية والدول العربية. هذه العلاقة الملتبسة لها جذور تاريخية تعود إلى حقبة السلطنة العثمانية في العقود الأخيرة من عمرها ونظرتها للولايات العربية. كما أن ردّة فعل تلك الولايات تجاه السلطنة إبان الحرب العالمية الأولى خلقت بيئة حاضنة لنظرية قطع العلاقة مع تركيا. 
تركيا الكمالية أدارت ظهرها للوطن العربي وللعرب عموما وتوجّهت في محاولة بائسة نحو الالتحاق بالغرب. وصول حزب التنمية والعدالة إلى السلطة شكّل منعطفا كبيرا في التوجّه التركي نحو الشرق بشكل عام والوطن العربي ودول جواره بشكل خاص عبر سياسة "صفر مشاكل" التي تمّ الترحيب بها عربيا عندما أطلقت. لسنا في إطار مناقشة محاولات تركيا بنسج علاقات مع الغرب إلاّ أن ما يهمنا هو موقفها من الصراع العربي الصهيوني في المرتبة الأولى ومشاريع إحياء الدور العثماني في الهيمنة على الوطن العربي عبر جماعة "الإخوان المسلمين".
فبالنسبة للعلاقة مع الكيان الصهيوني فهناك تباين بين القاعدة الشعبية التركية التي تتعاطف مع القدس وفلسطين وبين الحكومة التركية وقيادتها. فالتطوّرات الأخيرة من إخفاقات تركية على الصعيد الدبلوماسي وخاصة مع روسيا دفعت الحكومة التركية لرفع درجة التنسيق مع الكيان إلى درجة الحالف الإستراتيجي. هل يصمد ذلك على الصعيد الشعبي في تركيا؟
أ-الصراع في الساحة السورية. قراءتنا للدور التركي في الصراع في سورية مبنية على اعتبارين. الاعتبار الأول يندرج في إطار طموحات الرئيس التركي اردوغان ووزير خارجيته داوود اغلو في إحياء مشروع العثمانية الجديدة واستعادة بعض المناطق في سورية وحتى العراق من تقسيمات سايكس بيكو. كما أن فرض النفوذ على مختلف الأقطار العربية عبر توكيل جماعة الاخوان المسلمين قد يحقّق ذلك المشروع. اما الاعتبار الثاني فيعود إلى الطموح للعب دور الوسيط في تسوية الصراع العربي الصهيوني عبر عقد اتفاقية سلم في الحد الأقصى أو تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني في الحد الأدنى. 
طموحات تركيا لم تتحقق مع الدولة السورية. لذلك انقلبت بشكل مفاجئ في ربيع 2011 على الدولة السورية قيادة وحكومة وشعبا وحتى أرضا بعد تبيّن لها أن كافة محاولاتها التي دعمتها الدولة القطرية للتطبيع مع الكيان الصهيوني قط فشلت كما أنها فشلت في حثّ الدولة السورية على مناهضة حكومة نور المالكي في العراق لمصلحة اياد علاوي. والمعلومات المتوفرة حول تجهيز مخيمات للاجئين السوريين في تركيا التي سبقت اندلاع الاحداث الدامية تؤكّد ضلوع تركيا في تفاقم الأزمة في سورية مسبقا لترويض في الحد الأدنى الدولة أو تغييرها في الحد الأقصى بعدما تهاوت رموز دول عربية كتونس ومصر وليبيا بشكل سريع مما عزّز وهم تكرار السيناريو في سورية. الحجة التي تقضي بضرورة إجراء إصلاحات جذرية بمثابة كلام حق يراد به باطل. المفارقة تكمن عندما تطالب قطر، شريكة تركيا في الأزمة السورية منذ البداية، بإصلاحات دستورية نحو المزيد من الديمقراطية!  دعم تركيا للإخوان المسلمين في سورية هو قرار بقلب النظام القائم في سورية.
سياسة استنزاف سورية الأميركية طبّقتها تركيا عبر فتح الحدود للمجموعات المتشدّدة معتبرة أن تلك المجموعة تحت السيطرة. حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر فيما يتعلق بداعش. أما جبهة النصرة فما زالت تركيا تعتقد أنه بإمكانها السيطرة عليها وكذلك المجموعات الأخرى. الضغط الروسي والأميركي على تركيا لضبط الحدود ما زال قائما. وتركيا تنظر بارتياب إلى إمكانية الجيش العربي السوري في إحلال السيطرة الكاملة على حلب واستعادة ادلب والرقة. نحن في هذه اللحظة.
استفادت تركيا بشكل كبير من سياسة الانفتاح الاقتصادي وفتح الحدود للبضائع التركية التي أطلقها الرئيس بشار الأسد. كان الوفاء لهذه الاستفادة بتفكيك أكثر من 6000 معمل في حلب وريفها ونقلها إلى تركيا. 
ب-الصراع في الساحة العراقية. ما زالت تركيا تسعى لتصحيح نتائج الحرب العالمية الأولى وما زالت تطالب بالموصل. كما أن إقليم كردستان يشكّل بالنسبة لتركيا خطرا على وحدة تركيا وخاصة إمكانية انفصال كرد تركيا عن الدولة المركزية التركية وتشكيل كيان كردي على أطراف تركيا وسورية والعراق وربما إيران. فالمسألة الكردية مسألة مشتركة بين العرب والإيرانيين والأتراك من جهة والكرد من جهة أخرى وإن اختلفت المقاربات لها. 
سياسة الحكومة التركية في العراق مبنية على قاعدة أن إقليم كردستان سيكون دائما تحت مظّلة تركية خاصة وأن تركيا تعتبر الإقليم امتدادا لفضائها الاقتصادي وخاصة الثروات النفطية الموجودة فيها والتي لا يمكن لإقليم كردستان تصريفها خارج الإرادة التركية إذا ما أرادت قيادات الإقليم الانفصال النهائي عن الحكومة المركزية في بغداد. فالتناقض بين المصالح وخطر الانفصال الكردي هو سمة العلاقة بين تركيا وكرد العراق والحكومة المركزية في بغداد.
كما أن المطالبة بالموصل هي مصدر أخر للتوتر وقد يتفاقم بين الحكومة التركية والحكومة المركزية في بغداد. 
ت-الصراع في ساحة الجزيرة العربية. الصراع في الجزيرة العربية هو مع دولتين من مجلس التعاون: بلاد الحرمين والإمارات العربية المتحدة. الصراع مع بلاد الحرمين وخاصة أسرتها الحاكمة تعود إلى عهد السلطنة العثمانية حيت أوكلت لمصر محمد علي مهمة تدمير الدولة الناشئة في الجزيرة العربية. الصراع على ترؤّس العالم الإسلامي ما زال قائما. تبنّي تركيا لتنظيم الاخوان المسلمين من أسباب الخلاف مع الأسرة الحاكمة في بلاد الحرمين وإن جرى بعض التراجع عن العداء للجماعة مؤخرا وذلك بسب الارتكاز إليهم في الحرب التي شنتها حكومة الرياض على اليمن. الضرورة وتقاطع المصالح في الملف السوري وخاصة في دعم التنظيمات المتشدّدة في مواجهة الدولة في سورية جعلت ممكنة إجراء تحالف بين تركيا وحكومة بلاد الحرمين غلب عليه طابع الموقت. لكن التناقض مع تركيا ما زال قائما خاصة وأن الأسرة الحاكمة تسعى مجدّدا إلى التحالف مع مصر لإقامة توازن عربي مع الجمهورية الإسلامية في إيران. كما أن المصالح المشتركة بين تركيا والجمهورية الإسلامية سبب آخر للتوتر مع الأسرة الحاكمة في الجزيرة العربية. ونضيف أيضا أن العلاقات الحميمة بين قطر الدولة الوهابية الأخرى في الجزيرة العربية والمنافسة لزعامة آل سعود في الجزيرة وتركيا واحتضان جماعة الإخوان المسلمين سبب آخر لجعل العلاقة متوترة مع تركيا.
النموذج التركي الذي يعرض محاولة تمازج الإسلام مع النظام الديمقراطي يزعج معظم الأسر الحاكمة في مختلف دول الجزيرة العربية. لكن النفوذ التركي في دول الجزيرة العربية ما زال ضعيفا بسبب ثقل الإرث السياسي الموروث من الحقبة العثمانية. كما أن المشهد السياسي الداخلي التركي قد يؤثرّ على فعّالية السياسة التركية خاصة بعد الإخفاقات التي منيت بها في مختلف الساحات الساخنة في المشرق العربي. 
ث-الصراع التركي المصري. التأزم في العلاقات بين تركيا ومصر أكثر وضوحا بسبب ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 التي أطاحت بالرئيس محمد مرسي وأدّت إلى إخراج الإخوان المسلمين من السلطة ومطاردتهم. الموقف التركي كان واضحا في إدانة التغيير القسري الشعبي في مصر ليس بالضرورة دفاعا عن "الديمقراطية" بل بسبب تبخّر أحلام إحكام النفوذ على المنطقة العربية عبر حكم الإخوان المسلمين. ففيما يتعلّق بالإخوان المسلمين أصبحت تركيا مع حزب العدالة والتنمية الدولة القاعدة لذلك التنظيم. وليست محاولات التقارب بين بلاد الحرمين وتركيا إلاّ لتمهيد مصالحة أو هدنة بين الحكومة المصرية وجماعة الإخوان. هل تنجح دبلوماسية الرياض وأنقرة؟  ما زال الوقت مبكرا ولكن الضغط الاقتصادي على مصر والتلويح بالمساعدة لن يوقف الحكومة المصرية على ملاحقة الإخوان، مما سيطيل الأزمة مع أنقرة. في هذه النقطة بالذات ندعو قيادات الإخوان المسلمين إلى مراجعة سياساتها وسلوكها وإيقاف الهجوم على رموز الدولة في مصر كما ندعو الحكومة في مصر على مراجعة سياساتها ايضا تجاه الإخوان المسلمين تمهيدا لإعادة السلم الأهلي إلى مصر.
والتنافس بين تركيا ومصر مزمن أيضا وذلك منذ حقبة محمد علي. وإذا أردنا الذهاب أبعد من ذلك فنعود إلى حقبة الحثّيين في هضبة الأناضول في التاريخ القديم وما شكّلوه من تهديد للأمن القومي لمصر الفرعونية. أما في العصر الحديث فالتنافس على الزعامة الإسلامية من قبل دولة عربية (مصر) وسلطنة غير عربية (عثمانية في الشكل وتركية في المضمون) حقيقي خاصة وأن تركيا تستعيد توجّهها للشرق بعد خيبات الأمل التي حصدتها من المراهنة على الغرب على قاعدة وهم تلازم العصرنة والحداثة مع التغريب المصطنع. هذا ما يجب تشجيعه لأن تركيا المسلمة تشكل غمقا للأمة العربية وفقا لنظرية الدوائر الثلاثة التي تحدّث عنها وسعى إلى تحقيقها الرئيس الخالد الذكر جمال عبد الناصر إذا ما صحّت المقاربة والممارسة لهذا المحور. فالطرفان لهما المقومات للمطالبة بالزعامة سواء الحجم البشري أو الجغرافي أو السياسي مع الكفة الراجحة عربيا لمصلحة مصر طالما لم تجر مراجعة تركية لسياسات الحقبة الأخيرة من السلطنة تجاه العرب. كما أن العرب عليهم أن يراجعوا سياسات مبنية على التحالف مع الأجنبي المستعمر على حساب الوحدة السياسية والثقافية التي كانت تشكّلها السلطنة العثمانية وما تلاها من عدم استقرار ما زلنا نعيشه حتى الساعة. للمزيد في الموضوع نشير أن مركز دراسات الوحدة العربية اقام حلقة نقاشية في اواخر شهر آذار/مارس هذا العام تناولت مختلف القضايا بين العرب وتركيا، وستنشر الورقات المقدمة والنقاش في عدد أيار/مايو لمجلّة "المستقبل العربي".
نعتقد أنه من الضروري إقامة مراجعة مزدوجة عربية وتركية لتصحيح مسار الأمور على قاعدة أن العرب والأتراك أتراك وأن المصالح مشتركة وغير متناقضة إذا ما نظر إليها من زاوية التكامل والتعاون وليس من زاوية التنافس والقوّامة لطرف على الطرف الآخر. 
ثالثا-الصراع العربي الإيراني
الصراع العربي الإيراني هو في الدرجة الأولى صراع بين محور تقوده بلاد الحرمين والجمهورية الإسلامية المتحالفة إستراتيجيا مع كل من الجمهورية العربية السورية والمقاومة اللبنانية. وهناك العديد من انتقادات للجمهورية الإسلامية عند العديد من الدول العربية وحتى في المحافل الشعبية والقومية أخذت الطابع الحاد بالنسبة للعراق واليمن.
الصراع يأخذ حاليا وفي الإعلام طابعا مذهبيا مدمّرا للمسلمين وللأمة العربية. نلفت النظر أن شاه إيران (الشيعي) كان حليفا لحكومة الرياض، كما أن الشاه هو الذي استولى على الجزر الثلاثة في الخليج ولم ترف جفن حكومة الرياض ولا حكومة الاتحاد الإماراتي صاحبة السيادة عليها. فالحقيقة هي أن الصراع العربي الإيراني هو صراع سياسي أولا وأخيرا بين محورين واضحين: محور يضم كل من الجمهورية الإسلامية في إيران وسورية والمقاومة وحلفائها ومعهم العراق، ومحور تقوده حكومة الرياض ويضم عددا من دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء سلطنة عمان التي حرصت وما زالت أن تكون خارج المحاور العربية المتصارعة. أما لبنان، فحكومته أعلنت النأي بالنفس عن الانخراط في المحاور وإن كان قسم وازن من داخل الحكومة اللبنانية متعاطفا مع سياسات حكومة الرياض. ويلتحق بهذا المحور أيضا كل من الأردن والسودان وموريتانيا وجيبوتي . مصر ليست طرفا في ذلك الصراع وإن كانت الحكومة المصرية تراعي إلى حد كبير حساسيات حكومة الرياض. كذلك حكومة تونس في موقف مشابه. حكومة الجزائر خارج المحور ومتفهمة لموقف سورية. حكومة المغرب تتماهى مع حكومة الرياض دون المزايدة. أما ليبيا فأصبحت ساحة قتال عبثي وكذلك الأمر بالنسبة لليمن علما أن قسما من القوى في اليمن منخرطة مع حكومة الرياض وتدّعي أنها تمثّل الشرعية وإن كانت هناك وجهات نظر مناقضة لها، وقوى سياسية شعبية تدعمها الجمهورية الإسلامية في إيران.
أما موضوع الصراع فهو صراع على النفوذ في المنطقة العربية وفي العالم الاسلامي كما هو صراع بين مشروعين: مشروع تحريري لفلسطين ومشروع يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية. جذور الصراع تعود إلى قيام الثورة في إيران والإطاحة بحكم الشاه. تبنّي تصدير الثورة الإسلامية إلى دول الجوار كان السبب الرئيس للحرب العبثية بين العراق وإيران. أما السبب الثاني للتنافس بين بلاد الحرمين وإيران هو تبنّي الأخيرة للقضية الفلسطينية سياسيا وماديا (تسليح وتدريب وإمكانيات مالية رغم الحصار المفروض على الجمهورية الإسلامية)، بينما تراجع الدعم العربي الرسمي بشكل عام والجزيري بشكل خاص للقضية الفلسطينية. تذكرة دخول الجمهورية الإسلامية إلى عقول وقلوب العرب كانت وما زالت الالتزام والدعم للقضية الفلسطينية إلى أن أتت الورقة المذهبية التي لعبتها ببراعة حكومة الرياض ومعها بعض دول مجلس التعاون والأردن وتركيا وقطر. ويبرز هذا الصراع في عدد من الساحات العربية كالساحة العراقية والساحة السورية والساحة اللبنانية والساحة اليمنية. 
في هذا السياق كنّا قد أعددنا مداخلة في حوار حول العلاقات العربية الإيرانية طرحنا من خلالها عدة قضايا نعتبر معالجتها أولوية:
القضية الأولى تتعلّق بالملف العراقي حيث الفتنة التي تعم المنطقة العربية بدأت في العراق مع الاحتلال الأميركي وعملية سياسية مبنية على قاعدة طائفية مذهبية تغذّي العصبيات الفئوية. والفتنة القائمة في المنطقة لن تنتهي إلاّ عند القضاء عليها في العراق. لدى الجمهورية الإسلامية في إيران دور كبير في التأثير على عملية لمّ الشمل العراقي وإعادة تشكيل السلطة السياسية على قاعدة أكثر توازنا بين المكوّنات السياسية والاجتماعية في العراق. كما لا بد من تثبيت مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية العراقية كمساهمة في إعادة التوازن ورفع الغطاء عن كل من يمارس الفساد المستشري بين مقوّمات السلطة في العراق.
القضية الثانية هي اليمن والتي أتت لتعزّز شعورا عند العديد من النخب العربية وحتى الشعبية بأن لإيران "مطامع" في جنوب الجزيرة العربية. الجمهورية الإسلامية في إيران تستطيع أن تساهم بشكل فعّال في إنهاء القتال وإعادة المبادرة السياسية لإنهاء النزاع الداخلي في اليمن. نعتقد أن اقفال الملف اليمني يساعد في إقفال الملف العراقي والسوري واللبناني للتفرّغ لمواجهة الكيان الصهيوني الذي ما زال يشكّل التهديد الأول.
القضية الثالثة هي في ضرورة الحوار السياسي مع مصر ومع حكومات الجزيرة العربية. فبالنسبة للتفاهم مع مصر فهو ضرورة لاستقرار المنطقة وأمنها. والحوار مع حكومة بلاد الحرمين فهو ضرورة لاستقرار الخليج وأمنه. نعي أن الوضع الداخلي في بلاد الحرمين لا يسمح في اللحظة الراهنة المباشرة بالتفاهم ولكن نعتقد أن هناك بعض الخطوات من قبل الجمهورية الإسلامية في إيران قد تساهم في كسر الجليد منها التفاهم حول الملف اليمني.
القضية الرابعة هي أمن الخليج الذي يقلق دول مجلس التعاون. فجميع الدول في منطقة الخليج بما فيها الجمهورية الإسلامية محكومة بالواقع الجغرافي والتاريخي الذي يحتم التفاهم على قاعدة الندّية وليس على قاعدة القوّامة. فلا نرى أي مبرّر لاستمرار النزاع على الجزر. فهناك حلول دبلوماسية قد ترضي جميع الأطراف. 
بالمقابل هناك قضية القواعد العسكرية الأميركية والأجنبية الأخرى فرنسية وبريطانية وحتى تركية مؤخرا في عدد من دول الخليج التي تشكّل حزاما يهدّد الأمن القومي الإيراني وبالتالي الاستقرار في المنطقة. فلا بد من صيغة مشتركة بين دول مجلس التعاون من جهة يساندها النظام الإقليمي العربي والجمهورية الإسلامية من جهة أخرى حول أمن الخليج دون الخضوع للابتزاز الأميركي أو الغربي. فالأحداث الأخيرة تشير بوضوح أن تلك القواعد الأميركية موجودة ليست لأمن الخليج واستقراره بل لمصلحة الولايات المتحدة التي قد تختلف مصالحها عن مصالح دول المنطقة.
القضية الخامسة هي سياسية ونفسية في آن واحد. نعلم أن بعض الأخوة في الجمهورية الإسلامية في إيران يعتبرون العروبة مصدر تهديد لأمنهم. طبعا، لا نرى ذلك، ونعي أنه مهما قلنا فلن يختفي ذلك الشعور عندهم. لكن نعتقد أن هذا الهاجس هو ما يفسّر العديد من السياسات والمواقف الإيرانية تجاه العرب بشكل عام وخاصة تجاه التيّار العروبي. نذكّر هنا أن مؤسس حزب البعث أعتبر أن انتصار الثورة الإسلامية في إيران هو انتصار للقومية العربية في إيران كما أن القائد الخالد الذكر جمال عبد الناصر هو من ناصر الامام آية الله روح الله الخميني ونهجه الثوري. فرمزان أساسيان للفكر السياسي العروبي اعتبرا في مراحل مختلفة أن الثورة الإسلامية في إيران نصر للعروبة. بالمقابل لا يمكننا أن نغفل هواجس محقة لقطاعات واسعة من العراقيين تجاه ما يعتبرونها تدخّلا في الشؤون الداخلية العراقية وهيمنة إيرانية على مقدّرات البلاد. وليست المظاهرات الشعبية في جنوب العراق إلاّ خير دليل على التململ المتزايد عند العديد من العراقيين تجاهة سلوك الجمهورية مما يقوّي حجة بلاد الحرمين في صراعها مع الجمهورية الإسلامية.
نفهم مخاوف الإخوة في الجمهورية الاسلامية الذين لحقهم الأذى الكبير من جرّاء الحرب العراقية التي نعتبرها عبثية وضرّت بكل من العراق وإيران والعلاقات بين العرب والإيرانيين ولكن لا يجب أن تتحوّل إلى حجة لتبرير مواقف سلبية تجاه العروبة والعراق والعراقيين. نلفت النظر أن خلال الهجمة الكونية على الجمهورية الإسلامية فإن التيّار العروبي الذي يمثّله المؤتمر القومي العربي وشبكة المؤتمرات والمنتدية الشعبية العروبية هي التي وقفت دائما إلى جانب الثورة والجمهورية الإسلامية بينما تيّارات إسلامية كانت قد دعمتها إيران لم تقف بجانبها وقت الضيق والحصار السياسي والإعلامي عليها.
في هذا السياق نلفت النظر أن الشعور بفائض القوة قد يؤدّي إلى سؤ تقدير في الموقف عند البعض ويسيء بالعلاقات. فبعض التصريحات المنسوبة لشخصيات قريبة من صنع القرار في إيران ألحقت ضررا كبيرا في الثقة بين العرب والأخوة في إيران فأثارت مخاوف وشكوك متبادلة.
المؤسسات الشعبية العروبية كالمؤتمر القومي العربي كانت دائما تسعى وما زالت إلى مد الجسور مع الجمهورية الإسلامية في إيران لإجراء حوارات حول النقاط المذكورة أعلاه. كما علينا أن نذكّر أن المؤسسة الركيزة الفكرية للعمل العروبي ألا وهو مركز دراسات الوحدة العربية كان دائما المبادر في مد الجسور مع الجمهورية الإسلامية في إيران. وليست الحلقة النقاشية الأخيرة التي أقامها المركز في بداية شهر نيسان إلاّ دليلا آخرا على القرار الإستراتيجي في ضرورة خلق كتلة تاريخية عربية وتركية وإيرانية لأنه يعتبر إيران وتركيا عمقا إستراتيجيا للأمة رغم كل الملاحظات التي يمكن إبداءها تجاه سياسات وسلوك الحكومة الإيرانية وأو الإيرانيةفي مختلف الملفات النزاعية كالعراق واليمن أو مصر على سبيل المثال وليس الحصر.
الجزء الثالث-الصراعات داخل البيت العربي 
الصراع العربي العربي (أو الصراعات العربية العربية) هو انعكاس لصراعات دولية وإقليمية في الساحات العربية كما هو أيضا صراع ذاتي. فالصراع القائم هو النسخة المحدثة لصراعات الخمسينات والستينات بين محور حركة التحرّر العربية بقيادة آنذاك الرئيس الخالد الذكر جمال عبد النصر وما كنّا نسمّيه بالرجعية العربية. أما اليوم فالصراع هو بين محور عربي مقاوم رافض للتبعية للخارج ومناصر لقضية فلسطين وطامح إلى إقامة وحدة عربية وبين محور دول تريد تصفية القضية الفلسطينية وبعيدة عن الشأن القومي الوحدوي والمنغلقة في قطرية دولها ولا ترى أي حرج من التبعية للخارج الذي يحميها في هدر الثروة الريعية سواء كان الغرب أو اليوم الكيان الصهيوني.
 كما أن المنطقة العربية تشهد تحوّلات لا يمكن التقليل من أهميتها كالحراك الشعبي في عدد من الأقطار العربية والذي يثير حفيظة النظام العربي الرسمي بكافة تشكيلاته المتناقضة. ليس هدفنا في هذه الورقة مقاربة الحراك الشعبي في هذه الأقطار وردّات الفعل والتدخلات العربية في الساحات المشتعلة بل الإشارة أن الصراعات العربية سببها أيضا سياسات عربية خاصة بالدول والحكومات ليست بالضرورة خاضعة للعامل الدولي أو الإقليمي. فالحفاظ على الوضع القائم في كل قطر هو المحرّك لهذه السياسات التي أدّت إلى تدخلات عربية عربية مدمرة كفي مصر وليبيا وسورية واليمن والعراق ولبنان وحتى تونس بعد نجاح الحراك الشعبي فيها.
اولا- اليمن
فالحرب المدمرّة على اليمن من أسبابها العلاقة الملتبسة بين الأسرة الحاكمة في الرياض واليمن. وهذه العلاقة الملتبسة تعود إلى تأسيس المملكة والنزاعات حول مناطق في الجنوب الغربي للجزيرة التي لم تحسم إلاّ نظريا إلا وفق موازين القوة التي كانت ومازالت لمصلحة حكومة الرياض. لكن لا يمكن تبرير تدمير البنى التحتية وخاصة تلك العائدة للخدمات الاجتماعية من مدارس ومستشفيات ومحطات كهرباء والحصار التجويعي على كافة اليمنيين على قاعدة أن فريقا من اليمنيين يريد الهيمنة وفرض سلطته على جميع اليمنيين بغض النظر عن أحقية الإدعاء أو عدمه. فلا يمكن تبرير أي عدوان عربي على قطر وشعب عربي شقيق. فالخلافات السياسية المشروعة تُحلّ بالحوار وليس بالقتال العربي العربي. القتال هو مع العدو الصهيوني وأي محتل خارجي.
عند كتابة هذه السطور تنقل وسائل الاعلام أخبارا عن مفاوضات ترعاها الكويت والتي رعتها في مرحلة أولى سلطنة عمان. من إفرازات تلك المفاوضات إقرار هدنة صامدة حتى الآن عند كتابة هذه السطور. استمرار المفاوضات بين الأطراف المتصارعة في اليمن يمهّد إلى إقرار تسوية ما وهذا ما نتمنّاه. والعبرة طبعا ستكون في التنفيذ وصموده.
ثانيا-سورية
أما الحرب الدائرة في سورية فهي متعدّدة الأبعاد ولكن لا يمكن إغفال الدور العربي في إطالة عمر الحرب بغض النظر عن الإدعاءات المتناقضة بين الأطراف المتصارعة. الإصرار على الإطاحة بنظام الحكم وقيادته بحجة مشروعية المعارضة جعل المعارضة لنظام الحكم تسلك مسارا لتدمير الدولة. والدور العربي الذي تقوده كل من حكومة الرياض وقطر والأردن في الحرب على سورية ليس فقط بدافع إقليمي ودولي بل أيضا بل أيضا بحافز الخوف من السقوط بعد تبيّن أن الرهانات السياسية لهذه الدول تناقضت مع مصالح شعوبها ومزاجها السياسي في مختلف القضايا القومية. هذه الحروب العربية هي صراع للبقاء في حقبة أصبحت الجماهير عاملا مؤثرا في تقرير المصير.
فالمعادلات التقليدية من تحالف المؤسسة العسكرية وأو الأمنية مع الفساد والإنفاق المالي لحلقة ضيّقة من الموالين والمنتفعين من الاقتصاد الريعي التي تغذّيه سياسات وفساد النخب الحاكمة فهذه المعادلة لم تعد كافية في ضبط إيقاع الحراك الشعبي. كما أن الرهان على تدخّل أجنبي (أميركي في هذه الحال) كان خاطئا كما تبيّن في الساحة التونسية والمصرية. فنجاح وبقاء المؤسسة العسكرية في مصر يعود إلى قدرتها على استمالة المزاج الشعبي وقراءتها الجيّدة له.
ثالثا-لبنان
أما في لبنان فالصراع القائم متعدّد الأبعاد. فبالإضافة للبعد الدولي والإقليمي هناك بعد داخلي لا يمكن تجاهله. الطبقة السياسية الحاكمة بكافة أطيافها التقليدية والمقاومة (بكسر الميم) تعاني من انقطاع الثقة فيما بينها ومع جماهيرها خاصة في القضايا الحياتية. الشلل القائم في مختلف المؤسسات الدستورية يعكس نتائج قاعدة اللعبة الصفرية المتبعة بين مكوّنات السلطة السياسية والمجتمعية. "التركيبة" في لبنان جعلت السياسة المعتمدة في القضايا المصيرية التي تتحكم بطبيعة الدور الوظيفي للبنان وهويته، جعلتها تابعة للقرار الخارجي لحسم الخلافات الداخلية. فبمقدار ما تكون الخلافات الداخلية اللبنانية خلافات داخلية فهي أيضا مرآة لخلافات عربية عربية. من هنا يمكن القول إذا أردت أن تفهم ما يحصل في المنطقة العربية عليك إلاّ أن تنظر إلى ما يحصل في لبنان، وإذا أردت أن تفهم ما يحصل في لبنان فما عليك إلاّ أن تنظر إلى ما يحصل في الوطن العربي. هذا لا يعفي الطبقة السياسية من مسؤوليتها في استمرار وتفاقم الشلل في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ينذر بانفجار شعبي رغم قوة المجتمع الطائفي العميق الحريص على التوازنات القائمة.
رابعا-دول مجلس التعاون
الحال ليس على ما يرام في قرائتنا للمشهد الخليجي. فمن جهة تنعم دول مجلس التعاون من إمكانيات مالية ونفطية وغازية ولكن من جهة أخرى تعاني من تحوّلات في بنيتها السكاّنية تجعل السلطات السياسية القائمة في موقع الأقلية. وليست لدى هذه الدول رؤية مشتركة لمقاربة هذا الموضوع وكأن السلطات السياسية تقلّل من أهمية تلك التحوّلات أو معتمدة على أجهزة أمنها لقمع أي تحرّك مطلبي أو على الحمايات الخارجية. لم تستوعب هذه القيادات أن صاحب الحماية الخارجية لن يتحرّك إلاّ إذا وجد مصلحة واضحة إستراتيجية له. فدرس مصر وتونس أثار الحذر عند حكومات مجلس التعاون تجاه الدور الأميركي في المنطقة ولكنه لم يرتق حتى الآن لمقاربة أمنها القطري والإقليمي الذي لا يتحقّق إلاّ بقوى ذاتية عربية مبنية على الالتفاف الشعب حول قيادته على قاعدة التكامل الأمن العربي والقوة العربية المشتركة. نلفت النظر إلى "نصيحة" الرئيس الأميركي باراك اوباما في ضرورة الإصلاح الداخلي في بلاد الحرمين وسائر دول مجلس التعاون كما شدّد على ضرورة "التفاهم" مع الجمهورية الإسلامية في إيران التي لا تشكّل في رأيه مصدر قلق لأمن دول الخليج العربي. من هنا يمكن فهم مدى أهمية الحراك الشعبي في البحرين وعدم تجاوب الحكم مع أبسط مطالب التغيير إلاّ خير دليل على مستقبل الصراعات التي يمكن أن نشهدها في المستقبل في هذه الدول بما فيها  بلاد الحرمين.
من الصعب التكهن حول مسار سياسة حكومة الرياض في الملفات الساخنة. فعند كتابة هذه السطور تقود حكومة الرياض حملة شرسة على سورية والمقاومة في لبنان تجلّت في سلسلسة قرارات فرضتها على الجامعة العربية. وتعتمد الرياض على سلاح المال لفتح ثغرات في مواقف مبدئية في عدد من الدول العربية والإسلامية لكنها تجاهلت الوقائع الجيوسياسية التي هي أقوى من الدافع المالي. 
أما في الملف اليمني نسجّل لحكومة الرياض اتخاذ مسلك المفاوضات لإنهاء الحرب العبثية على اليمن ما يؤشّر إلى إمكانية مد الجسور مع الجمهورية الإسلامية في إيران وما يمكن أن ينعكس على الملفّات الساخنة في كل من العراق وسورية وحتى لبنان. هذا إذا ما استمرّت المفاوضات وتجلّت جدّية القرار بإنهاء الحرب كانت إرهاصتها قرار الهدنة التي على ما يبدو صامدة عند كتابة هذه السطور.
ليست جميع دول مجلس التعاون على صفحة واحد مع حكومة الرياض وإن كانت في آخر المطاف لا تعارضها بشكل واضح وصريح. لكن لا بد من تشجيع المبادرات الخليجية التي تهدف إلى مد الجسور سواء مع الجمهورية الإسلامية في إيران أو إلى إنهاء النزيف في سورية والمساهمة لإعادة تشكيل السلطة في العراق على قاعدة المشاركة الفعلية للمكوّنات السياسية والمكوّنات الاجتماعية. ونثمّن المفاوضات التي رعتها في البداية سلطنة عمان والتي تستضيفها الكويت لحل النزاع في اليمن قد تثمر وتعيد السلام.
من جهة أخرى تنامي الحركات الجهادية يشكل تهديدا واضحا لهذه الدول وفي مقدمتها بلاد الحرمين. البديل عن الأسرة الحاكمة في غياب إصلاح نوعي يعيد العقد الاجتماعي والسياسي بين مكوّنات الجزيرة العربية هو داعش أو مشتقات عنه. الحفاظ على بلاد الحرمين أولا والأسرة الحاكمة ثانيا قد يصبح واجبا قوميا إذا ما تفاقمت الأمور في الجزيرة العربية. فالبديل هو داعش أو مشتقاته. وهنا نعتقد أن وجود القواعد العسكرية الأميركية في عدد من دول مجلس التعاون لن يساهم في كبح تنامي الحركات المتشدّدة بل العكس فهي حافز في استقطاب شباب لتحقيق أهداف تلك الجماعات. نشير هنا إلى مقال مثير في مجلّة "فورين افيرز" المرموقة والصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركية نشر في موقع المجّلة عنوانه "لا يوجد حلفاء للولايات المتحدة في الخليج"!  فبغض النظر عن مضمون المقال الذي يميّز بين التحالف والشراكة فإنه ينذر عن يقين رؤية الولايات المتحدة للمشهد الخليجي.
خامسا-ليبيا
المشهد العبثي في ليبيا سببه الاقتتال الداخلي على قاعدة قبلية ومناطقية بتشجيع وتمويل عربي ورضى دولي وخاصة أميركي. لا ندري عند كتابة هذه السطور مدى جدّية "التفاهم" الدولي الجديد لحل الأزمة في ليبيا ولا ندري كيف يمكن تمكين الحكومة التي ستنبثق عن تلك التسوية في إخضاع الميليشيات المسلحة إلى سلطان الدولة وكيف يمكن إيقاف القاعدة واشتقاقاتها في ليبيا؟  فما زالت بعض مراكز الأبحاث الأميركية كمعهد بروكنز في واشنطن تعتبر أن حالة الفوضى في ليبيا هي حالة أفضل من استمرار حكم القذّافي وأن الحل لإنهاء الفوضى هو حملة عسكرية جديدة للحلف الأطلسي!  فلا ننسى أن دول وازنة في جامعة الدول العربية ساهمت في اختطاف الجامعة لتشرعن تدخل الحلف الأطلسي لمصلحة "الثوّار" ما حوّل ليبيا من دولة فاشلة إلى دولة ساقطة فإلى لا دولة.   كان الأمل في دور مصري فاعل في حلّ الأزمة غير أن التطوّرات الأخيرة التي أرسخت "تفاهما" مع بلاد الحرمين وربما مع تركيا قد يفقد مصر "خصوصيتها" وإمكانيتها في حل الأزمة الليبية.
سادسا-مصر
الحالة في مصر مقلقة. القلق ليس فقط بسبب التوتر الداخلي ولكن أيضا بالمنحى السياسي الذي تتخذه السلطة تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة مع دور بلاد الحرمين المتنامي في مصر. زيارة الملك سلمان إلى القاهرة وما نتج عنها من اتفاقات طابعها اقتصادي قد تهدف إلى جذب مصر تجاه سياسة بلاد الحرمين. فمشروع الجسر بين الجزيرة العربية وجزيرة سيناء لا يمكن أن يتم إلاّ بموافقة صهيونية وفقا للاتفاقيات المعقودة بين مصر والكيان. فمضمون المشروع جيوسياسي بامتياز غير أنه ما زال الوقت مبكرا لتقييم مفاعيله. لكن ما لاحظناه من ردود فعل أولية في الشارع المصري هو الغضب العارم الذي واكب الموافقة على تسليم جزيرة تيران وجزيرة صنافير لحكومة الرياض ونعتقد أن على الدولة العميقة وفي طليعتها المؤسسة العسكرية أن تقرأ جيدا المزاج الشعبي المصري الذي أعرب عن عدم تقبّله لتلك الخطوة وعن شكوكه في التعاون مع حكومة الرياض. أما الجسر بحد ذاته فقد يكون مشروعا تاريخيا بمثابة حفر قناة السويس. لكن الظرف السياسي القائم في المنطقة العربية وعلى خلفية الصراع العربي الصهيوني فإن المشروع قد يشكّل منعطفا خطيرا عبر إدخال بلاد الحرمين إلى دائرة التطبيع الرسمي مع الكيان الصهيوني.
أما التوترات في مصر، سواء مع جماعة الإخوان المسلمين أو مع الجماعات المتشدّدة والمتوحشة فإطالتها تشير إلى رغبة عند أطراف إقليمية في استنزاف مصر وترويضها بعدما أظهرت السلطة المنبثقة عن 30 يونيو/حزيران نزعة استقلالية غير مرغوبة في دول الجزيرة العربية وبطبيعة الحال غير مرغوبة أيضا أميركيا وصهيونيا مستفيدة من الضيق الاقتصادي في مصر. من الصعب الاعتقاد أن تلك المشاريع الطويلة المدى للتحقيق قد تساهم في تخفيف الضغط الاقتصادي على مصر بشكل فوري أوسريع. لذلك نعتقد أنه يجب تقييم المشهد بشموليته وليس بجزئياته للحكم على مسار الأمور. فلسنا متأكدين أن القوى التي صنعت 30 يونيو قد توافق على منحى مخالف لتطلّعاتها لذلك التريّث هو الأفضل قبل إصدار الأحكام الجارفة.
المطالبة العربية، نخبا وجماهير ونحن منها، بعودة مصر للعب دور ريادي في الشأن العربي يدلّ على مكانة مصر في وجدان أبناء الأمة العربية. ولكن لهذا الدور في رأينا مستلزمات أولها تثبيب استقلالية قراراها السياسي داخليا وخارجيا. هناك مؤشرات تدل على ذلك المنحى ككسر أحادية مصادر تسليح الجيش المصري وتنويع المصادر والنجاح في عدم اللجوء إلى المؤسسات المالية الدولية لتمويل توسيع قناة السويس على سبيل المثال. ولكن هناك أيضا أحداث وتطوّرات تثير التساؤل كمشروع الجسر. المستلزم الثاني، هو مراجعة سياسة مصر تجاه قطاع غزة بغض النظر عن الاعتبارات الأمنية. فلا يجوز أن تكون مصر طرفا ضد الشعب الفلسطيني. فبعض الفضائيات المصرية تحرّض على الفلسطينين وهذا ما لا يليق بتاريخ مصر ودورها دون دور ضابط لها من قبل الحكومة. المستلزم الثالث هو مراجعة سياسة الحكم وسياسة جماعة الإخوان المسلمين على حد سواء لتثبيت السلم الأهلي والمطلوب مبادرات من طرف الجماعة تقابلها مبادرة من قبل السلطة في مصر في هذا الاتجاه ذلك لأنه لا الجماعة تستطيع إسقاط الحكم ولا الحكم يستطيع إلغاء الجماعة. فالصراع يصبح عبثيا ومضرّا لمصر وبطبيعة الحال لمجمل الأمة العربية. أما المستلزم الرابع والأخير وربما الأهم في نظرنا هو ضرورة التخلّي عن كامب دافيد وما نتج عنه من اتفاقيات تمس السيادة المصرية وتقيّد قدرتها على تحقيق أمنها القومي وأمن الأمة.
فمهما كانت الاعتبارات القائمة للالتزام بمعاهدة أبرمتها حكومة سابقة واحترمتها حكومات متتالية فإن المحصلة السياسية والاقتصادية لتلك المعاهدة سلبية لمصر ولأمنها القومي. فخروج مصر من دائرة الصراع العربي الصهيوني سهّل تفاقم الأزمات في مختلف الساحات وما أفرزتها من إرهاب تهدّد الأمن القومي العربي. قد يكون للقيادات المصرية رأي مخالف ونحترم ذلك ولكن لنا أيضا رأي في الموضوع. فإذا مصر جزء من هذه الأمة فلها واجبات تجاه هذه الأمة لا تستطيع القيام بها ولمصلحة أمنها القومي وهي مكبّلة بكامب دافيد. فالكيان الصهيوني كان وما زال وسيستمر العدو الوجودي لهذه الأمة ولكل من يعتبر نفسه جزءا منها. فلا أمن قومي يسلم لا في مصر ولا في أي بقعة من الوطن في ظل وجود الكيان.
سابعا-دول المغرب
تشهد دول المغرب التي تنعم باستقرار نسبي مقارنة مع ما يحدث في سائر أنحاء الوطن العربي تنام