www.arabnc.org
الاستقلال الوطني والقومي 28البرنامج النهائي 28المشاركون في الدورة 28البيان الصحفي للدورة 28مبادرات ومواقف المؤتمر 10 نيسان 2016 - 8 أيار 2017المشهد السياسي 28الديمقراطية وحقوق الإنسان 28العدالة الاجتماعية 28التنمية المستقلة 28التجدد الحضاري 28أمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلامالبيان الختامي للدورة 26
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
التعاون الاقتصادي العربي 2008 ((التعاون الاقتصاد العربي 2008))

المؤتمر التاسع عشر
 10 - 13 أيار/مايو 2008
  صنعاء - الجمهورية اليمنية
 

التعاون الاقتصادي العربي: آفاق مستقبلية**
إعداد: د. زياد حافظ *

* خبير اقتصادي، أستاذ جامعي
** لا تعبر هذه الورقة بالضرورة عن رأي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.
*** لا يجوز نشر هذه الورقة كلا أو جزءا الا بموافقة تحريرية من إدارة المؤتمر.


مقدمة
من المفروض أن تعقد في مطلع السنة القادمة 2009 في الكويت "القمة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية العربية". ومن الطبيعي أن تتناول هذه القمة مسألة التعاون الاقتصادي العربي وأن تبحث في آليات دفعه وتطويره. وفي إطار التحضيرات لعقد هذه القمة عقدت في القاهرة في نيسان/أبريل 2008 حلقة نقاشية موسعة لبلورة برامج وآليات تسهم في تعزيز وتفعيل الإستراتيجيات الشاملة ومنها التعاون الاقتصادي التي تمّ الاتفاق عليها في قمم سابقة لدول الجامعة العربية وخاصة تلك التي عقدت في الرياض عام 2007
ويعود انعقاد القمة العربية الاقتصادية إلى عام 1980 التي استضافتها العاصمة الأردنية تمّ خلالها تحديد فترة زمنية (1980-2000) لتنفيذ الإستراتيجية والعمل بموجبها. وهناك من يدعو مجددا إلى إعادة قراءة تلك الإستراتيجية لأنها ما زالت صالحة حسب أصحاب ذلك الرأي . جميع المداخلات التي قدمت في تلك الندوة كررت مقولات سابقة لم تضيف أي شيء جديد إلى البحث. فالكلمة الفاصلة ما زالت في رأيي ما استفاض بها الاقتصادي الراحل الدكتور محمّد لبيب شقير في مؤلّفه الموسوعة عن الوحدة الاقتصادية . فبرغم مرور أكثر من عشرين عام على صدور المؤلّف إلا أن حيثيات التحليل والمنهج المتبع والخلاصات التي وصل إليها الدكتور شقير ما زالت صالحة حتّى هذه الساعة وبالتالي لا داعي إلى تكرارها هنا.
غير أنّه من المفيد التشديد أن البطء الملحوظ في تحقيق التعاون الاقتصادي يعود إلى سببين رئيسيين أتى الدكتور شقير على ذكر إحداهما بشكل مستفيض ألا وهو غياب القرار السياسي. أما السبب الثاني الذي لم يذكره بشكل مسهب وممنهج هو تركيبة الاقتصاد في كلّ من الأقطار العربية وعلاقة تلك البنية بالنظام السياسي المعمول. وستتناول هذه الورقة السبب الثاني بشكل مفصل لما يمكن وصفه بالجديد في التحليل عن غياب التعاون الاقتصادي العربي أو على الأقل البطء في الأداء في تحقيقه.

المداخل المتبعة لتحقيق التعاون الاقتصادي

حدد الدكتور شقير المداخل لتحقيق التجمّع الاقتصادي العربي (وهذا تعبير أعمق من التعاون الاقتصادي لأنه هادف إلى تحقيق وحدة اقتصادية وتكامل بين الأقطار العربية بينما التعاون هو تعبير عن الحدّ الأدنى الذي وصل إليه الواقع العربي). وهذه المداخل أستذكرها لأنها ما زالت المدخل الصحيح لكافة المجهود المطلوب لتحقيق "التعاون" أو "التجمّع الاقتصادي من أجل الوحدة". هذه المداخل هي:
أولا- مدخل تحرير التجارة أو المدخل التبادلي الكامل.
ثانيا- مدخل تشجيع انتقال رؤوس الأموال وتسهيله.
ثالثا- مدخل الانتقال التلقائي لقوى العاملة العربية داخل الوطن العربي.
رابعا- مدخل التخطيط الإنمائي.
خامسا- مدخل المشروعات العربية المشتركة.
سادسا- مدخل التنسيق القطاعي
سابعا- مدخل التنسيق في مواجهة الاقتصاد الدولي.
ويؤكّد الدكتور شقير أن "المداخل الأربعة الأولى مداخل كلية وشاملة، لأنها تتوجه إلى اقتصاد كلّ قطر عربي في مجموعه بوسائل وأدوات يقصد بها التأثير على آليات التطور في مختلف جوانب هذا الاقتصاد، بما يؤدي في النهاية إلى تكامله مع اقتصادات الأقطار الأخرى. أما المداخل الثلاثة الأخيرة، فإنها غير كلية، لأنها تصبّ على قطاع أو مجال محدد من قطاعات كلّ قطر ومجالاته واقتصاداته، أو من مجالات سياسته الاقتصادية، أو من مجالات علاقته مع الخارج"
في هذه الفقرة لخّص الدكتور شقير كافة أبعاد التعاون الاقتصادي والتي يمكن من خلالها استشراف الأسباب التي أدّت إلى تباطئه أو غيابه.

أسباب التباطؤ أو الغياب في التعاون الاقتصادي العربي.

هناك شبه إجماع أن السبب الرئيسي إن لم يكن الوحيد في التباطؤ أو الغياب في التعاون الاقتصادي هو غياب القرار السياسي. لكن ما لم أجده في أدبيات التعاون أو إخفاقاته هو لماذا يغيب القرار السياسي عن الدفع في سبيل التعاون الاقتصادي العربي؟

أ‌- الضغط الخارجي

بعض الإجابات اعتبرت أن الضغط الخارجي عامل أساسي في فرض الغياب حيث مصلحة الغرب والكيان الصهيوني كانت وما زالت الدفع إلى المزيد من التفكيك للروابط القومية العربية بين الأقطار وداخل الأقطار. ولا يجب أن يغيب عن بال أي عربي أن الغرب يعمل منذ أكثر من مائة وخمسين عام على تفكيك المنطقة وخلق كيانات خاضعة له بشكل مباشر إذا أمكن وبالتالي كانت اتفاقيات سياكس بيكو لتكرس تقسيم المنطقة. وبالتالي لا يمكن أن يقبل ولن يقبل على حتّى الحدّ الأدنى من التعاون العربي تجلى مؤخرا في انقسامات حادة داخل قمة رؤوساء الدول العربية وخارجها. وإذا لم يغب عن بال الغرب أن الميل الحالي لاقتصادات العالم هو نحو التجمّع فالتجمّع العربي محظور ولا بدّ من فرض بدائل تدفع نحو التفتيت بدل من التوحيد. هذه البدائل هي مشاريع الشراكة الثنائية بين قطر عربي وتكتل خارجي كالشراكة مع الاتحاد الأوروبي أو مشاريع أكثر شمولة كالأورومتوسطية أو مشروع الشرق الأوسط الكبير بكافة طبعاته المنقحة من نسخة شمعون بيريس إلى مشروع جورج بوش الأبن.
هدف هذه المشاريع هو ربط القرار الاقتصادي السياسي للقطر العربي بمرجعيّة خارجية حيث شروط تحقيق "الشراكة" تفرض التزامات على القطر العربي ليست بالضرورة لمصلحة تنمية القطر على الأقل لمصلحة الشعوب وإن كانت مصلحة النظام والمجموعات والنخب الحاكمة محفوظة من قبل أرباب "الشراكة". وأشير في هذا السياق كيف يتعامل الاتحاد الأوروبي مع تركيا أو كيف يحاول الاتحاد الأوروبي فرض شروط سياسية على سوريا لتنفيذ وعود سابقة في تحقيق الشراكة المزعومة. وبغض النظر عن تحقيق أو عدم تحقيق مختلف الشروط يمكننا أن نتساءل حول جدوى تلك الشراكة بين فريقين غير متكافئين في الاقتصاد والأداء؟ فكيف يمكن أن تتمّ شراكة بين طرفين مختلفين كليا سواء في البنية الاقتصادية أو الأداء الاقتصادي أو الإنتاج الكمي والنوعي أو الذهنية المتحكمة أو في اللغة والثقافة أو في الأهداف؟ من ناحية أخرى هناك من يتبرّع من بين النخب العربية في تبرير عدم التعاون بين الأقطار العربية بسبب الاختلاف في النظام الاقتصادي وأو السياسي ولا يرى أي حرج من الدخول في "الشراكة" مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الذي يختلف معه كليا!
ومن النماذج الأولية لتلك الشراكة الاستدانة من المصارف الدولية التابعة لمراكز القرار الدولي لتمويل مشاريع ذي طابع تنموي في الظاهر وذي مغزى سياسي في الجوهر. وهناك دراسات أعدت من قبل باحثين أجانب تبيّن كيف تمّ تجنيد النخب الحاكمة والمقربة من النظم الحاكمة في الدول النامية لتشجيعهم على الاستدانة لتمويل مشاريع موصوفة بالتنمية والتي تفوق قدرة الدولة المستدينة على تسديد الدين فتصبح النظم والنخب الحاكمة في الدول النامية مرتبطة عضويا بمراكز القرار الخارجية ومجبرة على تقديم "الخدمات" السياسية والأمنية ناهيك عن نهب الثروات لمصلحة مراكز القرار . ويستفيض المؤلّف في كتاب لاحق حول إدخال الفساد في بنية القرار السياسي للدول النامية بتشجيع من المؤسسات الدولية والحكومات الغربية وإن ادّعت العكس .
أعتقد إذا أنّه من الضروري التحضير لورشة عمل للبحث في آليات الضغط الخارجي على إفشال مشاريع التجمّع الاقتصادي.

ب- المصالح الخاصة للنخب الحاكمة العربية والمقرّبة منها

إن ارتباط الاقتصاد العربي مع مراكز القرار الدولي لا يمكن أن يتمّ إلا بواسطة مجموعات نافذة في الحكم وفي البيئة المسيطرة التي تشكل بنية النظام السياسي القائم في كلّ قطر من الوطن العربي. وذلك الارتباط يأتي عبر ترويج ثقافة تحرير التبادل التجاري بين القطر العربي ومركز القرار الغربي الخارجي سواء كان أميركيا أو أوروبيا. وبما أن عدم التكافؤ قائم بين القطر العربي ومركز القرار الخارجي فلا بدّ من أن يصبح ميزان التبادل التجاري لمصلة مركز القرار. ولترويج تلك ثقافة تحرير التبادل التجاري تعتمد المؤسسات النافذة في مركز القرار سياسة توزيع الوكالات الحصرية للتمثيل التجاري للمصالح الخارجية. وبذلك تصبح النخب الحاكمة أو المقربة منها المستفيدة من تلك الوكالات الحصرية التي تفي بالغرض المطلوب خارجية وتنتج ريعا داخلية دون مجهود يذكر يحفّز تلك النخب على التصدي لكافة المشاريع التعاونية العربية التي قد تصطدم مع المصالح الخارجية.
من جهة أخرى لا يمكن تجاهل الأنانيات الخاصة بين تلك النخب وتنافسها عربيا على الحصول على أكبر عدد من الوكالات الأجنبية وعلى حساب المصالح العربية. من هذا المنطلق يمكن فهم أبعاد سياسة "الانفتاج الاقتصادي" التي تمّ ترويجها منذ مطلع السبعينيّات من القرن الماضي والتي أدّت إلى تفتيت البنية الإنتاجية للاقتصاد العربي تحت حجة "تحرير" الاقتصاد من قبضة الدولة غير الكفؤة والمهدرة للموارد الوطنية. وبعد ما يقارب أربعة عقود يمكن القول أن سياسة "الانفتاح" أدّت إلى الانكشاف الخارجي للقطر العربي والتبعية لمركز القرار الخارجي. فبعض الدول في منطقة المشرق العربي لا تستطيع الاستمرار إلا بالمساعدات الخارجية التي تأتي بشروط سياسية واقتصادية تتنافى مع مصلحة الشعوب العربية.
والمصالح الاقتصادية ليست محصورة بالوكالات الحصرية في التمثيل التجاري للسلع والخدمات الأجنبية المستوردة. فشبكة المصالح متعددة ومتشعبة ومبنية على الحماية السياسية والاقتصادية التي تمنحها الدولة للمقربين منها وفقا لتراتبية في القربة. هذه المصالح في كلّ قطر تتناقض مع المصالح المماثلة في قطر آخر إذا ما كان هناك من تباين سياسي بين النخب الحاكمة لتلك الأقطار.

ج- البنية الاقتصادية العربية سبب غياب القرار السياسي

جاء في تقرير التنمية البشرية الذي أعدّه برنامج التنمية للأمم المتحدة عام 2002 والذي أثار ضجة كبيرة بين النخب العربية أن ضعف الأداء الاقتصادي العربي يعود إلى البنية الاقتصادية القائمة في الأقطار العربية وبغض النظر عن الضجة الإعلامية والانتقادات التي وجهت للتقرير إلا أن هناك حقائق لا يمكن تجاهلها. فمن هذه الحقائق ضعف التبادل التجاري بين الأقطار العربية والقيود على حركة العمل ورؤؤس الأموال العربية وبنية الاقتصاد العربي التي يهيمن عليها الطابع الريعي وليس الطابع الإنتاجي.
وهنا بيت القصيد. فالهيمنة الريعية على الاقتصاد العربي يكبّل الإرادات السياسية إذا وجدت بل يلغيها أيضا. فالاقتصاد الريعي يتجاهل المنتوج العائد من القدرة الإنتاجية بل يتجاهل ثقافة الإنتاج. فالنشاط الاقتصادي القائم في معظم الدول العربية مبني على تدوير الفوائض المالية (الذي يطغي الطابع الريعي عليها) وبالتالي تنسد الإمكانيات للتعاون. والضئيل التعاوني الذي يحصل بين وقت وآخر هو ضمن الحدود التي لا تهدد بنية وطبيعة الاقتصاد القائم. فالاقتصاد الريعي يتنافى مع المجهود وثقافة الإنتاج. وبالتالي شهدنا مجهود متعدد النواحي في تحرير التبادل التجاري وتسهيل تجارة الترانزيت بين الأقطار العربية. فالاتفاقات القائمة منذ 1953 ما زالت سارية المفعول ولم تنسحب منها أي دولة عربية. ولكن رغم النصوص التي تقضي بتسهيل التبادل التجاري بغية التعاون والتكامل كما يتضح من الديباجات لتلك الاتّفاقات غير أن نسبة التبادل التجاري بين الدول العربية ما زالت دون العشرين بالمائة من حجم التجارة العربية مع العالم.
ولكن لا بدّ هنا من الإشارة أن رغم كلّ ذلك فإن نمط من التعاون قد حصل بالفعل ويحصل بشكل متزايد وهو في حركة رؤوس الأموال العربية التي أصبحت تنتقل بسهولة أكبر بين الأقطار العربية. فالانفتاح على الاستثمار في معظم الدول أدى إلى تزايد في الحركة الاستثمارية العربية بين الأقطار العربية وإن كانت نسبة تلك الاستثمارات لمجمل الاستثمارات العربية خارج الوطن العربي صغيرة. وتقدّر الاستثمارات العرابية من ودائع واستثمارات مباشرة خارج الوطن العربي بأكثر من ثلاثة آلاف مليار دولار بينما الاستثمارا العربية في الوطن العربي لم تتجاوز خمس مائة مليار دولار معظمها في قطاع الطاقة. وهذه الاستثمارات العربية (خارج قطاع الطاقة) محصورة في قطاعات غير منتجة كالاستثمار العقاري بكافة أشكاله (فنادق ومنتجعات ومراكز تجارية) أي استثمارات لا تؤدي إلى التراكم الرأس المالي. كما إنَّ الطابع الأساسي لهذه الاستثمارات هو الريع الذي يبقي الاقتصاد القطري منكشفا وتابعا لمراكز قرار خارجية. فالاستثمارات المطلوبة هي للقطاعات الإنتاجية من السلع وحتّى من الخدمات التي تأتي بقيمة مضافة متزايدة. فعلى سبيل المثال وليس الحصر إن الاستثمار في قطاعات المعرفة العلمية هي التي ستوّلد القيمة المضافة. وأريد أن أذكّر أن أساس الثروة في التاريخ الاقتصادي لدول الغرب كان ملكية الأرض في القرن الثامن والتاسع عشر بينما أصبح الرأس المال مصدر الثروة في القرن العشرين. أما في قرن الواحد وعشرين فإن مصدر الثروة هو المعرفة وأساس المعرفة هو العلم. إن حجم الاستثمارات العربية في البحوث العلمية ضئيل جدا إن لم يكن غائبا. ويشير الدكتور أنطوان زحلان في مؤلّفاته العديدة على ضرورة السيطرة على المعرفة. حتّى الآن مازال التعاون في البحث العلمي بين الأقطار العربية وحتّى الخارجية محدود للغاية إن لم نقل معدوما!
الوجه الآخر لحركة رؤوس الأموال العربية هي الاستثمار في المؤسسات المالية القائمة وخاصة تلك الاستثمارات التي مصدرها الريع النفطي. والقطاع المالي العربي بشكل عام مولج بتدوير الفوائض المالية الناتجة عن الريع النفطي. وهنا أيضا شكوك في جدوى تلك الاستثمارات التي لا تساهم في تكوين الرأس المال أو الزيادة في القيمة المضافة للنشاط الاقتصادي.
أما غياب الإنتاج أو ضحالته في البنية الاقتصادية فيقلل من حوافز التصدير للأقطار المجاورة ويغيّب عامل التنافس الذي يدفع إلى زيادة الإنتاجية. وبالتالي مسببات التعاون الاقتصادي تصبح شبه مفقودة.
وثقافة الريع متجذّرة في تراثنا الثقافي والحضاري. فالتاريخ الاقتصادي للدولة العربية الإسلامية مبني على ثقافة الريع الناتج عن الغنيمة: غنيمة الغزو وغنيمة الفتوحات يقول الاقتصادي الجزائري أحمد حنّي أن مصدر الثروة عند العرب آت من التبادل التجاري ومن الغنيمة . من هنا نفهم ضيق الأفاق للتبادل التجاري العربي لضعف قاعدة الإنتاج القابلة للتبادل. أما مجهود الإنتاج فهو من مسؤولية الآخر. لذلك نرى الدول العربية التي يشكل الريع النفطي المورد الأساسي في دخلها لا تنتج والقليل الذي تنتجه يعود إلى مجهود العمالة الوافدة. فصاحب الريع لا يرى من أي مبرر للعمل طالما يستطيع أن يوظّف من يقوم بالعمل نيابة عنه!

وهناك عامل آخر يفسّر غياب القرار السياسي عن دفع وتيرة التعاون والتجمّع وهو ناتج مباشرة عن ثقافة الريع وثقافة عدم الجهد ألا وهو الخوف من الحرية. فالحرية أساس في التبادل وخاصة في حركة اليد العاملة. وبما أن عددأ من الأقطار العربية تفتقر إلى يدّ عاملة وطنية فتلجاء إلى استيرادها للقيام بالمجهود غير أنّها تفرض عليها شتى أنواع القيود من القيد على حرية التعبير أو الاجتماع والحركة المنظمة. فالنظم الأمنية هي التي تسيطر على عقول أهل الريع والاحتكاك بالآخر خاصة إن كان أخا عربيا يحمل في طياته من المخاطر التي تأتي بها رياح الحرية. فالتبادل يؤدي إلى المعرفة والحرية والأخيرة تؤدي إلى المسائلة وهذا ما لا تريده الأنظمة الريعية.

آفاق التعاون العربي

بناء على ما سبق فإن العمل التعاوني العربي مازال محدود الآفاق بسبب بنية الاقتصاد العربي الذي يرتكز على توزيع الريع بدلا من إنتاج الثروة وبالتالي يغيّب القرار السياسي لدفع المزيد من التعاون. لكن وللأنصاف لا بدّ من الإقرار بأن الجهود المشتركة لم تتوقف لإقامة نوع من التجمّع الاقتصادي بين الأقطار العربية. فكمية القرارات التي صدرت والتزايد في الأجهزة المؤسسة التي أنشئت للإشراف على التجمّع الاقتصادي ما زالت مستمرة . لكن العبرة كانت وما زالت في التطبيق وترجمة العمل القانوني والمؤسسي إلى واقع متجذر في البنية الاقتصادية العربية. ومن المعالم المشرقة ما تّم إنجازه في دول مجلس التعاون العربي وإن كانت اقتصادات تلك الدول مبنية على الريع المالي النفطي كما أشار إليه الدكتور خير الدين حسيب في افتتاحية بمناسبة مرور خمسين سنة على الوحدة بين مصر وسوريا . كما لا بدّ من الإشارة إلى المؤسسات التي تمّ إنشائها كالصناديق الإنمائية العربية أي كلّ من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي (1967) وصندوق النقد العربي (1976). أما الصناديق الوطنية فهي الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية (1961) وصندوق أبو ظبي للتنمية (1974) وإن كانت قطرية أساسا فإن مداخلاتها الإٌنمائية تؤثر إيجابا على شدّ أواصر التعاون العربي . أضف إلى ذلك ما يعرف اليوم بالصناديق المالية السيادية التي أصبحت لاعبا أساسيا في الحقل الاستثماري العالمي. ولعل أهم ما يميّز هذه الصناديق هو رسملتها بصورة تسمح لها بالقيام بالعمل المنوط بها بصورة فاعلة. وهذه الصناديق تستطيع أن تساهم في رأس مال المشاريع العربية المشتركة كمشاريع الطاقة أو مشاريع بنيوية مشتركة كربط شبكات الكهرباء بعضها ببعض.
في هذا السياق لا بدّ من الإشارة إلى الضغوط التي تتعرض إليها تلك الصناديق المالية من قبل مسؤولي الإدارة الأميركية التي تريد فرض الهيمنة والسيطرة على قرارات الاستثمار لتلك الصناديق. فهي تدعو من جهة لتوظيف الفوائض النفطية في الاقتصاد الأميركي تعويما له كما تدعو إلى إخضاع تلك الصناديق إلى إشراف المؤسسات الدولية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة كصندوق النقد الدولي ومجموعة مؤسسات البنك الدولي حتّى تراقب مسار تلك الاستثمارات بما يتلاءم مع مصالح الولايات المتحدة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو مالية.
هذه المؤسسات الاقتصادية التي أنشئت مهمة للغاية. فهي "أدت وتؤدي دورا بارزا في خدمة الاقتصاد العربي والتعاون العربي المشترك" . إضافة إلى المؤسسات المذكورة سابقا أضيف المؤسسة العربية لضمان الاستثمار ومجموعة غير قليلة من الشركات العربية المشتركة سواء في بعض القطاعات الإنتاجية أو المالية والمصرفية. ويؤكّد تقرير التنمية الإنسانية العربي أن الصناديق تمكنت "من تحقيق قدر من النجاح، وترسيخ وجودها على الساحتين العربية والدولية" وتعود هذه النجاحات إلى ارتباط مسهاهمات ومداخلات تلك الصناديق باحتياجات الدول المستفيدة
إن زيادة الاهتمام بالمشروعات العربية المشتركة هن نتيجة قدرتها على خلق المصالح الاقتصادية المتشابكة بين الدول. ولكن مهما تزايدت تلك الاهتمامات فالمصالح المشتركة ما زالت ضئيلة نسبيا مقارنة مع التوجهات القطرية الضيقة. وهذا هو التحدّي الذي يواجه التعاون العربي أي كسر الأنانية القطرية التي يتلازم مع البنية الريعية للاقتصاد القطري.
وأخيرا لا بدّ من ذكر دور الجمعيات الأهلية، "وظهور الجمعيات العربية المشتركة التي تتواكب مع مستجدات الانفتاح والتعددية وضغوط الرأي العام في الدول العربية"
ولا بدّ من تجاوز الخلافات السياسية العربية التي تساهم في تغييب القرار السياسي لدفع عجلة التعاون في كافة الميادين. هذه إحدى مهمات المؤتمر القومي بالتوجه إلى الحكومات العربية لحثها على بذل الجهود اللأزمة لحلّ الخلافات.