www.arabnc.org
الاستقلال الوطني والقومي 28البرنامج النهائي 28المشاركون في الدورة 28البيان الصحفي للدورة 28مبادرات ومواقف المؤتمر 10 نيسان 2016 - 8 أيار 2017المشهد السياسي 28الديمقراطية وحقوق الإنسان 28العدالة الاجتماعية 28التنمية المستقلة 28التجدد الحضاري 28أمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلامالبيان الختامي للدورة 26
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
العدالة الاجتماعية 27 ((العدالة الاجتماعية 27))
المؤتمر القومي العربي
ARAB NATIONAL CONFERENCE
المؤتمر السابع والعشرون
19 – 20 نيسان/أبريل 2016
الحمامات - تونس
التوزيع: محدود
الرقم: م ق ع 26/وثائق 5
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العدالة الاجتماعية في الوطن العربي
في ضوء الاخفاق التنموي والديمقراطي والامني**
أ. عبد الغفار شكر*
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي.
** لا تعبر هذه الورقة بالضرورة عن رأي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.

العدالة الاجتماعية في الوطن العربي
في ضوء الاخفاق التنموي والديمقراطي والامني
عبد الغفار شكر

ينعقد المؤتمر القومي العربي هذا العام 2016 في مرحلة دقيقة من تطور الوطن العربي، لم يسبق ان مر بها في تاريخه الحديث، فهو يقف الان في مفترق طرق، اما ان يتمكن من الخروج من وضعه المأزوم حاليا لاستئناف رحلته النضالية وتحقيق اهدافه في بناء مجتمع ديمقراطي تقدمي يجمع كل الاقطار العربية في دولة موحدة والا فانه سوف يواصل انحداره الى مزيد من التفكك والتدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي. من هنا فان المؤتمر القومي العربي المنعقد في تونس هذا العام يواجه مسئولية تاريخية في اكتشاف السبل التي تمكنه من التقدم على طريق الوحدة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ويملك المؤتمر القومي العربي مرجعية تمكنه من قيادة الامة العربية لتجاوز هذا الوضع المأزوم وهي المشروع النهضوي العربي الذي يقوم على 6 عناصر اساسية: الوحدة العربية، الديمقراطية، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية، الاستقلال الوطني، الاصالة والتجدد ثقافيا.
يكفي التدليل على المحنة التي يمر بها الوطن العربي حاليا ان اكثر من نصف الدول العربية تواجه تحديات وجوديه توشك ان تعصف بالدولة في ه\ه البلدان وتفقدها مقوماتها الاساسية بما في ذلك وحدتها الوطنية، ناهيك عن تطلعها الى الوحدة العربية. ونظرة سريعة على الوضع العربي الراهن تؤكد هذه الحقيقة فهناك دول عربية تخوض الان معارك مصيرية للحفاظ على مقوماتها الاساسية مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال وبدرجة اقل مصر وتونس والوضع السياسي والاجتماعي الهش في لبنان والسودان. 
من هنا فانه لم يعد كافيا ان يطرح المؤتمر القومي العربي للمناقشة في دورته الحالية كل عنصر من عناصر المشروع النهضوي العربي على حده حيث اصبح ضروريا ان نناقش هذه العناصر في علاقتها ببعضها والتأثير المتبادل بينها، وعلى سبيل المثال فانه لم يعد كافيا ان نناقش مثلا العدالة الاجتماعية في كل قطر عربي دون ان نبحث مدى تأثرها بحالة الامن والتنمية وممارسة الناس لحقوقهم السياسية (الديمقراطية) في هذا القطر وايضا على مستوى الوطن العربي ككل.
لهذا فاننا نطرح في هذه الورقة وضع العدالة الاجتماعية في ضوء اخفاقات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية وانعكاسهما على حالة الامن. ومما هو جدير بالاهتمام ان الانتفاضات الشعبية والثورات العربية في مصر وتونس واليمن وليبيا طرحت بكل قوة قضية الانتقال الى دولة تنموية ديمقراطية. وكان الامل في قيام نظم حكم ديمقراطية تتمتع في ظلها الشعوب العربية بحقوقها وحرياتها الاساسية ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماما فهناك حرب اهليه مستعرة في العراق وليبيا واليمن وسوريا. وهناك ايضا تهديد جدي للامن والاستقرار في مصر وتونس ولم تتحقق حتى الان الاهداف التي طرحتها الشعوب العربية في هذه البلدان للخلاص من الدكتاتورية والسلطوية والظلم الاجتماعي والتهديدات الامنية بشكل عام.
وسوف نعالج في هذه الورقة البحثية وضع العدالة الاجتماعية ومدى تأثرها بالإخفاقات التنموية والديمقراطية والامنية فهناك علاقة مباشرة بين هذه العناصر وتأثيرها في امكان تحقيق العدالة الاجتماعية في هذه الاقطار على النحو الذي سنوضحه فيما بعد ولكن من المهم ان نطرح اولا مفهوم العدالة الاجتماعية من وجهة نظر المشروع النهضوي العربي وما يطرحه هذا المفهوم من ابعاد. سوف يتأكد منها ان تحقيق العدالة الاجتماعية يتطلب وجود بيئة مواتيه تتوفر فيها امكانية ممارسة الشعب لحقوقه السياسية والمدنية والمشاركة في اختيار ممثليه الي السلطة التشريعية والمجالس المحلية وقدرته علي تأسيس منظماته النقابية والاجتماعية بما يمكنه من الدفاع عن هذه الحقوق في ظل مناخ ديمقراطي، كما يشترط لإمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية أن تتوفر في المجتمع كافة العوامل  المساعدة علي تنفيذ برامج تنميه اقتصاديه واجتماعيه وان يتمتع المجتمع بالأمن والاستقرار وعدم وجود تهديدات لقدرة الدولة علي بسط نفوذها علي كافة اجزاء الدولة. 
مفهوم العدالة الاجتماعية : يقصد بالعدالة الاجتماعية تلك الحالة التي ينتفي فيها الظلم والاستغلال والقهر والحرمان من الثروة أو السلطة أو من كليهما، والتي يغيب فيها الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي وتنعدم فيها الفروق غير المقبولة اجتماعياً بين الأفراد والجماعات والأقاليم داخل الدولة، والتي يتمتع فيها الجميع بحقوق اقتصادية واجتماعية وسياسية وبيئية متساوية وحريات متكافئة ولا تجور فيها الأجيال الحاضرة على حقوق الأجيال المقبلة، والتي يعم فيها الشعور بالإنصاف والتكافل والتضامن والمشاركة الاجتماعية، والتي يتاح فيها لأفراد المجتمع فرص متكافئة لتنمية قدراتهم وملكاتهم ولإطلاق طاقاتهم من مكامنها ولحسن توظيف هذه القدرات والطاقات بما يوفر لهؤلاء الأفراد فرص الحراك الاجتماعي الصاعد، وبما يساعد المجتمع على النماء والتقدم المستدام، وهي أيضاً الحالة التي لا يتعرض فيها المجتمع للاستغلال الاقتصادي وغيره من آثار التبعية لمجتمع أو مجتمعات أخري، ويتمتع بالاستقلال والسيطرة الوطنية على القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. 
لعله قد تبين مما تقدم أن العدالة الاجتماعية مفهوم واسع ومركب حقاً، وأن له أبعاداً متعددة يمكن اختزالها في ثمانية أبعاد. أولها البعد الاقتصادي المتعلق بمدى اشتراك أفراد المجتمع في العملية الإنتاجية وفي جني ثمارها. وهو ما يقود إلى قضية المساواة في الفرص والحقوق الاقتصادية في مجال العمل وملكية وسائل الإنتاج والحصول على الخدمات والمعلومات دون تمييز، وكذلك قضية إعادة التوزيع. وثانيها البعد الاجتماعي الذي يتصل بمشكلات التمييز والحرمان والفقر والإقصاء الاجتماعي، وما تستوجبه معالجتها من سياسات لتمكين الطبقات المحرومة من تحسين أوضاعها على نحو مستدام. وثالثها البعد البشري الذي ينصب على مسألة الوفاء بحقوق الإنسان وحاجاته، ومسألة تكافؤ الفرص أمام الجميع لتنمية قدراتهم وتوسيع حرياتهم. ورابعها البعد الطبقي الذي يتأتى من العلاقة الوثيقة بين النظام الاقتصادي- الاجتماعي وبين العدالة الاجتماعية، والذي يطرح قضية الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وما يترتب عليها من لا مساواة هيكلية.
وخامس أبعاد العدالة الاجتماعية هو البعد الإقليمي المتصل بالتفاوتات في توزيع الموارد والدخل القومي بين أقاليم الدولة، والمتعلق من ثم بدور السياسات العامة في توسيع هذه التفاوتات أو تقليصها. أما البعد السادس فهو البعد الجيلي الذي يتصل بالعدالة بين الأجيال الحاضرة والأجيال المقبلة ليس فقط في توزيع الموارد الطبيعية وتحمل كلفة التلوث، ولكن أيضاً في تحمل أعباء الدين العام. و البعد السابع هو البعد السياسي والمؤسسي الذي يتصل بقضايا الحريات والحقوق السياسية والتمكين السياسي من خلال مؤسسات تكفل المشاركة الشعبية في صنع القرارات الوطنية. وأخيراً نأتي إلى البعد الثامن للعدالة الاجتماعية وهو البعد الخارجي المتعلق بنوعية العلاقات التي تنشأ بين الدولة والدول الأخرى، ومدى ما تتسم به من تكافؤ أو استغلال أو هيمنة، لاسيما في إطار النظام الرأسمالي العالمي والعولمة الظالمة.
العلاقة التبادلية بين التنمية والديمقراطية والامن
تبدو العلاقة المتبادلة بين التنمية والديمقراطية والأمن في الحكم الصالح الذي يعد رابطاً مركزياً بين هذه البنى الثلاثة، حيث يعد هذا الحكم آلية لمنع الصراع الذي ينشأ من تصاعد التوترات الاقتصادية والاجتماعية إلى صراعات تعد عقبة رئيسية أمام التنمية الإنسانية المستدامة، ولهذا فإن استراتيجيات التنمية التي تركز على أسس الحكم الصالح تقدم أحسن الفرص لتنمية إنسانية مستدامة في ظل ظروف سلمية، ومن ثم فإن الإخفاق التنموي يتولد عن صعود دولة الأمن وتراجع التنمية في سلم أولوياتها إلى ما دون الأجندة الأمنية بما يشمله ذلك من انفرادية بالسلطة وتغييب للمشاركة السياسية في المجتمع، مع افتقار هذه الدولة لرؤيا استراتيجية تنموية بما في ذلك إجهاض دور القطاع الصناعي وإضعاف القطاع الخاص وإشاعة الثقافة الاستهلاكية، وإفساح المجال للفساد والعلاقة العضوية بين نخبة السلطة ا لأمنية ونخبة الثروة، ليعود هذا الإخفاق التنموي فيؤدي إلى خلل في الأمن المجتمعي من خلال الفقر والبطالة والتهميش، فينتشر العنف والعشوائيات، وتعلو التيارات الدينية المتطرفة ويحدث الاستقطاب الطائفي، مما يشكل بيئة طاردة للاستثمار وتوقفاً في العملية التنموية بل وتراجعها. ولا يخفي علينا أن معظم الأقطار العربية عانت طويلا من هذه العوامل السلبية وما ترتب عليها من صراعات أدت في النهاية الي انهيار الأمن في هذه الاقطار ونشوب صراعات عديده ما لبثت ان تحولت الي حروب أهليه حرمت شعوبها من القدرة علي السير في طريق التنمية ومن الحق في المشاركة السياسية
ومن الناحية العملية يبدو التشابك متزايدا بين التنمية والأمن والديمقراطية، وهذه العلاقة التشابكية بلورها تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 1994 في مفهوم التنمية كعملية توسيع الخيارات أمام البشر، وهو الذي شمل فيه الأمن المجتمعي حيث البشر يستطيعون هذا الاختيار بأمان وحرية، بما يعني وجود علاقة داخلية بين المفهومين حيث يرتب التقدم في أحدهما التقدم في الآخر والعكس صحيح، فالإخفاق التنموي يحدث خللا أمنيا، وهذا بدوره يقود إلى العنف فيتعزز هذا الإخفاق، وكان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد حدد تسعة أبعاد للأمن المجتمعي وهي: الأمن الاقتصادي، والأمن المالي، والأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن البيئي، والأمن الشخصي وأمن النوع، والأمن السياسي، وأمن المجتمعات المحلية.
وقد كان المؤتمر الذي نظمه برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية لمعهد الدراسات الدولية العليا في جينيف في مارس 2001 قد ناقش منهاجي التعامل في علاقة الامن بالتنمية، الأول يساوي التنمية الإنسانية بالأمن المجتمعي بافتراض أن الأمن المجتمعي يشمل كل أنماط هذا الأمن، والثاني أخذ مفهوماً ضيقاً يركز على حماية الأفراد والمجتمعات من العنف حيث تبين للمشاركين أن كلا من التنمية الإنسانية والأمن المجتمعي بناء مفهومي واضح ولكنهما متكاملان، وأن التحرر من الخوف من العنف يقع في قلب الأمن المجتمعي، هذا العنف الذي يشمل ثلاثة مكونات وهي الصراع والجريمة والكبت، وأن الدولة هنا ذات دور مزدوج وهي إما أن تكون آلية لتحقيق الأمن المجتمعي أو مصدراً لتهديد هذا الأمن، ومن هنا تبدو الحاجة إلى الديمقراطية، ويظهر الارتباط القوي بين التنمية والامن المجتمعي في مجالات: إنفاذ حكم القانون، وتنمية احترام حقوق الإنسان، ومنع التمييز الاقتصادي والمالي، وآليات حل الصراعات الاجتماعية بدون عنف، وإقرار درجة كافية من الاستقرار السياسي تتيح للأفراد العمل التنموي المخفض للفقر، وعليه فإن النشاط في مجال هذه العلاقة التبادلية يبدو أكثر في الأولويات الآتية:
1- الحكم الصالح، لما يعنيه من محاسبية وشفافية وبناء القدرات البشرية في القطاع العام والمجتمع المدني.
2- تطوير القطاع الأمني، بما يعنيه من تحقيق محاسبة القوة الأمنية أمام السلطات المدنية المنتخبة مع تأكيد خاص على تحسين جودة نظم العدالة.
3- بناء السلام بإدخال منظور الأمن المجتمعي في كل جوانب عملية السلام حتى يكون الأفراد راغبين في الاستثمار في إعادة بناء مجتمعاتهم.
4- الشراكة وهي تعني التعامل بمشاركة الشركاء الرئيسيين الدولة والمجتمع المدني ومجتمع الأعمال.
5- بناء القدرات المحلية حتى تأخذ أجندة الأمن المجتمعي في مركز اهتماماتها.  
والعلاقة التبادلية بين التنمية والأمن والديمقراطية تنفي ديمومة أن يكو ن أحدها متغيراً مستقلاً والآخر متغيرا تابعا، فالاتجاه الذي كان سائداً هو أن الأمن ا لذي يضع الأفراد والمجتمعات في مركزه هو شرط أساسي وأولي للتنمية، وأن التنمية عملية شرطها الأمن، وهو ما اتخذ مدعاة لتعطيل التحول الديمقراطي في أحيان كثيرة وتراجع أو تأجيل العملية التنموية، ثم بين تناول البرنامج ا لإنمائي للأمم المتحدة لهذه العلاقة (وأيضاً بطرس غالي في كتابه: أجندة للتنمية، الذي نشرته الأمم المتحدة في نيويورك 1995) أن بناء وتدعيم الامن يمكن أن تعززه التنمية والعكس، ولكن الأبعاد المختلفة لهذه البنى الثلاثة تظهر علاقة تداخل متبادلة بينها، فالتنمية عملية متعددة الأبعاد تحتوي على تغيرات رئيسية في البنى الاجتماعية والاتجاهات الشعبية والمؤسسات الوطنية والنمو الاقتصادي وتخفيض عدم المساواة وإزالة الفقر، وهذه التغيرات الأساسية تشمل قيم الاستدامة والاحترام الذاتي والقدرة على الاختيار على المستويين الفردي والمجتمعي علي السواء محددة في نهايته مفهوم التنمية كما انتهى إليه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وما كان لهذه التنمية أن تقوم في غيبة الأمن والديمقراطية.
وعليه فالمجتمع الآمن ونعني هنا مجتمع الدولة المتسم بالهوية المشتركة والاندماج والمصالح المشتركة المتشارك في ماضيه وحاضره ومستقبله يوالي ثلاث أهداف رئيسية وهي التنمية والديمقراطية والأمن معرفة بالمعنى الواسع، وهنا نجد شروطاً أساسية لنجاح هذا المجتمع الآمن وهي:      
1- التوافق على القيم الأساسية المرتبطة بصناعة القرار الأساسي بين أعضاء المجتمع.
2- قدرة أعضاء المجتمع على الاستجابة لاحتياجات الآخرين ( الاستجابة السياسية).
3- مشاركة المجتمع المدني.
4- التنبؤ المتبادل بالسلوك.
5- جداول زمنية لتنفيذ الأهداف الاستراتيجية المتعلقة بوجود بيئة آمنة وحد أدنى من التنمية يلبي الاحتياجات الأساسية للناس مادية وغير مادية.
6- المؤسسية كشرط أساسي للإدارة والتنظيم والهيكلة.
وتعد الدولة آلية ضرورية في كل من هذه البنى الثلاثة، وحتى تنجز دورها فإنه يتعين أن تكون هذه الآلية نفسها آمنة ومتطورة، ولكن ليس كغاية في ذاتها، أي بحيث لا يعد تأمين النظام السياسي هو الهدف الرئيسي والنهائي، ولكن يعد الاختبار الأول والنهائي للأمن هو المجتمع الذي يتسم بالعدالة حيث الناس فيه هم اللاعبون الرئيسيون والمرجع والوسيلة لتحقيق الأمن، وتبدو رشادة هذا الأمن في تمكين الناس من التنمية وأن يكونوا مهندسي حياتهم، وأن يقرروا معاً القيم التي تشكل هذه الحياة. 
وقضيتنا الأساسية هنا هي تأثير العلاقة التبادلية بين التنمية والديمقراطية والأمن علي فرص تحقيق العدالة الاجتماعية، وكيف أدى إسراف النظام السياسي في توفير أمنه إلى التأثير سلباً على التنمية، وكيف أدى الإخفاق التنموي بدوره إلى حدوث خلل في الأمن المجتمعي فاللجوء إلى قمع المعارضة لم يفسح المجال للرأي الآخر ولجأت نخبة السلطة إلى مداهنة النظام والتحدث بما يرتضيه، واعتلت المؤسسة الأمنية قيادة العمل التنفيذي وهيمنت على المؤسسة التشريعية وضعفت المشاركة المجتمعية الأمر الذي أضعف بدوره دور القطاع الخاص وساد نمط الخلاص الفردي بدلاً من الحلول المجتمعية، ومن جانب آخر أدى الإخفاق التنموي إلى اتساع البطالة وانتشار الفقر وتعمقه وتزايد العنف والجرائم على النفس والمال وانتشار الإدمان بين الشباب وصعود تيارات التطرف الديني ليعود ذلك فيؤدي من جديد إلى التأثير سلباً على التنمية.
مستقبل العدالة الاجتماعية والتنمية والديمقراطية
في ضوء التحديات التي تواجه عملية بناء الاقتصاديات العربية علي نحو يفسح المجال امام  تحقيق العدالة الاجتماعية سواء كان مصدرها الأوضاع المحلية أو الإقليمية أو تنامى ظاهرة العولمة الرأسمالية فإن الاتجاه يتزايد نحو بلورة نموذج تنموى جديد فى الوطن العربي يقوم على التنمية البشرية المستدامة أساسا باعتبار أن التنمية المطلوبة هى عملية تحرير وتمكين للبشر الذين يعيشون على الأرض العربيه، كما أنها عملية تحرير وتمكين للوطن الذى ينتسبون إليه. 
ومن المهم هنا تركيز الجهد من قبل القوى القومية والتقدمية على ازدياد الفرص للتحول إلى دولة تنموية ديمقراطية ، وان يتسع نطاق القوى الاجتماعية السياسية الساعية إلى إقامة نظام حكم ديمقراطى بديلا عن النظام السلطوى القائم واستبدال السياسات الاقتصادية والاجتماعية المطبقة فى إطار سياسات التكيف الهيكلى والليبرالية الجديدة بسياسة تنموية جديدة مستمدة من قيم ومبادئ التنمية البشرية المستدامة. ويتعزز هذا التوجه نحو دولة تنموية ديمقراطية فى ضوء ما يعانيه المجتمع من مشكلات حادة نتيجة للأوضاع السلطوية والسياسات الاقتصادية الحكومية المطبقة وما يترتب عليها من بطالة وفقر وتهميش واتساع الفوارق بين الطبقات والتوتر الاجتماعى المتزايد والاحتقان السياسى واستمرار حالة التدهور العام فى كل المجالات.
وفيما يلى نعرض بإيجاز للقضايا الأساسية المتصلة بقيام دولة تنموية ديمقراطية سواء فيما يتصل بالتحول الديمقراطى أو النموذج التنموى المنشود.
برنامج الإصلاح الديمقراطى:
أهم أسس ومكونات برنامج الإصلاح الديمقراطى تشمل:
الإصلاح الدستورى والقانونى لإقامة دولة ديمقراطية برلمانية- تجديد النخبة السياسية- إصلاح النظام الحزبى- إصلاح النظام الانتخابى- تدعيم دور واستقلالية المجتمع المدنى- إصلاح أجهزة الدولة وإعادة الاعتبار لدورها- تطوير عملية صنع وتنفيذ السياسات العامة تكريس اللامركزية ماليا وإداريا وسياسيا- نشر ثقافة الديمقراطية.
نموذج التنمية المنشود:
فى ضوء التحديات التى تواجه عملية بناء الاقتصاد سواء كان مصدرها الأوضاع المحلية أو الإقليمية أو تنامى ظاهرة العولمة الرأسمالية فإن الاتجاه يتزايد نحو بلورة نموذج تنموى جديد يقوم على التنمية البشرية المستدامة أساسا باعتبار أن التنمية المطلوبة هى عملية تحرير وتمكين للبشر ، كما أنها عملية تحرير وتمكين للوطن الذى ينتسبون إليه. وينطوى هذا التعريف على سبعة عناصر أساسية هى:
1-تحرير البشر من كل ما يعترض تطوير معارفهم وقدراتهم، وتمكينهم من الارتقاء بهذه المعارف والقدرات واكتساب المهارات والخبرات التى تساعدهم على إطلاق طاقات الإبداع الكامنة فيهم وبناء قاعدة وطنية للبحث العلمى والتطوير والابتكار التكنولوجى تكون مع تطوير الإدارة الركيزة الأساسية للارتفاع بإنتاجية العنصر البشرى.
2-تمكين البشر من توظيف قدراتهم ومعارفهم ومهاراتهم فى أعمال مفيدة، وذلك من خلال التوسع المستمر فى الطاقات الإنتاجية التى تكفل فرصا كافية لتشغيل كل قادر على العمال وراغب فيه.
3-تحرير البشر من القيود التى تحرمهم من المشاركة فى صنع القرارات التى تمس شئون حياتهم وشئون مجتمعهم، وتمكينهم من التمتع بهذه المشاركة من خلال المؤسسات الرسمية والأهلية على السواء.
4-تحرير البشر من الفقر والحرمان ومن كل صنوف الظلم الاجتماعى، وتمكينهم من إشباع احتياجاتهم الإنسانية المشروعة ومن الحصول على نصيب عادل من ثمار ما يحققه المجتمع من نمو اقتصادى، ومن ثم تضيق الفوارق بين الطبقات، وذلك دون الإضرار بالحوافز الضرورية للارتفاع بإنتاجية العمل والارتقاء بمستوى الأداء.
5-تمكين البشر من تحسين نوعية حياتهم على نحو مطرد، وذلك دون الافتئات على حقوق الأجيال التالية فى تأمين ما يكفى من الموارد الطبيعية لتحقيق مستوى معيشى لائق، كذلك صيانة حقهم فى العيش فى بيئة نظيفة.
6-تحرير الوطن من القيود على إرادته وعلى حريته فى إعادة ترتيب أوضاعه الداخلية وعلاقاته الإقليمية والدولية من منظور المصلحة الوطنية والأمن القومى، ومن ثم تمكينه من تعديل موقع الاقتصاد الوطنى فى نظام تقسيم العمل الدولى بما يساعد على إحراز وضع أكثر تكافؤا وأكثر إنصافا.
7-نقطة البدء فى التحرير والتمكين هى إعادة ترتيب البيت من داخله. بإعادة توزيع السلطة السياسية فى المجتمع، بما ينقل سلطة اتخاذ القرارات إلى الطبقات والفئات صاحبة المصلحة فى هذا النوع من التنمية، وبما يقيم نظاما للحكم يسمح بالمساءلة والمحاسبة والمشاركة. أى أن نقطة الانطلاق فى هذا النموذج التنموى هى نقطة نضالية، سياسية وثقافية فى آن واحد

تحديات التحول التنموي والديمقراطي
التحديات التنموية :
يعد التحول من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد زراعي صناعي يقوم على تكثيف المعرفة والخدمات الإنتاجية والاجتماعية ، وحياد الدولة إزاء التكوينات الاجتماعية ، واستقلالية القرار الاقتصادي ، وسياسات التعويض عن فشل الأسواق ، ورفع إنتاجية عوامل الإنتاج خاصة العمالة هي أهم التحديات التنموية.
تحديات العولمة :
يعد فتح الأسواق وتعريض المنتج المحلي لمنافسة المنتج الأجنبي في وقت لم يتأهل فيه لهذه المنافسة أولى التحديات التي تفرضها العولمة علي التوجه نحو اقامة دوله تنمويه ديمقراطيه.
والتحدي الثاني التي تفرضه العولمة هو تراجع إيرادات الموازنة العامة نتيجة التخفيضات الجمركية أو الإعفاءات في نظم المناطق الحرة .
تحدي المشاركة :
يثير تحدي المشاركة حالة ضعف المجتمع المدني بمنظماته المختلفة وهو ما يسر عملية هيمنة الدولة على المجتمع ، ويسر تحول هذه الدولة إلى فاعل سياسي وحيد ولاعب سياسي وحيد أيضا ، وهو ما أدى إلى استبدادية هذه الدولة ، وأن يكون لها تنظيمها السياسي الوحيد في مرحلة ، وحزب كبير مهيمن في مرحلة تالية ، وهو يهيمن في صورة تعددية هي ما يمكن اعتبارها وصفا للتجرية اللبرالية الجديدة في العقود الثلاث الأخيرة ، والنتيجة ضعف الفاعلية الحزبية ، وتكريس ضعف أشد خطرا لفاعلية المجتمع .
وهذا الضعف في فاعلية الأحزاب السياسية هو تعبير عن أزمة مترسخة في فاعلية المجتمع ، وهي أزمة ناتجة عن ضعف تاريخي في تكوين المجتمع المدني الحديث كقاعدة وأساس لقيم التعددية والديموقراطية ، وهو ما يعتبر كابحا مجتمعيا لانطلاق قيم اللبرالية السياسية وانطلاق فاعلية الأحزاب السياسية ، وهي أزمة ناتجة عن عملية تراكمية طويلة لنزع السياسية من المجتمع بتأميم الدولة للسياسة ، وتهميش المهتمين بالعمل السياسي والعمل العام ، ولم تكن النتيجة سوى ترسيخ العلاقات التقليدية القرابية والطائفية ، وكبح تنمية العلاقات السياسية القائمة على المواطنة ، وسيادة ثقافة الرعية والطاعة ، وانسحاب المجتمع من عملية التنمية بأبعادها المختلفة ، بما فيها التنمية المحلية التي تعد الوظيفة الطبيعية للمجتمع المدني المشارك ، حيث يصير السلوك الانسحابي وسيادة قيم اللامبالاة أمراً معتادا ، وبضعف المشاركة تتآكل مصادر شرعية النظام السياسي ، إذ يصبح نظاما مفتقدا للقبول الشعبي ، وقد زاد من تعميق أزمة الفاعلية في المجتمع ، وأضافة كوابح جديدة إلى كوابح نمو الفاعلية السياسية للأحزاب ، ما أصاب المجتمع من عمليات تفتيت للكتل الاجتماعية الرئيسية وزيادة فئات المهمشين خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة .
تحدي التمويل :
يعتبر تحدي التمويل عنصرا حاسم في قدرة الدولة على تنفيذ برنامج ملموس للتنميه الاقتصاديه والاجتماعيه في معظم الاقطار العربيه باستثناء الدول التي تعتمد بشكل اساسي على النفط، ولكن اغلبية الدول العربية غارقة في الديون الداخلية والخارجية مما يؤثر على قدرتها في تنفيذ خطط تنموية جدية.
تحدى الهاجس الأمنى:-
يعتبر الهاجس الأمنى من أكبر التحديات التى تواجه بناء دولة تنموية ديمقراطية. وكما أوضحنا من قبل فإن الأخذ بسياسات الانفتاح الاقتصادى والتكيف الهيكلى والتثبيت أدى إلى العديد من المشاكل الاقتصادية انعكست على الأوضاع الاجتماعية، حيث يعانى المجتمع في عديد من الاقطار العربية من تزايد معدلات البطالة لتشمل عدة ملايين من الشباب المتعلم، وانتشار الفقر، واتساع نطاق الفئات المهمشة المحرومين من ضرورات الحياة. هذا فضلاً عن انخفاض الأجور والدخول بشكل عام والارتفاع المتواصل فى أسعار السلع والخدمات،ادت الى أشكال متعددة من العنف واضطراب الأمن ابتداءً من الانتفاضات الشعبية العفوية، إلى المظاهرات والإضرابات، إلى الاغتيالات السياسية، والتمرد المسلح، وكان هذا العنف مصحوباً بحالات شديدة من الإخفاق السياسى والتوتر الاجتماعى وتزايد حالات العنف الجنائى أيضاً، وكان لهذا كله تأثير سلبى على عملية الاصلاح لأن ملايين العاطلين والفقراء والمهمشين سوف يتحركون جماعياً بما يهدد استقرار المجتمع فتسود الفوضى وينهار الأمن. ويضرب كبار المسئولين المثل دائماً بالاتحاد السوفيتى عندما تعجل جورباتشوف الإصلاح السياسى قبل حل المشكلة الاقتصادية فانهار الاتحاد السوفيتى. ولذلك فإننا نرى أنه طالما استمرت السياسات الاقتصادية التى أدت إلى هذه المشاكل وتواصلت الأوضاع الناجمة عن الإخفاق التنموى فإن الأمل ضعيف فى أن يتجاوب الحكم مع ضرورات الإصلاح.