www.arabnc.org
الاستقلال الوطني والقومي 28البرنامج النهائي 28المشاركون في الدورة 28البيان الصحفي للدورة 28مبادرات ومواقف المؤتمر 10 نيسان 2016 - 8 أيار 2017المشهد السياسي 28الديمقراطية وحقوق الإنسان 28العدالة الاجتماعية 28التنمية المستقلة 28التجدد الحضاري 28أمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلامالبيان الختامي للدورة 26
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
الديمقراطية وحقوق الإنسان 25 إعداد أ. عبد الغفار شكر ((الديمقراطية وحقوق الإنسان 25))

المؤتمر القومي العربي
ARAB NATIONAL CONFERENCE


المؤتمر الخامس والعشرون                                              التوزيع: محدود
20 – 21 حزيران/يونيو 2014                                      الرقم: م ق ع 25/وثائق 9
بيروت - لبنان                                                          التاريخ: 20/6/2014 



محنة الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي**
حزيران/يونيو 2013 – حزيران/يونيو 2014


 

أ. عبدالغفار شكر *

ـــــــــــــــــــــــــــــ
* نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر.
** لا تعبر هذه الورقة بالضرورة عن رأي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.
*** لا يجوز نشر هذه الورقة كلاً أو جزءاً إلا بموافقة تحريرية من إدارة المؤتمر.


محنة الديمقراطي وحقوق الإنسان فى الوطن العربى
يونيو 2013 – يونيو 2014


أ. عبدالغفار شكر


     طرحت ثورات الربيع العربى بقوة قضية التحول الديمقراطى فى مصر وتونس وليبيا واليمن ، وإنعكس هذا التوجه على باقى الأقطار العربية حيث يشتد النضال من أجل التحول الديمقراطى على إمتداد الوطن العربى ، فهذا التحول ليس مجرد نتيجة لثورات الربيع العربى بل يسبقها بكثير حيث يمتد النضال من أجل الديمقراطية فى العديد من الأقطار العربية إلى منتصف القرن التاسع عشر . ورغم بعض البدايات المبشرة فى عملية التحول الديمقراطى منذ يناير 2011 حتى يونيو 2013 إلا أن العام الأخير يونيو 2013 – يونيو 2014 شهد إنتكاسة خطيرة فى هذه العملية سواء فى ليبيا أو مصر أو اليمن ، وشملت هذه الإنتكاسة بدرجة كبيرة أقطاراً عربية لم تندرج بعد فى سياق الثورة مثل العراق وسوريا والسودان، وما تزال أقطار عربية أخرى تراوح مكانها فى التحول الديمقراطى مثل الجزائر والمغرب ولبنان فهى لا تحقق تقدماً يذكر فى هذا المجال، ولكنها ما تزال قادرة على الحفاظ على التوازن داخلها بين نظم الحكم والمعارضة، وبين نظم الحكم وفئات لها مطالب خاصة كالأمازيغ فى المغرب، ودارفور فى السودان. وإشتدت الصراعات فى مختلف أرجاء الوطن العربى خلال العام التالى لإنعقاد المؤتمر القومى العربى فى القاهرة فى يونيو 2013 ، وتنوعت هذه الصراعات التى تتصل بشكل مباشر أو غير مباشر بقضية الديمقراطية وتؤثر سلباً على عملية التحول الديمقراطي، وتكاد هذه الصراعات أن تعصف بالدولة فى العديد من الأقطار العربية، وهو ما تنبه إليه مبكراً " المشروع النهضوى العربى الجديد " فى إشارته الواضحة إلى أن أخطر ما إنتهت إليه أوضاع النظام القطرى العربى لم تكن ترسخه وإنغلاقه ، بل تحلله وتفتته وبداية إنفراط عقده على نحو ما نعانيه حالياً فى حالات الصومال والعراق والسودان ولبنان. على تفاوت ما بينها فى الدرجة. أن القوى الإستعمارية التى مزقت المشرق العربى إلى دويلات قطرية باتت تستكثر على العرب تلك الدويلات نفسها متطلعة إلى إعادة تمزيقها كيانياً وتفصيلها من جديد على مقاس الطوائف والمذاهب والعشائر والجماعات الاثنية الصغرى، وليس النفخ الخارجى فى النزاعات الأهلية الداخلية وتنمية العصبيات المحلية وتعزيز الانقسام المذهبي، إلا محاولات لدق الإسفين بين القوى الداخلية المكونة للجماعة الوطنية ، قصد دفعها إلى الإقتتال معبراً نحو تقسيم وتجزئة جديدين".
     ورغم ما يطرحه المشروع النهضوى العربى الجديد من حقائق فى مجال الصراعات الداخلية إلا أنه يتجاهل مسئولية الأطراف الداخلية عن هذه الصراعات، ويلقيها بالكلية على الأطراف الخارجية، فهناك بالفعل أطراف داخل كل قطر عربى تغذى النزاعات الاثنية والمذهبية والدينية على النحو الذى نشهده فى العراق حالياً. وما يشهده الآن من تحولات درامية فى الإقتتال الداخلى وتحرك داعش (منظمة الدولة الإسلامية في العراق والشام) للاستيلاء على العديد من المواقع وإعلانها أن خطوتها القادمة هى الإستيلاء على بغداد مما ينذر بحرب أهلية سوف تؤدى الي مزيد من تقسيم العراق ما بين سنة وشيعة، وعرب وأكراد .
     شهد العام السابق لإنعقاد المؤتمر القومى العربى الخامس والعشرين فى بيروت 20/21 يونيو 2014 العديد من الصراعات التى تهدد كيان الدولة فى أكثر من قطر عربى على النحو الذى حدث فى الصومال التى لم يتمكن شعبها حتى الآن من إستعادة الدولة وبسط نفوذها على كل أجزاء القطر، وكما حدث في السودان عندما إنفصل الجنوب فى دولة مستقلة، وهناك مخاطر حقيقية بتكرار ما حدث فى دارفور.
     وفى دراسة حديثة عن تطور أنماط الصراعات فى منطقة الشرق الأوسط قام بها معهد هايدلبيرج عن عام 2013 يلاحظ أن الصراعات ذات الشدة العالية التى تصل فى أدنى حدودها إلى أزمات عنيفة، وفى أقصى حدودها إلى درجة الحرب – هى تلك التى أطرافها داخلية من جماعات معارضة وجماعات اثنية كما فى حالات سوريا ومصر وليبيا ومن اللافت للإنتباه فى هذه الدراسة، ان كل دولة من دول الإقليم قد شهدت صراعات داخلية متعددة الأبعاد، من حيث درجة العنف والشدة، فيما عدا دول الخليج التى شهدت نوعاً واحداً من الصراعات فالسعودية والكويت والبحرين شهدت نوعاً واحداً مرتبطاً بالصراع بين الحكم والمعارضة السياسية وهو ما يمكن تفسيره بالطبيعة المحافظة لدول الخليج التى لديها قدرة عالية على تجنب الصراعات .
     تشير الدراسة إلى أربعة أنواع من الصراعات شهدها العام الماضى ترتبط بأربع قضايا رئيسية ، وبعض هذه القضايا قديم ، وبعضها سابق فى كونه موضوعاً للصراع على الثورات العربية ، وبعضها الآخر حديث ، إرتبط بالتفاعلات الخاصة بالثورات العربية .
     تتمثل القضية الأولى فى الأيديولوجيا وتوجه النظام السياسى ، حيث يرتبط أعلى معدلات الصراع فى المنطقة بهذه القضية ، وهى تعبر عن نوع من الصراعات التى يطمح فيها الفاعل أو أحد أطراف الصراع الى تغيير الأيديولوجيا ، والتوجه الدينى والإجتماعى والإقتصادى أو القضائى للنظام السياسى ، أو تغيير نوع النظام نفسه ، وقد مثلت الصراعات المرتبطة بتلك القضايا ثلثى الصراعات التى نشبت بالإقليم ، كما أنها مثلت عشر صراعات من إثنى عشر صراعاً عنيفاً شهدتها المنطقة .
     وقد شهدت سوريا هذا النوع من الصراعات داخل فصائل المعارضة السورية ، وتحديداً بين الإئتلاف الوطنى السورى المعارض وجناحه العسكرى الجيش الحر من جهة ، والجماعات الإسلامية المتشددة التى تضم جماعة النصرة والجبهة الإسلامية .وتنظيم داعش من جهة أخرى ، حيث تتصاعد الهجمات المسلحة من جانب كل طرف على الآخر ، وهو ما يعنى فتح جبهة قتال جديدة .
     وتنصرف القضية الثانية إلى السيطرة على السلطة الوطنية ، وهى الصراعات المرتبطة بالقدرة على السيطرة على الدولة ، ورغبة أحد أطرافها فى الوصول للسلطة ، وتمثل هذه الصراعات ثلث صراعات الإقليم خلال هذا العام ، وتم رصد هذه الصراعات فى 12 دولة عربية هى سوريا ، مصر ، والعراق والأردن والكويت ولبنان وليبيا والسعودية وتونس واليمن والجزائر والبحرين . وتتعلق القضية الثالثة بالهيمنة دون الوطنية والموارد ، وهى ترتبط بالسيطرة واقعياً من قبل الحكومة ، أو مجموعة معينة على جزء من إقليم الدولة ، أو الموارد الطبيعية ، أو المواد الخام ، أو الأرباح المكتسبة منها . كما حدث فى أربع دول هى سوريا والعراق ومصر وليبيا . حيث يدور هذا النوع من الصراعات فى سوريا حول الهيمنة دون الوطنية فى المناطق الكردية ، وقضايا الحكم الذاتى فى العراق بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان ويشمل النزاع حول توزيع عائدات النفط وترسم حدود المنطقة الكردية ، وفى مصر يدور الصراع حول سعى الجماعات الإسلامية المتشددة إلى السيطرة على سيناء وإعلانها إمارة إسلامية ، وقد شهدت ليبيا إتجاهاً لإعلان الإنفصال عن الدولة المركزية فى شرق ليبيا .
أما القضية الرابعة : فهى تدور حول تغيير النظام الإقليمى من خلال إحداث تغييرات فى القدرات العسكرية والإقتصادية والنفوذ السياسى لدولة ما ، كما هو الحال بالنسبة لسوريا فى صراعها مع تركيا حول الحدود المشتركة ، ومع الولايات المتحدة حول الزعم بإستخدام سوريا الأسلحة الكيماوي .
     ونود أن نشير هنا بإيجاز إلى تطورات جديدة شهدتها مصر وليبيا والعراق واليمن وسوريا ، حيث إشتد الصراع بين أطراف داخلية بما يهدد كيان الدولة :
     ففى مصر يدور نوعان من الصراعات خلال العام الماضى ، النوع الأول يتمثل فى الصراع بين الجماعات الإسلامية المتشددة والجيش فى سيناء ، وقد تم تصعيد هذا الصراع إلى درجة الحرب المحدودة بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسى ، وشن المتشددون هجمات بشكل يومى مع إنتقالها إلى قلب المدن المصرية . أما النوع الثانى فهو الصراع بين جماعات المعارضة الإسلامية والحكومة المصرية بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسى وتحول الإخوان المسلمين إلى موقع المعارضة وإنتشار المظاهرات فى أنحاء البلاد ، وزادت المعارضة بعد فض إعتصامى رابعة والنهضة .
     وفى حالة العراق يدور الصراع بين الجماعات السنية المسلحة والحكومة العراقية وكان آخر تطوراتها سيطرة منظمة ( الدولة الإسلامية فى العراق والشام/ داعش ) على محافظات بأكملها وتوجهها نحو بغداد مما ينذر بحرب أهلية ،وفى ليبيا تصاعدت المواجهات بين الجماعات الإسلامية المتشددة وقوات عملية الكرامة التى يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر فى محاولة للحيلولة دون إنهيار الدولة الليبية، وإنهاء الإنقسام فى السلطة والصراع على السلطة الذى كان من آخر مظاهره تكليف المؤتمر الوطنى العام السيد أحمد معيتيق بتشكيل الحكومة فى تجاهل تام للحكومة القائمة برئاسة عبدالله الثني والحكومة التى سبقتها برئاسة زيدان الذى حصل على حكم من المحكمة الدستورية بأحقيته فى رئاسة الحكومة . وفى اليمن يدور الصراع بين الحوثيين والقبائل السنية ، وهو متعدد الأبعاد يتخذ أبعاداً مرتبطة بالهيمنة دون الوطنية ( على أقاليم معينة ) والإيديولوجية ، والنظام السياسى ، كما يدور صراع آخر بين تنظيم القاعدة وأنصار الشريعة ضد الحكومة اليمنية ، وهناك صراع ثالث بين جماعات المعارضة ( لجان شباب الثورة وبعض القبائل ) من جانب والحكومة من جانب آخر ، هذا بالإضافة إلى الصراع حول المناطق الغنية بالنفط فى مأرب .
     أما سوريا ، فما تزال الحرب الأهلية دائرة بين النظام القائم وبين الجماعات الإسلامية المسلحة والذى تجاوز ضحاياه أكثر من مائة ألف قتيل وأكثر من أربعة ملايين نازح داخل البلاد ، ومليونا لاجئ فى الدول المجاورة .
     ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أزمة إنتخاب رئيس جديد للبنان حيث فشل مجلس النواب فى إنتخاب الرئيس فى أكثر من جولة إنتخابية نتيجة للإستقطاب السياسى الحاد بين جبهتى 14 آذار ، 8 آذار .
تونس نموذج مختلف
     ربما تكون تونس القطر العربى الوحيد الذى ينجو من هذا النوع من الصراعات المدمرة ، هناك بالفعل صراع سياسى حول مستقبل البلاد وحول السلطة ، ولكنه صراع سياسى سلمى يخطو إلى الأمام رغم عمليات الإغتيال السياسى التى طالت رموز المعارضة . وقد نجحت تونس فى تجنب تحول هذا الصراع السياسى إلى مواجهات مسلحة كما تجنبت تصعيد المواجهة السياسية نتيجة لعدة عوامل ينفرد بها المجتمع التونسى ، على رأسها إبتعاد الجيش التونسى عن السياسة ، ووجود منظمات مجتمع مدنى قوية مثل الإتحاد التونسى للشغل والحركة الحقوقية التونسية ، ووجود تعددية حزبية ناضجة ، ويمكن أن نضيف إلى هذه العوامل قدرة زعيم حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشى على إتخاذ القرار السليم فى الوقت المناسب ، حيث بادر إلى إخراج حزب النهضة من الحكومة بعد التطورات التى جرت فى مصر وسقوط حكم الإخوان المسلمين وما تبع ذلك من تصاعد المعارضة فى تونس لسيطرة حزب النهضة على الحكم . وفى هذا الصدد يقول راشد الغنوشى ( إن تجربة سنتين كشفت لنا أن البناء الوطنى لايزال هشاً لا يتحمل الصراع المفتوح بينه وبين سلطة ومعارضة ، حتى كادت التجربة التونسية فى العام السابق أن تنهار ، خاصة بعد ما حدث فى مصر ، ولم ينقذ الوضع إلا خروج النهضة من السلطة إلى حكومة محايدة ) ، مؤكداً ( هذا الذى أنقذ الوضع ، ونحن أقدمنا على أن نضحى بالسلطة من أجل شئ أثمن فى تونس وهو الإنتقال الديمقراطى ).
قضايا أساسية للمناقشة
تطرح هذه التطورات المتصلة بقضية الديمقراطية العديد من القضايا الهامة الجديرة بالمناقشة لأهمية الوصول الى رؤية سليمة لكيفية التعامل معها مستقبلا لضمان مواصلة السير على طريق التحول الديمقراطي وتوافق القوى القومية على رؤية مشتركة للتعامل مع هذه القضايا منها:
- مستقبل الثورة المصرية لما تمثله من أهمية للوطن العربي.
- الفشل في معالجة التنوع العرقي والديني في الوطن العربي وكيفية التعامل معه مستقبلا.
- حماية وتعزيز حقوق الانسان العربي في سياق النضال من أجل الديمقراطية.
- المقومات الاساسية للديمقراطية التي يتعين النضال من أجل توافرها في المجتمعات العربية.

أولا
الثورة المصرية والتحديات الكبرى
اما بالنسبة لمصر فقد نجحت الى حد كبير في مواجهة العديد من التحديات التي طرأت اثناء المرحلة الانتقالية بعد ثورة 25 يناير والتي نتجت من اخطاء المجلس الاعلى للقوات المسلحة في ادارة الفترة الانتقالية، وما ترتب على ذلك من انفراد جماعة الاخوان المسلمين بحكم البلاد، ومحاولتهم التمكين لأنفسهم في مؤسسات الدولة، مما استفز القوى الوطنية والديمقراطية وشباب الثورة لمواجهة هذه المحاولات، وشهد العام الماضي نجاح حركة تمرد الشبابية في جمع 22 مليون توقيع للمطالبة بأجراء انتخابات رئاسية مبكرة وتصاعدت المعارضة لحكم الاخوان المسلمين الى ثورة شعبية يوم 30 يونيو 2013 شارك فيها أكثر من 30 مليون مواطن يؤيدون هذا المطلب. وكادت البلاد ان تشهد حربا اهلية لاصرار الاخوان المسلمين على رفض اجراء انتخابات رئاسية مبكرة لولا انحياز الجيش المصري للارادة الشعبية وأعلان خريطة طريق للمستقبل  من خلال عملية ديمقراطية سلمية تشمل تعديل الدستور وانتخاب رئيس الجمهورية وانتخاب المجلس التشريعي. وقد نجحت مصر في تنفيذ الجانب الاهم من خريطة الطريق بموافقة شعبية كبيرة في الاستفتاء على تعديل الدستور وانتخاب رئيس جديد للجمهورية وهي الآن على وشك انتخاب مجلس النواب. تم ذلك في مواجهة تصاعد أعمال العنف والارهاب لتعطيل هذه العملية الديمقراطية الجديدة. ونجحت الدولة المصرية في الافلات من فخ تفكيكها وهو الهدف المعلن لما يسمى تحالف دعم الشرعية بقيادة الاخوان المسلمين، كما نجحت الدولة الى حد كبير في تصفية المجموعات التكفيرية الارهابية المتمركزة في شبه جزيرة سيناء.
ورغم ما تحقق حتى الآن من نجاح على طريق استعادة المسار الديمقراطي في مصر وحماية الدولة من الانهيار الا ان ثورة 25 يناير ما تزال تواجه تحديات كبرى في مقدمتها:
التحدى الأول : أعمال العنف والإرهاب التى تقوم بها الجماعات التكفيرية فى سيناء أو داخل البلاد وتشارك فيها جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها فى إطار مخطط يستهدف شل أجهزة الأمن وإرباك المجتمع بهدف إسقاط الدولة ، وإستعادة السيطرة التى فقدها الإخوان المسلمون بثورة 30 يونيو ،والحيلولة دون إستكمال العملية السياسية لخارطةالطريق ، ومن الواضح أن التنظيم الدولى للإخوان المسلمين يقف وراء هذا المخطط وتسانده فى ذلك مؤسسات إعلامية وإعلانية وعلاقات سياسية على نطاق العالم كله. وما لم يتوحد المجتمع كله فى مواجهة هذا التحدى وتتضافر الجهود الشعبية والحكومية فى تعاون كامل لإيقافه فإنه يمكن أن يعرض البلاد للخطر.
التحدى الثانى : عودة قيادات من عهد حسنى مبارك للعمل العام مرة أخرى وإعتبارهم أن الحركة الشعبية فى 30 يونيو مدينة لهم رغم أنها نتاج جهد وعمل قطاع من شباب الثورة ممثلاً فى حركة تمرد ، وسعيهم إلى إفتعال تناقض بين 30يونيو و25 يناير ، وإنتهاز الفرصة للعودة إلى الساحة السياسية بقوة والإستعداد لإنتخابات مجلس النواب من خلال التحالفات التى يرتبون لها الآن ، ورغم أن رئيس الجمهورية أعلن فى خطابه الأخير أنه لاعودة لأى نظام سابق وأنه لا عودة بالمرة لإحتكار الدين أو إحتكار الدولة الا أن تحقيق هذا التوجه يتطلب جهوداً شعبية واسعة النطاق لمحاصرة العائدين من الماضى وحرمانهم من الفوز فى الإنتخابات والمطالبة بتطبيق العدالة الإنتقالية لمحاسبة كل من أجرم فى حق الشعب سياسياً وإقتصادياً وجنائياً وأن يشمل العقاب من إحتكر الحكم وزور الإنتخابات ونهب المال العام وقتل المعارضين خارج القانون أوعذبهم .
التحدى الثالث : هو خطر عودة الشمولية من الباب الخلفى حيث شهدت البلاد موجة تأييد واسع النطاق لترشيح الفريق أول عبدالفتاح السيسى رئيساً للجمهورية ويغالى الذين يقودون هذا التأييد فى مواقفهم بالتعامل معه كمنقذ للبلاد وبطل قومى وهو ما يمكن أن يؤدى إلى عودة الشمولية مرة أخرى من خلال حزب يتشكل لمساندة الرئيس الجديد يحتكر الحكم خاصة وأن الأحزاب السياسية التى تأسست بعد ثورة 25 يناير ما تزال وليدة وتحتاج إلى مزيد من الوقت لكى تتحول إلى تنظيمات جماهيرية ذات قاعدة شعبية مؤثرة . ومن المهم التصدى لمن يزايد على الآخرين فى تأييد الرئيس عبدالفتاح السيسى للسير فى طريق يتعارض مع العملية الديمقراطية ويجهض إحتمالات التطور الديمقراطى فى مصر ، وأن يكون السيسى نفسه على رأس المعارضين لهذه التوجهات وألا يسمح لمثل هذه الميول أن تترسخ فى المجتمع ، وإلا فإنها سوف تكون بمثابة ضربة للتعددية الحزبية وإستقلال المجتمع المدنى ، وسيكون هذا التحدى الأكبر الذى يواجه مسيرة الثورة التى كانت بالأساس وما تزال ذات طابع ديمقراطى عميق .
     من المهم أن تتضافر جهود كل قوى الثورة لمواجهة هذه التحديات وبدء مرحلة جديدة من العمل الثوري أكثر فاعلية وأكثر قدرة على تحويل أهدافها إلى برامج عمل وسياسات محددة توضع من خلال المؤسسات الدستورية موضع التطبيق .
ثانيا
الفشل في معالجة التنوع العرقي والديني في الوطن العربي
دفعت الشعوب العربية الثمن غاليا لتجاهل حكامها معالجة التنوع العرقي والديني بشكل صحيح , وفي الوقت المناسب , ورغم ان ذلك التنوع يمكن ان يكون مصدر ثراء وقوة لمعظم الأقطار العربية إذا احسن الحكام التعامل معه والأعتراف به إلا ان نظم الحكم كانت من الغباء بحيث تجاهلت حقائق الواقع , وانكرت حقوق اقسام هامة من شعوبها كما حدث مع الاكراد في العراق والمسيحيين في جنوب السودان والامازيج في المغرب والطوارق في ليبيا , وكما يحدث حاليا مع البدون في الكويت , ومن الناحيه الدينيه عاني الشيعه من اضطهاد الحكام في العراق , وللأقباط في مصر مشاكل عديده , وهو نفس الحال بالنسبه للشيعه في السعوديه . ويؤكد تاريخ الوطن العربي في هذه الاقطار ان هذا التنوع العرقي والديني كانت له اسبابه التاريخيه , وكان لفتره طويله من عمر الشعوب العربيه ظاهره صحيه حيث تعايشت هذه الشعوب مع التنوع العرقي والديني في إطار من التعاون والتكامل . وإذا اخذنا مصر مثلا لذلك فإننا نلاحظ ان الاقباط كانوا يشغلون مناصب هامه في الدوله علي امتداد العصور الوسطي واستمر بعضها في العصر الحديث , علي عكس ما حذث بعد ذلك عندما شهدت مصر ظاهرة التعصب الديني بعد هجرة ملايين المصريين إلي دول الخليج وعادوا منها محملين بأفكار المذهب الوهابي , ولم يكن حكام البلاد بالحكمه والخبره التي تؤهلهم للتنبه مبكرا إلي خطورة تصاعد هذه الظاهره وما خلفته من أثار سلبيه علي العلاقه بين عنصري الامه كما كان يحلو للجميع ان يصف التنوع الديني في مصر , وساهم الحكام في تأجيج الظاهره عندما اهملوا حق الأقباط في تولي مناصب عليا يستحقونها وتجديد الكنائس في الوقت المناسب .
شهد معظم الاقطار العربيه التي اشرنا إلي وجود هذا التنوع الديني والعرقي بها تطورا هاما في العصر الحديث مع تطور وسائل الاتصال والمواصلات وتبلور مواثيق دوليه لحقوق الإنسان , وتوفر المعلومات عن النظم الديموقراطيه في كثير من بلدان العالم حيث تأسست هذه النظم علي مبدأ المواطنه الذي يساوي بين سكان البلد الواحد في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن اصلهم العرقي او ديانتهم . واتجهت قطاعات من السكان في كل بلد إلي المطالبه بالمساواه وإلي بناء الدوله علي اساس المواطنه , ووصل الامر في بعض الاقطار إلي المطالبه بالأنفصال او الحكم الذاتي كالأكراد , وكذلك المطالبه بتدريس لغتهم الموروثه من اجيال سابقه , والحفاظ علي ثقافتهم وتدريسها بمراحل التعليم المختلفه . وتحول الامر في بعض الاحيان إلي صراع مسلح مع نظم الحكم من اجل تحقيق هذه المطالب , ولكن نظم الحكم المختلفه لم تكن بالقدر الكافي من الحساسيه لهذه المشاكل وما يمكن ان يترتب عن عدم حلها من نتائج , فتأخرت كثيرا في التجاوب معها ومعالجتها بشكل صحيح , مما أدي إلي مزيد من الصراع وصل إلي حمل السلاح كما حدث في جنوب السودان وفي شمال العراق , ودفع الشعبان العراقي والسوداني الثمن غاليا , فأنفصل جنوب السودان في دوله مستقله ويكاد اقليم كردستان ان يكون بالفعل دولة مستقله , وربما تشهد المغرب نفس الظاهره ما لم تواصل حكومته سياستها في معالجة مطالب الامازيج بالحكمه الواجبه والاعتراف بحقهم في نوع من الحكم المحلي .
ويمكن القول عموما ان الحل الحقيقي لمشاكل الوطن العربي في معظم اقطاره مع ظاهرة التنوع الديني والعرقي هو الديموقراطيه , فالديموقراطيه تقوم اساسا علي الاعتراف بالتعدديه سواء كانت طبقيه او دينيه او عرقيه , وتوفر بهذا الاعتراف الاساس الدستوري والقانوني لمعاملة المواطنين علي قدم المساواة والاعتراف بحق الجميع في إقامة تنظيماتهم السياسيه المعبرة عنهم , وبما يترتب علي ذلك من المشاركة في عملية تداول السلطه من خلال إنتخابات دوريه حره ونزيهه , وحق التمتع بثقافتهم الخاصه وتدريس لغتهم كلغة ثانيه في كل مراحل التعليم .إن إندماج المواطنين من مختلف الاعراق والاديان في العمليه السياسيه الديموقراطيه هي نقطة إنطلاق لا بديل عنها للمحافظه علي وحدة الوطن ووحدة الشعب , وشرط ضروري لإنهاء كل صور النزاع الناجمه عن تجاهل الظاهره او إنكارها , وكما نجحت المجتمعات الاخري في اوروبا واسيا وامريكا اللاتينيه وفي جنوب افريقيا في معالجة هذه الظاهره ديموقراطيا , فإن الشعوب العربيه وهي تسقط الان النظم الاستبداديه واحدا وراء الاخر سوف تكون قادرة علي استيعاب المشاكل الناجمه عن التأخر في التعامل السليم مع ظاهرة التنوع الديني والعرقي , ويجب أن  تتمكن وهي تبني نظمها الديموقراطيه بديلا عن الاستبداد من حل مشاكل الصراع العرقي والديني في إطار ديموقراطي .
ثالثا
حقوق الإنسان فى مواجهة الإرهاب
شهد المجتمع المصري توجها نحو أهمال الدفاع عن حقوق الانسان كجزء من العملية الديمقراطية بسبب تصاعد العنف والأعمال الأرهابية دون الوعي بأهمية حقوق الانسان كأساس للتطور الديمقراطي ونظرا لأهمية هذه الظاهرة وخطورتها على مستقبل النضال الديمقراطي فأننا سوف نعرض هنا تطورات هذه الظاهرة في الواقع المصري للأستفادة منها عربيا. حيث يوجد  توجه متزايد فى المجتمع إلى إدانة من يتحدث عن حقوق الإنسان فى هذه الظروف الصعبة التى تمر بها البلاد، وما تشهده من أحداث عنف متزايد وأعمال إرهابية خسيسة بلغت ذروتها فى تفجير المنصورة الإرهابى الإجرامى الذى أودى بحياة ستة عشر من ضباط وأفراد الشرطة، وأصاب أكثر من مائة وخمسين مصرياً ما بين ضباط وأفراد ومدنيين ، وغالباً ما يستند الداعون إلى تصوير الأمر وكأنه تعارض بين إحترام حقوق الإنسان وتطبيق القانون على المجرمين ، يستندون إلى مقوله ينسبونها إلى دافيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا عندما تصدت الشرطة لأحداث شغب بقسوة أنه (عندما يتعرض الوطن للخطر لاتحدثونى عن حقوق الإنسان). والحقيقة أن حقوق الإنسان تبدأ بالحق فى الحياة أى أن المطالبة بها تبدأ بادانة أى عمليات إرهاب ، يقترن بهذا الحق حق آخر هو حرمة الجسد من أى أذى بما فى ذلك التعذيب . فنحن أمام منظومة متكاملة تقوم على الإلتزام بتطبيق القانون وما ينتج عن هذا الإلتزام من حماية حق المواطنين فى الحياة الآمنة وإدانة كل صور الترويع للمواطنين الآمنين وفى نفس الوقت معاملة المقبوض عليهم فى إطار قانونى . وليس من حقنا أن نتغاضى عن أى جانب لحساب الجانب الآخر . هناك أيضاً من يرى أنه فى الوقت الذى يقتل أفراد الشرطة والقوات المسلحة بأيدى الإرهابيين دفاعاً عن المواطنين فإنه ليس من اللائق أن يتحدث أحد عن حقوق الإنسان . وهذا موقف خاطئ عانينا فى الماضى من نتائجه العملية معاناة شديدة ، فالذين تعرضوا للتعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة هم الذين إعتنقوا بعد ذلك فكر التكفير وبرروا للإرهاب ومارسوه فى السبعينات ، فقد كتب سيد قطب فى سجنه كتابه معالم على الطريق الذى كفر فيه المجتمع ،وأباح فيه الخروج على هذا المجتمع الكافر ، وسار على طريقه شكرى مصطفى مؤسس جماعة المسلمين التى إشتهرت بإسم جماعة التكفير والهجرة ، والتى قامت بخطف الشيخ الذهبى وقتلته، ونفذت عمليات إرهابية أخرى ، هكذا يولد الإرهاب من رحم تجاهل حقوق الإنسان ، وقد تكرر الأمر فى التسعينات مع الموجة الإرهابية العاتية التى راح ضحيتها المئات من المواطنين العاديين الأبرياء فى مقدمتهم الطفلة شيماء، جنباً إلى جنب الدكتور فرج فودة والدكتور رفعت المحجوب، ومحاولات إغتيال رئيس الوزراء ووزير الداخلية ونجيب محفوظ وغيرهم . من هنا أهمية أن نراجع موقفنا من تصوير الأمر وكأن القضاء على الإرهاب يتطلب تجاهل حقوق الإنسان . أو أن المطالبين فى هذه الظروف العصيبة بإحترام حقوق الإنسان يساعدون على إستمرار الإرهاب وتصويرهم وكأنهم من أنصار الإرهاب . فليس هناك تعارض بين أن تقف فى خندق مواجهة الإرهاب والمطالبة فى نفس الوقت بإحترام حقوق الإنسان لأن التوجهين ينبعان من موقف واحد هو الإنطلاق من سيادة القانون ، وخضوع الجميع حكاماً ومحكومين لسيادة القانون . نحاسب من يرتكب جريمة القتل أو يمارس عملاً إرهابياً بكل حسم ، وفى نفس الوقت نحافظ على الكرامة الإنسانية ونحترم حق الإنسان حتى لو إرتكب جريمة فى معاملة قانونية سليمة . فهذا هو أساس بناء الديمقراطية فى أى مجتمع . لأن الديمقراطية مفهوم شامل يقوم على المساواة بين الجميع فى الخضوع للقانون ، ويكفل للمواطن حقوقه وحرياته ، وهذا هو سر إحتفالنا فى الدستور الجديد بباب الحقوق والحريات وما نص عليه من الإلتزام بالمواثيق والمعاهدات والإتفاقيات الدولية لحقوق. ولما كانت مصر تمر بالفعل بمرحلة تطور ديمقراطى ، يتطلع الشعب فيها الى إقامة دولة ديمقراطية يتمتع فى ظلها المواطنون بحقوقهم وحرياتهم الأساسية ، فإنه من واجبنا جميعاً مهما كانت الصعوبات التى يواجهها المجتمع ، أن نحافظ على سلامة الرؤية وألا نضل عن الطريق الصحيح فنغلب جانباً على حساب الآخر ، ذلك أن مواجهة الإرهاب بحسم يتطلب اعمال القانون بالنسبة للمجرمين ويتطلب فى نفس الوقت حماية حق كل مواطن فى إحترام حقوقه حتى لو كان مشتبهاً به أو متهماً إلى أن تثبت إدانته .
     ولنا فى تجارب الدول الديمقراطية التى سبقتنا على هذا الطريق أسوة حسنة فقد أقامت نظامها السياسى والقانونى على هذا الأساس ونجحت فى تنظيم الحياة على أرضها بما لا يخلق تعارضاً بين تحقيق الأمن والحفاظ على حقوق الإنسان فى نفس الوقت . وجمعت بين حقوق الوطن وحقوق الإنسان لأنه لا يوجد فى الواقع أى تعارض بينهما وإستقرت التقاليد القانونية فى هذه البلدان بما يمنع أى مساس بحقوق المواطن مهما كانت صعوبة الأوضاع ، وعندما تعرضت الولايات المتحدة للإرهاب فى 11 سبتمبر وما بعده من أحداث ، وعندما كانت فى أشد الحاجة إلى الحصول على معلومات عما يجرى تدبيره من أعمال إرهابية وعن طبيعة المنظمات التى تعد لذلك فإن السلطات لم تجرؤ على تعذيب الإرهابيين الذين أمسكت بهم على أرضها فأرسلتهم إلى مصر والأردن وسوريا ليجرى تعذيبهم فى بلادنا والحصول على المعلومات اللازمة منهم دون أن تخالف قوانينها ، وكأن نظم الحكم عندنا تحولت إلى جلاد لحسابها وهذا ما لا نرضاه لبلادنا بعد أن إنتزعنا إرادتنا الحرة . وعزمنا على بناء الديمقراطية فى بلادنا .

رابعا
التحول الديمقراطي ومقوماته الأساسية
من هذا العرض للتطورات التى إستجدت خلال العام الماضى فى المجال السياسى والصراع على السلطة وتأثيرهما على عملية الإنتقال الديمقراطى فى الوطن العربى ، يتأكد لنا أن هذا الإنتقال الديمقراطى أو التحول الديمقراطى محفوف بالمصاعب وتكتنفه المشاكل من جوانب متعددة ، مما يدعونا للتوقف أمام هذه العملية ومناقشة أهم شروطها لتحقيق الهدف من الثورات العربية وهو نفس الهدف الذى ناضلت من أجله أجيال متتالية ضحت بالكثير لإقامة نظم حكم ديمقراطية فى مختلف أرجاء الوطن العربى ، تكون مقدمة لتحقيق باقى أهداف النضال القومى العربى التى يطرحها مشروع التجديد النهضوى العربى ، فبدون بناء هذا الإطار الديمقراطى لنضال الشعوب العربية لايمكن أن تحقق أهدافها فى الإستقلال الوطنى والتخلص من التبعية ، وتحقيق التنمية المستدامة المعتمدة على الذات ، والعدالة الإجتماعية ، والتجديد الثقافى والحضارى .
     فماذا نقصد بالتحول الديمقراطى ، وما هى أهم مقوماته ؟
     ومن المهم التأكيد هنا أننا لانطرح قضية التحول الديمقراطى فى المؤتمر القومى العربى الخامس والعشرين بسبب ما أشرنا إليه من تراجع فى هذه العملية فى معظم الأقطار العربية ، بل أيضاً وأساساً لأن أهم ما يميز المشروع النهضوى العربى الجديد هو مضمونه الديمقراطى بالنظر إلى " الديمقراطية بإعتبارها ركناً مكيناً من أركان النهضة ، ورافعة من رافعاتها ، كان يمكن القول فيما مضى، أن النهضة تتحقق بمقدار ما ينجح مجتمع ما فى إنجاز التصنيع ، ونشر التعليم ، وبناء الجيش الجديد ، وتعظيم الثروة . وقد يصح ذلك إلى حد بعيد . لكن الذى ثبت بالدليل التاريخى ، أن الطريق إلى ذلك كله هى الديمقراطية ، بما هى النظام الذى يحرر مواطنه من العبودية السياسية والخوف، ويطلق الطاقات الاجتماعية للإنتاج والإبداع والتنافس وتحقيق التراكم المادى والمعنوى ، ويعزز اللحمة الوطنية والقومية إستناداً إلى رابطة المواطنة .
ومن المهم هنا أن تواصل القوي القوميه والتقدميه وقوي الثوره نضالها الديمقراطي بهدف ضمان توافر المقومات الأساسيه للديمقراطيه في المجتمعات العربيه وفي مقدمتها:
1- احترام الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين ، التى نصت عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ، بما فى ذلك الحقوق السياسية والمدنية والحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية مثل الحق فى الحياة ، الحق فى الحرية ، الحق فى الكرامة والحرية الشخصية ، حرية الرأى والدين والتعبير، الحق فى التجمع السلمى، الحق فى المساواة وحظر كل صور التمييزالديني أو العرقي أو الطبقي أوبسبب الانتماء السياسي، الحق فى الملكية والعمل، الحق فى التعليم والثقافة، الحق فى المشاركة فى إدارة شئون البلاد . والإنطلاق من هذه الحقوق كأساس لمجتمع مدنى وإعلام حر، بما يكفل حرية تكوين الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجمعيات الأهلية وغيرها .
2- الإعتراف بتعدد المصالح الطبقية فى المجتمع ، ومشروعية الدفاع عن هذه المصالح من كل الأطراف .
3- الإعتراف بالتعددية السياسية والحزبية كنتيجة للإعتراف بتعدد المصالح الطبقية ، بكل ما يترتب على التعددية السياسية والحزبية من نتائج .
4- خضوع الحكام والمحكومين لمبدأسيادة القانون وإدارة الدولة من خلال المؤسسات وإستقلال السلطة القضائية، والفصل بين السلطات.
5- تداول السلطة من خلال إنتخابات دورية حرة تجسد نتائجها بصدق إرادة الناخبين. والإعتماد على مبدأ الإنتخاب العام لعناصر السلطة التشريعية والتنفيذية كأساس لتداول السلطة .
6- التوسع فى أشكال المشاركة الشعبية المباشرة لتعويض أوجه القصور التى قد تنشأ من الإقتصار على البرلمانية التمثيلية فقط .
7- قيام حكم محلى شعبى حقيقى يكون بمثابة البنية التحتية الصلبة للنظام الديمقراطى .
8- إعلام ديمقراطى حر يكفل توافر المعلومات والفرص المتكافئة فى عرض الآراء والتوجهات المختلفة مع حرية تدفق المعلومات والآراء على المواطنين من مصادر متعددة دون قيود .
9- تأمين الحد الأدنى من الحقوق الإقتصادية والإجتماعية وعدالة توزيع الدخل القومى ليكون أساس التكافؤ فى القدرة على المنافسة السياسية بين مواطنين تتفاوت قدراتهم الإقتصادية .