www.arabnc.org
الاستقلال الوطني والقومي 28البرنامج النهائي 28المشاركون في الدورة 28البيان الصحفي للدورة 28مبادرات ومواقف المؤتمر 10 نيسان 2016 - 8 أيار 2017المشهد السياسي 28الديمقراطية وحقوق الإنسان 28العدالة الاجتماعية 28التنمية المستقلة 28التجدد الحضاري 28أمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلامالبيان الختامي للدورة 26
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
الوحدة العربية وتجديد مشروع النهضة 23 ((الوحدة العربية وتجديد مشروع النهضة 23))

المؤتمر القومي العربي
ARAB NATIONAL CONFERENCE


الوحدة العربية وتجديد مشروع النهضة**

د. يوسف مكي *


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي
** لا تعبر هذه الورقة بالضرورة عن رأي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.
*** لا يجوز نشر هذه الورقة كلاً أو جزءاً إلا بموافقة تحريرية من إدارة المؤتمر.


الوحدة العربية وتجديد مشروع النهضة

 
د. يوسف مكي

 

إذا أجزنا لأنفسنا الاستعارة من توماس كون، فإن التقدم في الأفكار، لا يكون نتاج تراكم تاريخي تدرجي فقط، بل هو في الغالب حصيلة ثورات علمية، تدفع بنا للتخلي عن فرضيات سابقة، وتبني نماذج عمل جديدة، بما يسهم في الاقتراب من تحقيق الأهداف الكبرى للأمة في الوحدة والنهوض والتقدم.
ولأن التجربة والرصد والمشاهدة والمتابعة عناصر لأزمة لاختبار أي فرضية علمية، فلا مناص من الأخذ بها عند قراءة جدليتي الوحدة العربية ومشروع النهضة، في المرحلة التي ارتبطت بموسم الانتفاضات الشعبية بالوطن العربي، الذي بدأ بتونس الخضراء وانتشر بسرعة ليعم معظم الأقطار العربية.
ولأن سمة العصر، أنه عصر تكتلات وتحالفات كبرى، وعصر انتصار القوميات أيضاً، فلن يكون مقبولاً أن تكون قراءة ما حدث خلال الفترة التي أعقبت اندلاع الحركات الاحنداجية، فيما يتعلق بالمشروع القومي العربي، هروباً إلى الخلف، بالتخلي عن فكرة الوحدة ذاتها. إن المراجعة النقدية، وفقا للسياقات التاريخية والوطنية’ ينبغي أن تشكل خطوة إلى الأمام، على طريق تعضيد مشاريع النهضة العربية، وفي مقدمتها الوحدة العربية.
\استثمرت القوى المناهضة لمشروع النهضة نكسة حزيران 1967م، للتعريض بالمشروع القومي العربي، والتنكر لهدف الوحدة. ولتعتبر من النكسة، بداية النهاية لمرحلة النضال الوطني لتفكيك المشاريع الاستعمارية، وبداية حقبة جديدة أهم ملامحها نهاية المرحلة القومية، وتقديس الدولة القطرية. اللافت للنظر أن الجميع قبلوا بالتحقيب، وبأن تداعيات النكسة هي نقطة تحول رئيسية بالتاريخ العربي، من مرحلة مناهضة الاستعمار إلى القبول بالأمر الواقع، والتفاوض مع الكيان الصهيوني التوصل إلى حل سياسي، تستعيد بموجبه الأنظمة العربية، الأراضي التي فقدتها في الحرب، بدلاً من اعتماد المواجهة العسكرية، واعتبار الصراع حضاريا، مع الصهاينة، وليس صراع حدود.
إن مناقشة العثرات والإخفاقات التي تعرضت لها مسيرة النهضة، تقتضي خطاباً مختلفاً، وقراءة جديدة لأسباب تعثرها وإخفاقاتها، تتجاوز جلد الذات، وتنطلق من رؤية موضوعية، تضع الهزيمة في سياقات تاريخية صحيحة. وتحاول الكشف عن الأسباب الحقيقية التي عصفت بمشروع النهضة، وأودت به.
 ليس منطقياً، تعليل إخفاقات الحركة القومية، بنتائج النكسة. فكثير من الأمم مرت بهزائم ونكسات، وجرى احتلال بلدان أوروبية بالكامل بالحربين الكونيتين... ومع ذلك لم يقل أحد إن المشروع الليبرالي الغربي، أو ممارسة الديمقراطية، هي السبب في ما آلت إليه الأمور.
بقيت أمم أوروبا تمارس خياراتها السياسية التي سادت قبل الحرب، ولم تشمل مراجعة نتائج الحرب الكونية الثانية، التعرض لمرتكزات النظام الرأسمالي بالغرب أو الاشتراكي بالشرق. ولم تنتظر الأمم الأوروبية طويلا، لتنطلق نحو تشكيل وحدتها، بدءاً من السوق المشتركة، إلى قيام الاتحاد الأوروبي. وشهد العالم حرباً باردة، بين الشرق والغرب، هي في حقيقتها تعزيز للخيارات السياسية التي سادت من قبل.
 هذه الطريحة، تقودنا إلى قراءة مغايرة لأسباب العجز الذي عانت منه الأمة خلال العقود الخمسة المنصرمة. قراءة تسهم في تخطي التشرنق في الاستنتاجات النمطية، التي ترجع تعثر مشروع النهضة، لفشل أداء الحركة القومية في معركة المواجهة مع الكيان الصهيوني. مع أن محطات صراعنا مع الكيان الغاصب، لم تكن دائماً هزائم متكررة، بل شهدت كراً وفراً، كسبنا معارك عديدة، وخسرنا أخرى.
واقع الحال أن الحركة القومية خضعت باستمرار، لقانون التحدي والاستجابة، حسب منطلق المؤرخ البريطاني، أرنولد توينبي، ولأن التحدي الكولونيالي، حالة مستمرة، لم تترك فسحة للمراجعة، وأصبح الفكر القومي يلهث في محاولة تقديم أجوبة لمتطلبات اللحظة. ففي غمرة انهماك القوميين، بمواجهة الهجمة الإمبريالية الصهيونية غيبت مطالب أخرى، وغلبت الانفعالية، والإبداع والمبادرة. وهكذا مثلت الهجمة الإمبريالية والهجرة الصهيونية لفلسطين وضعف مقاومة الهياكل الاجتماعية العربية، عناصر طاردة للمشروع النهضوي العربي. فكان النتيجة أن ظل الفكر راهنياً باستمرار، ديدنه التعامل مع لحظة التحدي، دون استشراف للمستقبل. ولأن المقدمات كانت قلقة ومربكة، كانت النتائج دائما قلقة ومربكة.
صحيح أن عناصر تكوين الأمم الحديثة، التي أشارت لها الأدبيات السياسية، والتي ارتبطت ببروز الدول القومية، متوفرة بالواقع العربي. فنحن في الغالب نتكلم لغة واحدة، ويربطنا تاريخ واحد، وجغرافيا واحدة، ويجمعنا أن منطقتنا هي منطلق الأديان السماوية الثلاثة، وأن غالبيتنا تعتنق الإسلام، وتجد فيه مصدراً رئيساً للتشريع، وأحد عناصر المقاومة لمحاولات التغريب. وقد أسهمت هذه العناصر، مجتمعة أو فرادى، في تجييش العواطف، وخلقت حالات من النهوض والغليان أثناء الأزمات والهزات العنيفة التي تعرضت لها الأمة، مجسدة عمق ومستوى العلاقة ومعنى التلاحم بين الجسد الواحد. لكن تحقيق مشروع الوحدة ظل معلقا وأسيرا لتوترات اللحظات التاريخية وتحاذباتها.
النتيجة التي نخلص إليها، أن العلاقة الرومانسية، ووجود روابط بين أفراد الأمة، من ضمنها كل عناصر ومقومات نشوء الأمم الحديثة، لا تحتم قيام الدولة القومية، أو تسهم في التسليم بيقينياتها. والدليل على ذلك، أن الدول الأوروبية، لم تكن بحاجة لكل هذه العناصر، لتستكمل وحدتها. لقد كان المحرض على وحدتها شيْ آخر، مختلف عن هذه المسلّمات، خلاصته بزوغ قوى اجتماعية جديدة، وجدت من مصلحتها الانطلاق إلى اقتصادات الأبعاد الكبيرة. وتمكنت من كنس كل المعوقات والترسبات الراكدة التي وقفت في طريقها. ولم تجد مفرا من تجاوز البنى القديمة، عشائرية وقبلية ونظام إقطاعي، وقيام دول حديثة على أسس تعاقدية، تم فيها الفصل بشكل واضح بين ما للكنيسة وما لقيصر.
هناك مقدمات لازمة لتجاوز حالة الانسداد، ليس تجاوزاً للقول بأن أهمها هي وحدة القوى المؤمنة بمشروع النهضة العربية. فقد استنزفت هذه القوى طاقاتها الفكرية والنضالية في صراعها مع بعضها، ما أدى إلى انحسارها، ومكّن خصومها من اقتناص حالة الصراع هذه، لطعن المشروع النهضوي، وتعطيل حركته. وآن الأوان للقيام بمراجعة نقدية لمسار حركة النهضة، وإعادة قراءتها، بما يتسق مع التحولات الكونية، في مجالات السياسة والاقتصاد والعلوم والمعرفة، وأن يعاد للفكر القومي اعتباره، ليس باستنساخه، وإنما بتجديده.
لقد ركز الفكر القومي على المضمون الاجتماعي للوحدة، باعتبارها إعادة تشكيل سياسي واجتماعي لخريطة الوطن العربي. بمعنى أنها سبيل لنقل المجتمع العربي إلى مجتمع مدني صناعي. وأكد أن ذلك يحدث فقط في صيغة تحول دراماتيكي، تقوده الجماهير المحرومة، وليس عبر تطورات تدرجية.
  
الوحدة ضمن هذا المنطق، لن تتم من خلال بُنيات فوقية، حالها في ذلك حال التغيرات الاجتماعية الكبرى في التاريخ الإنساني. ولا تزال هذه الرؤية سائدة في أدبيات الفكر الثوري العربي، حتى يومنا هذا.
هذه الرؤية بحاجة إلى تقييم وقراءة جديدة. فليس للتاريخ أن يعاود خطاه بشكل ميكانيكي، دونما مراجعات نقدية. مراجعات، تنطلق من التسليم بالنسبي في قراءة التاريخ، وأيضاً من كون التاريخ صيرورة وحركة.
صيرورة، بمعنى الخلق والإبداع، وحركة تتفاعل فيها آليتا التفسير والفعل، وتشملهما معاً. وذلك هو شأن كل تقييم إيجابي لتجربة إنسانية فوارة. وفي عملية الخلق هذه، ينبغي إعادة النظر بشكل إيجابي، بالدولة الوطنية، بدلاً من وضعها في خط معاد للأمة، كما هو الحال في الأدبيات التي بشرت بالفكر القومي.
و”ما ينفع الناس” ينقلنا إلى النقطة الرئيسة الثانية، وهي المدخل الاقتصادي للوحدة. فهذا المدخل، يتعامل مع مشروع الوحدة، ليس بنظرة توق لتحقيق ماض سلف، ولكن باعتباره ضرورة حضارية للنهوض بهذا الجزء من
العالم. ويجرد الدعوة الوحدوية من الأهواء العاطفية، ويضفي عليها طابعاً علمياً. فالاقتصاد، من بين العلوم الاجتماعية، هو الأكثر دقة، ويستطيع التوصل لاستنتاجات من خلال بناء نماذج وتحليل فكري متقن. وبالتالي، فإن بإمكانه المساعدة على التبشير بأهمية تحقيق الوحدة العربية، بصيغ تتماهى مع روح العصر، وتنقل مشروعها من الاندماج إلى اللامركزية. ومن التماثل إلى التكامل.
ولأن التاريخ صيرورة وحركة، إرادة وفعل، لم تعد سياقات الثورات الاجتماعية الكبرى، وحدها تصلح دليلا للعمل القومي، ولا بوصلة لتوجيه الفعل النضالي من أجل الوحدة. وأمامنا فسحة لإعادة ترتيب المفاهيم، بما يتسق مع النظرة البراغماتية، وبعيدا عن الدوغما وعصبياتها.   
لا مناص من اجتراح وسائل جديدة، بإعمال العقل والفعل. لا بد من عمل خلاق ومبدع، يفسر الظروف التاريخية، بالتغلب على عناصر الردة، ومعوقات النهوض، بالتركيز على عنصري الثقافة والوعي، والتسليم بأن "الفكر قوة تاريخية"، كما هو الفعل أيضاً قوة تاريخية.
الثورات العربية وقضية الوحدة:
إذا جاز لنا أن نستخدم مجازيا تعبير الثورات العربية، باعتبارها حققت كسر حاجز الخوف وزجت بالشعب في معممان النضال من أجل الإمساك بزمام مقاديره، فإن الجوامع المشتركة بين الثورات العربية، أنها جميعاً شملت من جهة، النسيج الاجتماعي، بكل تمفصلاته وتموضعاته. ومن جهة أخرى، شملت، مختلف التيارات السياسية السائدة، بما يجمعها من وحدة وتناقضات وتنافر. السمة الأخرى لهذه الثورات، أن الذين ارتبطوا بها لم يربطهم عقد جبهوي، خلافاً لما هو عليه الحال، في ظروف أخرى، اقتضت تحالفات وتآلفات بين القوى السياسية العربية.
ما جمع الثورات العربية أيضاً، أن الشباب كونوا منذ بداياتها عمودها الفقري. وقد استثمروا مواقع التواصل الاجتماعي، على الانترنت: (فيسبوك وتويتر ويوتيوب) للإعلان عن أهدافهم ومشاريعهم، ومواعيد انطلاق ثوراتهم. لقد أدخلت هذه الثورات، للمرة الأولى، مفهوم الاحتجاج السلمي، بشكل واسع في القاموس السياسي العربي، بعد أن اقتصر حضور المفهوم، بالعقود القليلة الماضية، على ما ترسخ في الذاكرة الجمعية عن انتفاضة أطفال الحجارة بفلسطين. وجمعها أيضاً أنها مفاجأة الأمة لذاتها وللعالم أجمع.
إن الحديث عن الوحدة العربية بعد أكثر من عام من انطلاق هذه الثورات، يقتضي الانطلاق من تشخيص هذا الواقع، وأن يعاد تركيب بنيته النظرية انطلاقاً من المعطيات الجديدة المستلهمة من الحراك الملحمي الشعبي.

لقد جاءت الثورات العربية، لتطلق أجراس الخطر، ولتضع مشروع القومي العربي أمام خيارات عسيرة، إما التماهي مع هذه المتغيرات واستنباط الدروس منها، أو القفز فوق الواقع، والانكفاء في شرنقة المقولات التعميمية البائسة التي تجاوزها منطق التاريخ وحركة العصر .
 تسلط الأحداث الأخيرة الضوء على محاور عديدة ينبغي إعادة النظر فيها، في الفكر السياسي العربي، أهمها دور الحركة العفوية للجماهير، والاحتجاج السلمي، ومفهوم النخبة، ودور الطبقة المتوسطة، وإعادة تركيب مفاهيم العمل الجبهوي. وينبغي أيضاً التركيز على منجزات التقانة الحديثة، وبشكل خاص ثورة الاتصالات، ومواقع التواصل الاجتماعي في استنهاض الأمة، والدفع بمشروعها التنموي والحضاري إلى الأمام.
والمطلوب في هذا الاتجاه ليس محاكاة الواقع، وصياغة برنامج نهضوي ليتطابق مع قياساته. إن الهدف هو تقديم مراجعة نقدية لفكر النهضة على ضوء ما استجد إنسانياً. مراجعة لا تستنسخ الواقع، بل تستشرف المستقبل مستندة إلى تقييم وتحليل نقدي للمستجدات وإسقاطاتها المباشرة وغير المباشرة على الفكر.
إن وجود النسيج الاجتماعي بمختلف طبقاته، وبكل تفاعلاته، في الثورات العربية غيّب عملية الحسم باتجاهات سياسية واقتصادية واضحة، وجعل بوصلة التغيير رجراجة . وبالمثل فإن تزاحم التيارات السياسية المختلفة وتسابقها للوصول إلى قبة البرلمان، وسدة الرئاسة، والكثافة الأفقية والرأسية للتوجهات السياسية، من شأنها ألا تجعل أي جهة بمفردها قادرة على الاستئثار بالسلطة، وتطبيق برنامجها السياسي، وفقاً لمفهوم تداول السلطة، وسوف يقتصر دورها في أحسن الأحوال على دور الشريك الرئيسي، وليس الأوحد.
 إن أفضل ما يمكن الوصول إليه في ظل هذا الواقع، هو تحقيق ائتلافات سياسية مرحلية، بين توجهات ورؤى متنافرة، تصل إلى الحكم عبر مساومات تأخذ من حصة برامج كل منها، بحيث لا يبقى في النهاية سوى القليل من المشتركات. وفي النهاية لن يبقى أمامنا سوى لوحة رمادية تتجاذبها أطراف الحكم يمنة ويسرة، ولن يكون بمقدورها تلبية طموحات وآمال الكتل العريضة التي خرجت للشارع في تحقيق التقدم والنماء والنهضة.
على الصعيد الشعبي، أمامنا في بلدان الثورات العربية لوحات سيريالية زاهية، مشبعة بالرجاء والأمل، تحوي كل شيء، وتفتقر إلى الإجابة عن أبسط الأشياء. ما هو على سبيل المثال موقف الثورات العربية من موضوع الهوية؟ وكيف تصنف ذاتها، حين يتعلق الأمر بالمجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟ أسئلة غيبت بقصد أو غير قصد. ذلك أمر يصعب الجزم في الإجابة عنه الآن. ربما رأى الثائرون في طرح هذه الأسئلة تفويتاً لفرصة تاريخية، مهمتها الإطاحة برؤوس الأنظمة السياسية القائمة، وتأجيل ما بعد ذلك إلى حين إنجاز هذه المهمة العاجلة. وربما بسبب من غياب التجربة السياسية، فاتهم طرح الأسئلة، أو رأوا أن تحقيق الحرية هو المدخل الرئيسي لإنجاز بقية المهمات.
هذه الحقائق تفرض واقعاً جديداً مرحلياً، على حركة الاحتجاجات السياسية، هو القبول ببرنامج الحد الأدنى، الذي يستطيع جمع كل الأطراف تحت خيمته. لكن هذه بالتأكيد ليست مهمة مشروع النهضة. فهذا المشروع مهمته الغوص في التفاصيل، وتحديد برنامج استشرافي عملي وفكري متكامل يتجه بقوة نحو المستقبل.
ملء الفراغ، في مشروع النهضة، الذي كشف عنه الغياب شبه الكامل للشعارات القومية، بموسم الثورات العربية، لا يتحقق بشكل انفعالي، ينطلق من الافتتان بما جرى، من دون وعي بالثغرات الكبيرة التي صاحبت التحولات الملحمية الكبرى في الواقع العربي. فما يجري الآن من أزمات سياسية واقتصادية في بلدان الثورات العربية، هو وجه آخر، لعجز الحركات الاحتجاجية الشبابية، عن اقتناص طبيعة اللحظة، وتقديم أجوبة عملية عما ينبغي القيام به بعد تحقيق النصر المؤزر.
غابت شعارات كثيرة حركت الوجدان لعقود طويلة، كتحرير فلسطين وعروبة الخليج ونفط العرب للعرب، والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية. وحلّت محلها شعارات أخرى، حركت الشارع العربي، ودفعت به لميادين الكفاح. ماذا يعني ذلك لحركة النهضة؟ هل هي نهاية للشعارات التي صنعت تاريخ الأمة؟ أم هي حالة كمون واختمار، تعود بعدها تلك الشعارات، بقوة ولكن بأشكال جديدة؟ وهل على مشروع النهضة أن ينتظر الإجابة ضمن سياقات تاريخية جديدة؟ أم الاضطلاع بصياغة هذه السياقات وتوجيه حركتها؟
الذي يجيب على ذلك، سلباً إو إيجاباً، هو وعي الظروف التي أدت إلى بروز أفكار التحرر والحرية والعدالة والوحدة، وخضوعها لجدل الوحدة والترابط، ووضعها في سياق ديالكتيكي، يرفض تحويل التاريخ إلى “دوغما” من جهة، ويأبى من جهة أخرى أن يتجه التاريخ إلى نوع من العدمية.
إن هناك جوانب إيجابية كثيرة ينبغي على القوميين أن يضعوها بعين الاعتبار، في مقدمتها أن الاستبداد صنو للتجزئة، ومعاد للوحدة. وأن الوحدة مطلب شعبي، تتعزز وتصبح أقرب للتحقق في ظل النظام الديمقراطي. إن الحماة الحقيقيون للوحدة هم الغالبية التظمى من الجماهير. ذلك يعني أن بالقدر الذي تسهم فيه هذه الجماهير بصناعة القرار بالقدر الذي نقترب فيه من تحقيق حلم الوحجدة ونتمكن من صيانته.
خاتمة:
إن أي محاولة جدية للنهوض بالفكر القومي، تقتضي القيام بمراجعة نقدية للحركة والفكر القوميين، وإعادة قراءة مشاريع النهضة، بما يتسق مع التحولات الكونية، في مجالات السياسة والاقتصاد والعلوم والمعرفة. لا مناص من تحقيق اختراقات فكرية، ترفع الشأن الإنساني عاليا، وتنطلق من إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة، وبعث الروح للجعرافيا إعادة  وأن يعاد للفكر القومي ألقه، بتجديده. لابد من تجاوز واقع الحال، بتحقيق اختراقات فكرية، وإعادة تركيب وترتيب صياغة جديدة للمفاهيم، وتجاوز مغاليق العمل القومي، قبل الولوج في صياغة برنامج عملي لانطلاق هذا الفكر.