www.arabnc.org
الاستقلال الوطني والقومي 28البرنامج النهائي 28المشاركون في الدورة 28البيان الصحفي للدورة 28مبادرات ومواقف المؤتمر 10 نيسان 2016 - 8 أيار 2017المشهد السياسي 28الديمقراطية وحقوق الإنسان 28العدالة الاجتماعية 28التنمية المستقلة 28التجدد الحضاري 28أمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلامالبيان الختامي للدورة 26
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
المقاومة كخيار إستراتيجي للأمة: البُعد السياسي 2009 ((البعد السياسي 2009))

 المؤتمر العشرون
16 – 19 نيسان/ابريل 2009                                                        
     الخرطوم – السودان


المقاومة كخيار إستراتيجي للأمة: البُعد السياسي **
د. محمد السعيد إدريس *


* عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي، رئيس وحدة دراسات الخليج – رئيس وحدة دراسات الثورة المصرية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.
** لا تعبر هذه الورقة بالضرورة عن رأي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.
*** لا يجوز نشر هذه الورقة كلا أو جزءا إلا بموافقة تحريرية من إدارة المؤتمر.
 

المقاومة كخيار إستراتيجي للأمة
البُعد السياسي

 

المقاومة، كما تبدو فى هذه الأيام الصعبة من حياة الأمة العربية، أقرب إلى المزاج الشعبى الرافض بفطرته القبول بشرعية الاحتلال الأجنبى للأرض العربية وسيطرته على الإرادة السياسية للأمة وفرض خضوعها لمشروعه الإمبراطورى. هذا المزاج الشعبى يعبر أيضاً عن الرفض للحلول الاستسلامية المطروحة من جانب النظام الرسمى العربى فى تعامله مع التحديات التى تواجه الأمة والتى باتت تحمل اسم "السلام كخيار استراتيجى"، ورغم أن هذا المزاج الشعبى قد يفرض حالات من الرفض والاستنكار أو حتى المواجهة فى بعض الأحيان فى شكل انتفاضات شعبية، أو الانخراط فى قتال مسلح ضد الاحتلال، إلا أنه لا يوفر القاعدة الصلبة اللازمة لمواجهة كل التحديات، وهى القاعدة التى يصعب وجودها دون رؤية استراتيجية للمقاومة تتجاوز إغراء الاكتفاء بالمزاج الشعبى الرافض لكل أنواع القهر والإذلال والخضوع. وهذه الرؤية الاستراتيجية يجب أن تكون وليدة مشروع عربى للنهضة يجعل من المقاومة أداته الأساسية فى التعامل مع كل أنواع التحديات، خصوصاً وأن هذه التحديات لم تأت من فراغ ولكنها مجرد تعبير عن مشاريع متكاملة عالمية وإقليمية ومحلية.
فالضربات المتلاحقة هنا وهناك، فى فلسطين ثم الحروب التى عاشتها الأمة فى الخمسينيات والستينيات (العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، وعدوان يونيو/حزيران 1967)، وسلسلة مترابطة من المؤامرات والحروب السياسية والاقتصادية والإعلامية، ثم الحرب على لبنان واجتياحه عام 1982 ثم احتلاله، والحرب على العراق وتدميره واحتلاله، والآن الحرب على الدولة العربية لتفتيتها وإعادة تقسيمها والمجتمع العربى والنظام العربى لتفكيكه، وفرض الحروب الطائفية والعرقية والسعى لتمزيق الوحدة الوطنية لدول عربية، كلها معارك وحروب مترابطة وتعبر عن مشروع استعمارى غربى – صهيونى هدفه فرض السيطرة الكاملة على الوطن العربى والحيلولة دون وحدته ونهضته وامتلاكه مجدداً القدرة على الظهور كطرف عالمى قادر على الفعل والمشاركة فى القرار الدولى.

أولاً: حروب المشروعات
فى عام 1905 كتب نجيب عازورى فى كتابه (يقظة العرب): "هناك حادثان هامان من طبيعة واحدة، ولكنهما متعارضان، وهما يقظة الأمة العربية، والجهد اليهودى الخفى لإنشاء "إسرائيل" القديمة من جديد وعلى مقياس أوسع، إن مصير هاتين الحركتين هو الصراع المستمر إلى أن تغلب إحداهما الأخرى".
هكذا، الصراع المستمر، والصراع هو مزيج من الحروب والمقاومة والمواجهة، وامتلاك القدرات بين هذين المشروعين إلى أن يتغلب أحدهما على الآخر، بدافع من خصوصية هذا الصراع باعتباره ليس مجرد خلاف فى الرأى أو حتى فى المصالح بقدر ما هو صراع حول الوجود ذاته.
هذا الوعى المبكر الذى كشف عنه نجيب عازورى لم يأت من فراغ، ولكنه تولد من إدراك لواقع كان يتشكل منذ منتصف القرن التاسع عشر (1850) عندما ظهر مصطلح "الشرق الأدنى" الذى سبق ظهور مصطلح "الشرق الأوسط"، ليس كمجرد مصطلح سياسى أو جغرافى ولكنه كان يعكس مفاهيم محددة لمشروع استعمارى استهدف المناطق التى استوعبها وخاصة تركيا وسوريا وفلسطين ولبنان ومصر وجزيرة قبرص، وهى المناطق التى كانت تشملها أغلب أجزاء الإمبراطورية العثمانية، وظهر هذا المصطلح ليعبر عن مشروع يستهدف الاستحواذ على هذه المناطق ضمن مخطط تفكيك الإمبراطورية العثمانية.
وعلى السياق نفسه تطور مفهوم الشرق الأوسط ليعبر عن مشروع استعمارى تزامن أو توافق مع ظهور الصهيونية كحركة سياسية عالمية منظمة، ويشمل منطقة تشكل امتداداً للشرقين الأدنى والأقصى وهى أغنى المناطق فى العالم بالنفط والمعادن وتتمتع بمركز استراتيجى هام بين القارات الثلاث: أوروبا وآسيا وأفريقيا، وتشمل بلدان شبه الجزيرة العربية والعراق وإيران وأفغانستان إضافة إلى كل المشرق العربى ومصر، وهو بهذا المعنى أضاف دولاً إلى العالم العربى، واستبعد دولاً عربية، ولم يكن ذلك محض استبعاد أو ضم جغرافى ولكنه كان لصيقاً بـ "حرب الهويات" التى باتت تمثل عصب فكرة احتواء "المشروع العربى" وتفكيكه.
فبعد مرور مئة عام على مجئ الحملة الفرنسية إلى مصر والشام 1798، وتحديداً عام 1897، وفى مدينة (بازل) بسويسرا؛ انعقد المؤتمر الصهيونى الأول برئاسة ثيودور هرتزل، وكانت خيوط المؤامرة تحاك ضد الأمة العربية والإسلامية فى غفلة منها، حيث تم خلال هذا المؤتمر تحديد معالم وقسمات الحركة الصهيونية وأهدافها، وفى الوقت ذاته تم خلال المؤتمر أيضاً توثيق عرى التحالف بين المخططات اليهودية والمخططات الاستعمارية، وهو التحالف الذى أسفر عن تزاوج غير شرعى بين المشروع الغربى الاستعمارى والمشروع الصهيونى ضد الأمة العربية، وتمخض عن ولادة دولة (إسرائيل) واحتضانها بالرعاية والمساندة والتأييد حتى الآن، حيث اقتنعت الدول الاستعمارية آنذاك بضرورة إجراء تغييرات على أسلوبها الاستعمارى القائم على الغزو العسكرى الذى ثبت فشله، إلى أسلوب آخر غير تقليدى، ومن ثم فقد تبنى المشاركون فى المؤتمر وجهة نظر ثيودور هرتزل وخطته التى كانت تقوم على زرع دولة قوية وغريبة فى المنطقة العربية – وهى "إسرائيل" – حتى تصبح عضواً من أعضاء الأسرة الإقليمية، وفى الوقت ذاته تكون أداة فى يد الاستعمار، وقد خطط هرتزل لكى تقوم هذه الدولة على جثة الشعب الفلسطينى وذلك حينما نادى بإقامة "دولة لشعب بلا أرض فى أرض بلا شعب".
ومن ثم فقد التقى الفكر اليهودى مع الفكر الاستعمارى، وقد وجد الغرب ضالته فى هذا الاقتراح لأنه كان يهدف إلى إقامة دولة تكون بمثابة قاعدة سياسية واقتصادية يحقق بها مصالحه السياسية والاقتصادية، وتعمل هذه الدولة على إبقاء حالة التخلف فى العالم العربى، وتحول دون قيام دولة عربية أو إسلامية موحدة، وتفتيت العالم العربى والإسلامى إلى وحدات صغيرة، فضلاً عن خلق صور وأشكال عديدة من التناقضات والخلافات البينية داخل علاقات هذه الدول. ومنذ ذلك الحين تكاتفت القوى الاستعمارية فيما بينها – لأسباب ودوافع مختلفة – لكى تقام دولة "إسرائيل" على أنقاض الشعب الفلسطينى.
وقد تأكد هذا التكاتف فى المقررات التى صدرت عن المؤتمر الاستعمارى الذى نظمه حزب المحافظين البريطانى سراً تحت رعاية وإشراف وزير المستعمرات كامبل بنرمان عام 1905 وامتد هذا المؤتمر الذى عرف باسم "مؤتمر كامبل بنرمان"، حتى عام 1907 بمشاركة دول أوروبية عديدة هى: بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وأسبانيا وإيطاليا، وصدرت عنه وثيقة شديدة الخطورة والأهمية حملت اسم "وثيقة كامبل بنرمان" الذى أصبح رئيساً للوزراء وقت صدور هذه الوثيقة التى جاءت متطابقة تماماً مع مقررات مؤتمر بازل الصهيونى ومع ما كتبه ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية العالمية عام 1897 فى يومياته بقوله: "يجب قيام كومنولث شرق أوسطى يكون لدولة اليهود فيه شأن قيادى فاعل، ودور اقتصادى وتكون المركز لجلب الاستثمارات والبحث العلمى والخبرة الفنية". فقد نصت "وثيقة كامبل بنرمان" على الخلاصة التالية:
"إن البحر المتوسط هو الشريان الحيوى للاستعمار لأنه الجسر الذى يصل الشرق بالغرب، والممر الطبيعى إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم، وأيضاً هو مهد الأديان والحضارات". والإشكالية فى هذا الشريان كما جاء فى نص الوثيقة هى أنه "يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان"، ولحل هذه الإشكالية التى اعتبرها المشاركون فى هذا المؤتمر مصدر التهديد الأهم للغرب ولمشروعه الاستعمارى تم التوصل إلى مجموعة من المهام أو سياسات المواجهة التى تم دمجها فى سياستين رئيسيتين:
السياسة الأولى: إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة وعلى هذا الأساس قاموا بتقسيم دول العالم بالنسبة إليهم إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى: دول الحضارة الغربية المسيحية (دول أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا) والواجب تجاه هذه الدول هو دعم هذه الدول مادياً وتقنياً لتصل إلى مستوى تلك الدول.
الفئة الثانية: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ولكن لا يوجد تصادم حضارى معها ولا تشكل تهديداً عليها (كدول أمريكا الجنوبية واليابان وكوريا وغيرها) والواجب تجاه هذه الدول هو احتواؤها وإمكانية دعمها بالقدر الذى لا يشكل تهديداً عليها وعلى تفوقها.
الفئة الثالثة: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ويوجد تصادم حضارى معها وتشكل تهديداً لتفوقها (وهى بالتحديد الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام) والواجب تجاه تلك الدول هو حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية وعدم دعمها فى هذا المجال ومحاربة أى اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية.
السياسة الثانية: محاربة أى توجه وحدوى فيها، ولتحقيق ذلك دعا المؤتمر إلى إقامة دولة فى فلسطين تكون بمثابة حاجز بشرى قوى وغريب ومعادى يفصل القسم الأفريقى من هذه المنطقة عن القسم الآسيوى والذى يحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب واعتبار قناة السويس قوة صديقة للتدخل الأجنبى وأداة معادية لسكان المنطقة. وهكذا فإن فرض التخلف الدائم وحجب العلم عن هذا "الشعب الواحد صاحب التاريخ الواحد والدين الواحد واللسان الواحد" والعمل على فرض التجزئة والتقسيم عليه والحيلولة دون وحدته هو الهدف الاستراتيجى للمشروع الإمبريالى الغربى، وجاءت التطورات المتلاحقة بهدف تنفيذ هاتين السياستين والتى وجدت من الحربين العالميتين الأولى والثانية الفرص المناسبة لتحقيقها.
كانت البداية بفرض الاستعمار الغربى على معظم الدول العربية، وتصفية الإمبراطورية العثمانية، وتقسيم الوطن العربى إلى دويلات مفعمة بكل أسباب التوتر وعدم الاستقرار(العرقية والطائفية)، وافتعال أزمات الحدود، عبر اتفاقية سايكس - بيكو ومن بعدها وعد بلفور الذى وضع اللبنات الأولى للدولة الصهيونية فى الرسالة التى بعث بها المستر بلفور وزير خارجية بريطانيا فى 2 نوفمبر/ تشرين الثانى عام 1917 إلى اللورد روتشيلد ممثل الاتحاد الصهيونى وجاء فيها: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومى فى فلسطين للشعب اليهودى، وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف". ومنذ هذا التاريخ بدأ المشروع الصهيونى فى لقائه بالمشروع الاستعمارى الغربى يروج لمصطلح الشرق الأوسط كبديل للوطن الواحد والشعب الواحد والأمة الواحدة، نظراً لأنه ملتقى القارات الثلاث ويشرف على أهم الممرات المائية كقناة السويس، ومضيق باب المندب، والخليج، وخليج العقبة ومضيق هرمز، ويختزن أكثر من ثلثى احتياطى النفط العالمى. وتخشى الصهيونية والاستعمار من إقامة دولة اتحادية عربية قوية وغنية ومسلحة بالثروة النفطية والقومية العربية والعقيدة الإسلامية.‏
لقد احتلت المنطقة مكانة هامة فى التنافس الاستعمارى بين دول أوروبا الاستعمارية وبالتحديد بين بريطانيا وفرنسا من أجل السيطرة على الهند (المسماة بدرة التاج البريطاني). وجاءت حملة نابليون على الشرق فى هذا الاتجاه، ولكنه فشل أمام أسوار عكا فعاد إلى فرنسا، ثم ظهر فى لندن عام 1909 كتاب بعنوان: "مشاكل الشرق الأوسط" لمؤلفه هاملتون وضّح فيه أهمية المنطقة لأوروبا والعالم، وطالب بضرورة السيطرة عليها. وأعلن الحاكم البريطانى على الهند اللورد كيرزون عام 1911 إدارة خاصة للشرق الأوسط، وكلّفها بالإشراف على شؤون فلسطين وشرق الأردن والعراق.‏
واقترح الإرهابى فلاديمير جابوتنسكى عام 1922 مشروعاً لإقامة سوق شرق أوسطية. وحدّدت الحركة الصهيونية عام 1942 أهدافها التوسعية وسيطرتها الاقتصادية على الوطن العربى فى مؤتمر "بلتيمور" الصهيونى، الذى يعتبر أهم مؤتمر صهيونى بعد المؤتمر التأسيسى فى "بازل" على الشكل التالى: (إقامة قيادة يهودية للشرق الأوسط بأكمله فى ميدانى التنمية والسيطرة الاقتصادية)، ووضع الصهاينة دراسات ومذكرات حول "الشرق الأوسط" فى عامى 1941 و1942، وأنجزوا مشروعاً صهيونياً للشرق الأوسط لمواجهة الكتاب الأبيض لحكومة الانتداب البريطانى فى فلسطين ويتضمن المشروع العمل على قيام تعاون سياسى واقتصادى يمنع التصادم بين العرب واليهود، ويدمج فلسطين وبقية بلدان المشرق العربى.‏
وقد طُرحت فكرة التعاون الاقتصادى بين بلدان منطقة الشرق الأوسط لأول مرّة فى 18 نوفمبر 1943، وذلك فى اجتماع عُقد بين ممثلين عن وزارتى الخارجية الأمريكية والبريطانية فى لندن، بمقر وزارة الخارجية البريطانية للتباحث فى تسوية وضع الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لضمان مصالح البلدين فى المنطقة والهيمنة عليها.‏ وأعد اليهودى ـ الأمريكى الدكتور ارنست بيرجمان "أحد تلامذة حاييم وايزمان، زعيم المنظمة الصهيونية العالمية"، مذكرة قدَّمها للاجتماع، ويمثّل فيها تهويد فلسطين جوهر الخطة الأمريكية والقائمة على هجرة اليهود إلى فلسطين العربية وإقامة إسرائيل فيها، وتحويلها إلى قاعدة صناعية متطورة لتكون حجر الزاوية فى المشاريع والمخططات المستقبلية للولايات المتحدة الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط.‏
وهكذا نستطيع أن نقول أن قيام دولة إسرائيل عام 1948 كان أولى خطوات النجاح الاستعمارية لفرض مشروع الشرق الأوسط كمشروع للهيمنة الغربية الاستعمارية، وبعد قيام إسرائيل توالت الخطط والأفكار والمقترحات من جانب بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لتفكيك المشروع العربى لصالح مشروع الشرق الأوسط وفى القلب منه المشروع الصهيونى.
لقد كان تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 خطوة فى الطريق المخالف لمسار تطور أحداث مشروع الشرق الأوسط، وهنا تطرح علامة استفهام كبيرة حول الدور البريطانى فى المشروعين: مشروع الشرق الوسط والمشروع العربى، لكن طرح علامة الاستفهام هذه يكشف النقاب عن محورية الدور العربى فى تأسيس جامعة الدول العربية، أو على الأقل فى تحديد هوية وأهداف هذه الجامعة بما يتعارض مع المشروع الصهيونى – الاستعمارى للشرق الأوسط بدليل دخول جيوش عربية فى الحرب ضد الكيان الصهيونى عام 1948، وبدليل التصدى العربى للمقترحات البريطانية والأمريكية الجديدة لتطوير مشروع الشرق الأوسط على حساب المشروع العربى ابتداءً من "مشروع ترومان" عام 1949 الذى عرف فى العالم العربى باسم "مشروع النقطة الرابعة" نسبة إلى المادة الرابعة منه، وتضمن إمكانية تقديم مساعدات سياسية واقتصادية وعسكرية إلى دول منطقة "الشرق الأوسط" الواقعة تحت النفوذ الغربى، ثم مشروع "القيادة الرباعية للشرق الأوسط" فى عام 1951، لإقامة سلسلة من التحالفات السياسية والعسكرية مع دول المنطقة والتنسيق والتعاون بينها، ثم مشروع "قيادة الشرق الأوسط العسكرية" أو "الحزام الشمالى للمنطقة" التى تضم بعض الدول العربية وبعض دول الحوار فى آسيا، إضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وتمخض عن ذلك ما عرف بـ "حلف بغداد".
لقد استطاع النظام العربى أن يصمد أمام كل هذه المشروعات، لكن قيام ثورة 23 يوليو فى مصر عام 1952 حول الصمود إلى مواجهة، وبالذات مشروع "قيادة الشرق الأوسط"، أو "سياسة الأحلاف الأمريكية"، وعلى الأخص منها "حلف بغداد".
بداية هذه المواجهة التى تحولت فيما بعد إلى صدام عسكرى أو عدوان ثلاثى بريطانى – فرنسى – إسرائيلى عام 1956 ارتبطت برفض مصر الدخول فى الحلف الدفاعى الذى اقترحته بريطانيا والذى يضم كلاً من بريطانيا والعراق وتركيا وباكستان. فبعد أربعة أيام فقط من توقيع العراق وتركيا على المعاهدة الرسمية المسماة بـ "حلف بغداد" فى 24 فبراير 1955 والتى انضمت إليها بريطانيا وباكستان وإيران فى أبريل من العام نفسه، بدأت أزمة جديدة فى العلاقات بين مصر والغرب، أشعلها الهجوم الإسرائيلى على مواقع الجيش المصرى فى قطاع غزة.
فى هذه اللحظة بالتحديد، بدأت علاقة مصر بالغرب تأخذ منحى آخر، فقبل ذلك كان لدى مصر اعتبارات عدة تبرر الأمل فى إقامة علاقات ودية مع الغرب، أهمها المرونة التى أبدتها إدارة الرئيس الأمريكى دوايت أيزنهاور إزاء قضية الصراع العربى - الإسرائيلى والعلاقات مع مصر، والتى توجت بتوقيع اتفاقية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية فى عام 1954 تقضى بتزويد مصر بمعونة اقتصادية قدرها 40 مليون دولار.
لكن الهجوم الإسرائيلى على غزة، إلى جانب "حلف بغداد"، اعتبرته مصر جزأ من مؤامرة إمبريالية يدبرها الغرب للقضاء على الثورة والسيطرة على الوطن العربى مرة أخرى، وتمثل ردها على ذلك فى قرارين: الأول، الاتجاه نحو شراء سلاح لردع إسرائيل عن شن أى هجمات جديدة. والثانى، تعزيز ترتيبات الأمن داخل الجامعة العربية من خلال إبرام سلسلة من المعاهدات الدفاعية مع الدول العربية الحليفة كسبيل لمواجهة حلف بغداد.
كانت هذه هى البداية الحقيقية لبلورة مشروع عربى نهضوى تحررى تقوده حركة القومية العربية الناهضة بزعامة مصر الناصرية التى خاضت المواجهة من أجل تحرير الوطن العربى والسعى إلى وحدته وتقدمه ونهوضه، وكان عقدا الخمسينيات والستينيات حافلين بكافة أنواع المواجهة والحروب بين المشروع الإمبريالى الغربى – الصهيونى، والمشروع القومى العربى وهى المواجهة التى وصلت إلى ذروتها فى حرب يونيو/ حزيران 1967 لكسر هذا المشروع العربى الذى كان يمثل تحدياً شاملاً للمشروع الغربى الاستعمارى فى سياسة فرض التخلف والتجزئة والتقسيم على الوطن العربى.
هذه التجربة النضالية العربية التى فجرتها الحركة التحررية للقومية العربية فى عقدى الخمسينيات والستينيات كانت لها خصوصياتها وفى مقدمتها أنها كانت تجسيداً للاستجابة لطموحات ومواجهة تحديات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ورواسب الحرب العالمية الأولى، وانسجاماً مع القيم والمبادئ التى ارتكز عليها النظام العالمى الجديد كما هى مدونة فى ميثاق منظمة الأمم المتحدة وخاصة مبادئ التعاون الدولى وحل المشاكل والأزمات بالطرق السلمية ونبذ الحروب، ورفض التدخل فى الشؤون الداخلية للدول والدفاع عن سيادتها الوطنية، لكنها كانت أيضاً، وهذا هو الأهم، تعبيراً عن واقع سياسى عربى جديد فرضه تفجر الثورة العربية فى مصر، وبروز زعامة جمال عبد الناصر التى جعلت من مصر الناصرية قاعدة للنضال التحررى الوحدوى العربى، والتى استطاعت أن تلتقى مع نظم حكم عربية أخرى شاركتها الأهداف والمبادئ، لكن الأهم هو أنها استطاعت أن تلتقى مباشرة مع الشارع العربى متجاوزة حدود التقسيم والتجزئة ودون وساطة من أحزاب أو أنظمة حكم أو حتى جامعة الدول العربية التى بقت إطاراً نظامياً تلتقى فيه نظم الحكم العربية على قاعدة التنسيق الضيقة التى كرسها ميثاقها الذى فرضته اعتبارات التأسيس عام 1945 فى ظل خضوع معظم الدول العربية للاستعمار الغربى.
الآن تواجه الأمة العربية تحديات أكثر ضراوة وقسوة فرضتها نتائج سقوط النظام العالمى السابق ثنائى القطبية وظهور معالم نظام عالمى جديد لا تتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادته فحسب، وإنما تسعى إلى فرض نظام إمبراطورى عالمى يؤسس من خلال سيطرتها الكاملة على ما تسميه بـ "إقليم الشرق الأوسط الكبير" الذى يهدف إلى فرض الهيمنة الأمريكية الكاملة على مقدرات وثروات هذا الإقليم وفى مقدمتها الثروات النفطية، من خلال السيطرة المباشرة ومن خلال إعادة تقسيم ما سبق تقسيمه بعد الحرب العالمية الأولى ومن خلال فرض ما سمى بـ "سياسة الفوضى البناءة" بإشعال الحروب الطائفية والمذهبية لتأسيس هذا النظام الشرق أوسطى على قاعدة الدولة الطائفية والعرقية التى يستطيع من خلالها الكيان الصهيونى القيام بدور القوة الإقليمية العظمى المهيمنة.
لقد كانت الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 واحتلاله التى تعمدت بعض دوائر الفكر الاستراتيجى الأمريكى تسميتها بـ "الحرب العالمية الرابعة" (اعتقاداً بأن الحرب الباردة كانت بمثابة حرباً عالمية ثالثة) هى البداية لفرض هذا المشروع الإمبراطورى الأمريكى الذى ضرب عرض الحائط بكل مبادئ وأهداف النظام العالمى السابق وكل مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة وعلى الأخص احترام السيادة الوطنية للدول، وهى البداية أيضاً لفرض مبادئ بديلة تجسدها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التى حملت اسم "استراتيجية الضربات الوقائية" التى تعطى للولايات المتحدة، دون غيرها، حق التدخل فى الشؤون الداخلية للدول، وحق استخدام القوة ضد من تريد، وحق تقسيم العالم إلى معسكرين أولهما تابع للهيمنة الأمريكية تحت مسميات متنوعة أبرزها "محور الاعتدال"، وثانيهما معارض يحمل اسم "محور الشر"، وعندما قررت الولايات المتحدة غزو العراق تجاوزت الأمم المتحدة والمجتمع الدولى كله، وأصدرت قراراً أمريكياً منفرداً بالغزو أيدته بريطانيا وأسبانيا وفرضته على العالم من أجل تأسيس إمبراطورية الشرق الأوسط الكبير.
فمشروع "الشرق الأوسط الكبير" كان التعبير السياسى المرافق للغزو وللاحتلال الأمريكى للعراق باعتبار أن هذا المشروع وهذه الحرب سوف تؤسسان معاً لفرض الإمبراطورية الأمريكية. ويكمن الغرض من توسيع هذا المشروع الإمبراطورى لإقليم الشرق الأوسط ليمتد إلى وسط آسيا فى حرص واشنطن على فرض سيطرتها الكاملة على أهم منابع النفط فى العالم وفقاً لتطلعات تيار المحافظين الجدد الذى يرى أن هذه السيطرة ضرورية لبناء النظام الإمبراطورى الأمريكى.
وقد عبر الكثير من مفكرى هذا التيار عن هذا الطموح على نحو ما أوضح ريتشارد كراوتهامر، وهو أحد أبرز المعبرين عن هذا التيار فى شرحه لمطلب التغيير وإعادة رسم الخريطة الإقليمية للشرق الأوسط. فقد قال كراوتهامر أمام معهد " أميريكان انتربرايز": "إن الولايات المتحدة الأمريكية الآن فى صراع مع العالم العربى – الإسلامى مثل الصراع الذى خاضته فى سنوات الحرب الباردة مع العالم الشيوعى". معنى هذا أنه يعبر عن مشروع يضع هذه المنطقة على خط مواجهة معهم، ويعتبرها بتكوينها الحالى مصدر الخطر عليهم، ومن حقهم التدخل فيها لإعادة تشكيلها بالصورة التى يرونها منزوعة الخطر من وجهة نظرهم، من خلال إعادة صياغة المجتمعات والأنظمة العربية والنظام العربى وأغلب العالم الإسلامى، لكنه يتعامل مع المنطقة أيضاً كمصدر للكسب من خلال تجيير كل ثرواتها لخدمة المشروع الإمبراطورى الأمريكى ولخدمة إسرائيل، وذلك بالربط بين الديمقراطية والسلام.
لا يكشف النص الذى حمل اسم "مشروع الشرق الأوسط الكبير" عن جوهر هذا المشروع، فالنص جاء مخادعاً، حاول أن يتستر وراء دعوة الإصلاح الديمقراطى داخل الدول العربية، وحاول أن يتخفى وراء التحليل الصادر عن تقرير التنمية البشرية لعام 2003 وذلك من خلال تقديم مبررات مقنعة لأهمية وضرورة الإصلاح السياسى والديمقراطى والثقافى فى دول العالم العربى والإسلامى، ومن خلال تبنى أجندة هذا التقرير المتركزة حول قضايا أو مطالب ثلاثة هى: إقامة مجتمع المعرفة، والحرية، وتمكين المرأة، وهى قضايا قد يراها البعض ضرورية وهذا هو الهدف الأمريكى من تبنى هذه القضايا الثلاث، أى إكساب المشروع الأمريكى قبولاً شعبياً عربياً يضمن له النجاح، فى حين أن الأهداف الحقيقية التى يمكن استخلاصها من أدبيات هذا المشروع شئ آخر أكثر خطورة من كل ما هو متصور.
بدايات التفكير فى هذا المشروع ترجع إلى عملية البحث عن صيغة أفضل للحفاظ على المصالح والأهداف الأمريكية طويلة المدى والتى تتم من خلال تقريرى الاستراتيجية الشاملة اللذين تعدهما كل من وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات كل عقد من الزمان لرسم الخطوط العريضة للاستراتيجيات الأمريكية المستقبلية على ضوء توقعاتهم لخريطة العالم خلال المرحلة التالية.
وإذا كان هذان التقريران لم يركزا بشكل محدد على العالمين العربى والإسلامى، فإن أفكاراً أخرى أهم تم الدفع بها من خلال مساهمات عدد من أهم مراكز البحوث والدراسات التى لها صلات قوية بمراكز صنع القرار فى الولايات المتحدة الأمريكية. فخلال مرحلة ما بعد 11 سبتمبر 2001 بدأت المشروعات تتوالى بداية بما سمى بـ "مشروع مارشال جديد للشرق الأوسط" والمعروف باسم "الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية"، وامتداداً لمشروع "دمقرطة العالم العربى" وغيرهما، وكانت أغلبها تركز على ثلاثة محاور أساسية هى: تغيير المنطقة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، على أساس تعريف الولايات المتحدة الأمريكية لمصالحها فى محيط هذا الشرق الأوسط الكبير.

مؤسسة راند للأبحاث قدمت تعريفاً مهماً لهذه المصالح يشمل:
حماية بقاء إسرائيل، والتوصل لسلام فى الشرق الأوسط، واستمرار تدفق النفط بسعر مناسب، ومنع قيام أنظمة قوية تعادى الولايات المتحدة الأمريكية فى أنحاء المنطقة، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، والدفع بعملية إصلاح سياسى واقتصادى ومكافحة الإرهاب. وهناك دراسات أخرى قدمت إسهامات بشأن تلك الأهداف ووسائل تحقيقها، مثل الدراسة التى أجراها المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية والتى أشرف عليها فرانسوا هايبورج وحملت عنوان "أى استراتيجية نتبع من أجل شرق أوسط كبير؟"، ومثل الدراسة التى أصدرها معهد أبحاث السياسة الخارجية والتى حملت عنوان "الشرق الأوسط الكبير عام 2005" والتى كتبها آدم جار فينكل، وكتاب زالماى خليل زاد بعنوان "مصادر الصراع فى القرن الواحد والعشرين – الاستراتيجية الأمريكية ومصادر المناطق" الصادر ضمن مطبوعات راند عام 1998.
بعض هذه الدراسات يروج لمفهوم "الشرق الأوسط الكبير" باعتباره الحل الأمريكى الأمثل من منظور السلبيات والمخاوف، أى أنه الحل الأمثل لمواجهة السلبيات والمخاوف والمخاطر التى تتهدد الولايات المتحدة ومصالحها وأهدافها الاستراتيجية، والبعض الآخر يروج للمفهوم باعتباره الحل الأمريكى الأمثل لتحقيق أعلى درجات المكاسب.
فوفقاً لمشروع معهد أبحاث السياسة الخارجية "الشرق الأوسط الكبير عام 2005" الذى كتبه آدم جار فينكل وساهم فيه كل من وارن رودمان، وآن ارمسترونج، ونورمان أوجيستن، وجون دانس، وجون كالفن، ونيوت جينجريتش، ولى هاملتون، وجيمس شليزنجر، وغيرهم، فإن الشرق الأوسط الكبير هو العالم العربى وإسرائيل وتركيا وإيران وآسيا الوسطى والقوقاز، وهى المنطقة التى تصادف أن تكون حاضنة لأكبر احتياطيات النفط والغاز، وأن تكون مسرحاً لصراعات كل القوى الصاعدة والطموحة فى العالم، وهى المنطقة التى تضم أيضاً حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية الأساسيين ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية الأكثر أهمية، وهى نفسها المنطقة التى شهدت أبرز محاولات امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وشهدت آخر الحروب الكبرى التى قادتها الولايات المتحدة الأمريكية لتأكيد وجودها ونفوذها بعد انهيار النظام العالمى القديم، وهى المنطقة الوحيدة فى العالم التى شهدت فى العقد الأخير تمديد الوجود العسكرى الأمريكى المباشر على أراضيها، بغض النظر عما إذا كان هذا الوجود سيمتد أو سيتقلص فى المستقبل.
الشرق الأوسط الكبير – وفق هذا المشروع أيضاً – هو المنطقة التى تشكل مصدر الأهمية ومصدر القلق فى الوقت ذاته، ليس بسبب الصراع العربى – الإسرائيلى فقط، ولكن أيضاً بسبب عشرات الصراعات الموازية. وهو المنطقة التى تحتوى على أعلى درجات الاستبداد السياسى والأنظمة الفاشلة غير الفعّالة، وتشكل موطناً للأصولية المسلحة شديدة الخطر على الحضارة الغربية ومجتمعاتها، وهو أيضاً مركز الأنشطة الخارجة عن الشرعية القانونية وبؤر الإجرام فى العالم خاصة زراعة وتجارة وتهريب المخدرات، وهو من أهم مراكز تجارة السلاح، وعلاوة على هذا كله هو أرض الصراعات الإثنية والعرقية والطائفية.
والنتيجة التى يراها آدم جار فينكل، هى أن ترك الأمور فى منطقة الشرق الأوسط الكبير إلى التطور التلقائى – أى دون تدخل لضبط التفاعلات – سيعقد الأمور كثيراً، أى أن المطلوب هو التدخل الأمريكى لضبط هذه التفاعلات، من أجل درء الأخطار.
المنظور الآخر الذى يفرض الشرق الأوسط الكبير كحل أمريكى بدافع من تعميق المكاسب، طرحه زالماى خليل زاد وهو من أهم خبراء الإدارة الأمريكية الحالية ومهندس الحرب الأمريكية فى أفغانستان وعمل سفيراً فى العراق ومندوباً لأمريكا فى الأمم المتحدة. فهو يستعمل تعبير "الشرق الأوسط الكبير" بوصفه يتعلق بالمنطقة ذات الأهمية المركزية للمصالح الجيوستراتيجية الأمريكية والتى تتعرض فيها هذه المصالح للخطر، وحيث تتصاعد الصراعات، ويحتاج الأمر إلى المزيد من التدخل العسكرى الأمريكى. كذلك فإن تطور الأوضاع فى هذه المنطقة وتفاقم مضاعفاتها يمكن أن ينتهى – على المدى البعيد – بتأثيرات سلبية بالغة ليس على أصحابها فقط وإنما على الاستقرار والازدهار العالمى، وفى القلب منه المصالح الأمريكية.
ويعتقد زالماى خليل زاد أن تعبير الشرق الأوسط الكبير أصبح ضرورياً لالتقاط ونظم المحاور الأساسية التى تميز البيئة الاستراتيجية المتجانسة لهذه المنطقة والتى تميزها عما عداها، والتى تصبح، يوماً بعد يوم، أكثر أهمية، وذلك لتآكل الحدود الفاصلة بين أمن الشرق الأوسط والأمن الأوروبى والأمن الأوروآسيوى. هذا التآكل حدث نتيجة لتطور وانتشار التقنيات والأنظمة العسكرية الحديثة ونمو التداخل والاعتمادية الاقتصادية والسياسية المتبادلة بين هذه المناطق، وتمدد الظواهر المختلفة مثل الإرهاب العابر للمناطق، وتهريب المخدرات والسلاح، وتدفق اللاجئين.
تحديد ملامح البيئة الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط الكبير – وفق هذه الرؤية – له أهمية كبيرة، ضمن مسعى تمييز أو إعادة تحديد ما يسمى بـ "العوالم الاستراتيجية فى هيكلية النظام العالمى الجديد".
الملاحظة المهمة بهذا الخصوص هى وجود تدخل إسرائيلى قوى وملموس فى ضبط مفهوم الشرق الأوسط الكبير والدفع به كخيار أمريكى استراتيجى، ووجود مسعى أمريكى قوى لتوريط أوروبا للانخراط فى تبنى المشروع كاستراتيجية مشتركة للنظام العالمى الجديد.
ففى الوقت الذى كان الأمريكيون منغمسين فيه للخروج بمفهوم جديد للصراعات القائمة والاستراتيجية المثلى للتعامل معها، ظهر اتجاه موازٍ فى التفكير الاستراتيجى الإسرائيلى يؤكد أن "الإسلام السياسى" يمثل عدواً، وأن هناك ضرورات لاستئصالـه، خـاصـة فـى ظـل تحـولات توجهـات حركة "حمـاس"، وتزامن هــذا الإدراك مـع ما اعتبر كارثة تهدد وجود إسرائيل، وهو العامل الديموجرافى، الذى كانت تأثيراته قد بدأت بالفعل فى ظل الانتفاضة الثانية.
وتمت بلورة أجندة عمل إسرائيلية وضعها ناثان شارانسكى الوزير الليكودى، واقتنع بها صقور الإدارة الأمريكية، هذه الأجندة تشير إلى أن "العرب لن يقبلوا إسرائيل إلا بعد تحول أنظمتهم إلى الديمقراطية".
كانت واشنطن مهيأة للإنصات لهذا المفهوم فى ظل إدراك أن الولايات المتحدة الأمريكية ستكون بحاجة إلى استيراد 70% من احتياجاتها النفطية بحلول عام 2010، وأن الدول التى يمكن أن تغطى هذه الاحتياجات هى: العراق، وإيران، والمملكة العربية السعودية.
وقد تبلورت كل هذه المفاهيم الخاصة بـالشرق الأوسط الكبير فى ضرورة التدخل بحسم للقضاء على التهديدات التى قد تشهدها دول هذه المنطقة حتى لو ظهرت عن طريق ديمقراطية حقيقيـة أو انتخابات حرة، مع خلق شرق أوسط أوسع بقوى مركزية أضمن مثل تركيا وأذربيجان وإيـران، وبهذا تـم الـدمـج بيـن مشروع الرئيس بوش لـ "دمقرطة العالم العربى والإسلامى"، ومشروع آخر نوقش فى الكونجرس وهو مشروع المرشح الجمهورى للانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2008 السيناتور جون ماكين (22 مايو 2003) والمعروف باسم قانون "التواصل والتجارة فى الشرق الأوسط للعام 2003" أو "مشروع منطقة الشرق الأوسط الكبرى"، والذى نص على أنه: من مصلحة واشنطن إيجاد شرق أوسط مستقراً، وأن دمقرطته من عناصر مواجهة الإرهاب أو أن إقامة شراكة أو اتفاقيات تجارة حرة ليست بديلاً بل جزءاً من الإصلاحات السياسية والاقتصادية.
وقد وضع هذا المشروع شروط عضوية تتراوح ما بين شروط اقتصادية ينبغى على الدول الأعضاء إتمامها مثل تخفيض التعريفة الجمركية وتقوية القطاع الخاص، وقيامها بإجراءات إصلاح سياسى واقتصادى، واحترام حقوق الإنسان، وتشجيع المجتمع المدنى، والمحافظة على البيئة، وسن قوانين تمنع الفساد والرشوة، وألا تكون هذه الدول مشاركة فى أنشطة هدامة أو معادية للأمن القومى الأمريكى والمصالح السياسية الخارجية الأمريكية، وأن تكون مؤيدة للحل السلمى للصراع العربى - الإسرائيلى، وحرية الدين، وألا تكون أى من هذه الدول مشاركة فى المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، وأن تعترف بحق إسرائيل فى الوجود بسلام وبحدود آمنة.
لقد سعت إسرائيل إلى إعادة مشروع الشرق الأوسط إلى أصوله الإمبراطورية من ناحية، أى ربطه بالمصالح العالمية الأمريكية، كما سعت إلى تحويله إلى شراكة أمريكية – إسرائيلية من خلال اجتماع واشنطن الذى عقد فى الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر 2004 بين مستشارى رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق آرييل شارون ورؤساء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية وعدد من كبار خبراء ومستشارى الأمن القومى والاستخبارات الأمريكية. كان هدف هذا الاجتماع هو البحث فى الخطوات التنفيذية لتطبيق خطة الشرق الأوسط الكبير فى أسرع وقت ممكن من خلال مناقشة مذكرتين أعدتا لهذا الغرض، الأولى أمريكية أعدها وليم تومسون رئيس فريق العمل الأمريكى، والثانية إسرائيلية أعدها دانيال ليرانو حام أحد مستشارى شارون المقربين والتى حملت اسم "الهندسة السياسية لخريطة الشرق الأوسط فى السنوات الثلاث القادمة".
أحد أهداف هذه الهندسة السياسية لخريطة الشرق الأوسط هو إعادة توجيه مسار العلاقات العربية باتجاه ربطها بإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضمن إطار العلاقات الثنائية وعلى حساب العلاقات العربية – العربية والاتفاقيات الثنائية والجماعية للتعاون الاقتصادى والأمنى، وقد استطاعت إسرائيل أن تنحرف بالمشروع الأمريكى للشرق الأوسط الكبير أو الموسع مستغلة فشل المشروع الأمريكى فى العراق سواء على مستوى فرض الاستقرار والأمن للحكومة العراقية الموالية وتثبيت النفوذ الأمريكى بالعراق، أو على مستوى تحقيق الديمقراطية بإقامة عراق جديد ديمقراطى يكون نموذجاً للنظم التى يجب أن تقوم فى المنطقة وفقاً لمشروع الشرق الأوسط الكبير حسب وعود الرئيس الأمريكى جورج بوش.
وإذا كان فشل المشروع الأمريكى فى العراق قد أدى إلى ردود فعل كثيرة أخذ بعضها يشكك فى جدية الدعوة الأمريكية للديمقراطية، وأخذ البعض الآخر يشكك فى جدوى المشروع الإمبراطورى الأمريكى كله، فقد ظهرت ميول لتقليص حدود هذا الشرق الأوسط الكبير أو الموسع، وبدأت محاولات موازية للحديث عن بدائل "عملية" لتحقيق الأهداف نفسها، منها ما عرف بـ "الشرق الأوسط الصغير" Tiny Middle East للخروج من المشاكل التى يعانى منها مشروع الشرق الأوسط الكبير عبر تنفيذ الآليات نفسها لاسيما البنود المتعلقة بالإصلاحات الديمقراطية، ولكن عبر مجموعة صغيرة تمثل الدول الأسهل من حيث التزامها بالتنفيذ، ووجود علاقات فعلية بينها، وترتبط أيضاً بعلاقات قوية مـع واشنطـن كضمانـة للتنفيـذ أو عـدم التراجـع.
وحتى هذه الدعوة لم تستطع الصمود أمام المأزق الأمريكى المستحكم فى العراق، ومن هنا كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان فى يوليو 2006 بمثابة المخرج المناسب لفرض واقع جديد لمشروع أمريكى جديد للشرق الأوسط لم تتردد وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس فى الإعلان عنه باسم "الشرق الأوسط الجديد" فى ذروة الحرب الإسرائيلية على لبنان وفى ذروة الانحياز الأمريكى الكامل لإسرائيل فى هذه الحرب ورفضها لكل مطالب وقفها.
لقد أكدت تطورات هذه الحرب أن الولايات المتحدة كانت طرفاً مباشراً فى التخطيط والإعداد والتنفيذ والرعاية الكاملة كى تحقق أهدافها فى لبنان ومن بعدها فى إيران للقضاء على ما يسميه الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش بـ "محور الشر"، الذى أعلن أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة مع "حزب الله" هى جزء من صراع أكبر يشمل سوريا وإيران. وأكد أن الحرب فى لبنان تشكل "جزءاً من معركة أوسع تشهدها المنطقة بين الحرية والإرهاب"، وأكدت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس على أن "شرق أوسط جديد" سيولد من رحم هذه الحرب، وكانت أهم معالم هذا الشرق الأوسط الجديد هى وضع نهاية للصراع العربى – الإسرائيلى من خلال فرض شراكة عربية – إسرائيلية بديلة للصراع تقوم على قاعدة وجود مصالح مشتركة بين العرب وخاصة من هم مصنفون ضمن "محور الاعتدال" أو "الحلف السُنى" وبين "إسرائيل" لمحاربة الإرهاب الذى تدعمه إيران، وفرض إيران عدواً بديلاً للعرب من خلال تفجير حرب طائفية سُنية - شيعية تكون مدخلاً للتلاقى مع مشروع الشرق الأوسط الكبير فى هدف إعادة رسم الخرائط السياسية فى المنطقة على قاعدة التقسيم العرقى والطائفى، بما يؤكد وحدة المشروع القائم على سياسة الحيلولة دون وحدة العرب وفرض التقسيم والتجزئة والتخلف كمصير أبدى يجب عدم الخروج منه.
وهكذا فإنه بدلاً من المسعى العربى لحركة التحرر العربية فى الخمسينيات والستينيات، لإعادة توحيد ما سبق تقسيمه من أرض العرب أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، يجد العرب أنفسهم الآن أمام مخطط إعادة تقسيم ما سبق تقسيمه بعد إكمال مخطط تفكيك رابطة النظام الإقليمى الرسمى العربى بفرض سياسة استقطاب جديدة على قاعدة محورى "الاعتدال" و"الشر".
هذا الواقع السياسى الجديد يشهد أيضاً تطابقاً بين إنتاج استقطاب طبقى اجتماعى- سياسى جديد على الصعيد العالمى تجسيداً لسياسة العولمة وانطلاق الرأسمالية العالمية المتوحشة لفرض سيطرتها متجاوزة كل الحدود التقليدية للدول ومعتمدة على سياسة التدخل القسرى فى الشؤون الداخلية للدول، وبين إنتاج استقطاب طبقى اجتماعى - سياسى جديد داخل الدول العربية. ومثلما تم تقسيم العالم إلى مجتمعات (وليس دول) غنية مسيطرة ومجتمعات أخرى فقيرة مسيطر عليها، يجرى فرض استقطاب طبقى اجتماعى – سياسى داخل الدول العربية بين طبقات تحتكر السلطة والثروة وطبقات فقيرة محرومة ومعزولة ومهمشة ومسيطر عليها.
الأهم من هذا هو ذلك التلاقى، الذى يصل إلى درجة التحالف، بين قوى الهيمنة الرأسمالية الخارجية التى يقودها النظام الإمبراطورى الأمريكى وحليفه الصهيونى، وبين القوى المسيطرة على السلطة والثروة داخل الدول العربية التى تمارس الاستبداد والفساد وتقود توجهات النظام الرسمى العربى.
هذا التحالف بين قوى الهيمنة العالمية التى يجسدها المشروع الإمبراطورى الأمريكى الجديد وقوى الاستبداد والاحتكار السياسى والاقتصادى فى الداخل العربى ليس وليد تطورات عالمية فقط ولكنه أيضاً وليد تطورات عربية، على مستوى كل دولة عربية وعلى مستوى النظام العربى ككل عندما تراجع ثم اختفى دور دول الثورة ابتداءً من عقد السبعينيات وبالتحديد ابتداءً من نكسة يونيو /حزيران 1967 وانتصار الثورة المضادة فى مصر وسيطرتها على مقاليد الدولة والسلطة والانحراف بها فى اتجاه القبول بالهيمنة الأمريكية أولاً ثم التطبيع مع الكيان الصهيونى ثانياً.
ومع تراكم الثروات النفطية وما سمى بـ "البترو دولار العربى" مع موجة ارتفاع أسعار النفط التى صاحبت حرب أكتوبر/ تشرين أول عام 1973، بدأت دول الثروة تسيطر على مقاليد النظام العربى وتنحرف به فى اتجاه التحالف المصلحى مع الهيمنة الأمريكية والقبول بالحل السلمى للصراع العربى – الصهيونى ابتداءً من "مشروع فاس - 1" (مشروع الأمير فهد) عام 1981، ثم مشروع "فاس - 2 " عام 1982. وجاء احتلال الكيان الصهيونى لبيروت فى ذلك العام ليفضح عجز النظام العربى ويكشف مدى تورطه فى مخطط التطبيع المبكر مع الكيان الصهيونى، لدرجة بات معها هذا النظام متهافتاً ولاهثاً وراء سراب خياره الاستراتيجى بالسلام مع الكيان الصهيونى كما تجسده مبادرة السلام العربية التى ضرب بها الكيان عرض الحائط منذ ولادتها فى قمة بيروت عام 2002 رغم كل محاولات إعادة تفعيلها الفاشلة على نحو ما حدث فى قمة الرياض (مارس /أذار 2007)، والانجرار بعدها إلى اجتماع أنابوليس فى نوفمبر/ تشرين ثانى 2007.
هذه التطورات والتحالفات كانت لها امتداداتها داخل الدول العربية مع سياسة الانفتاح الاقتصادى والقبول بدعوة أو سياسة "التكيف الهيكلى" التى أدت إلى تراجع الدولة عن القيام بدورها الاجتماعى والانقضاض على المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الشعبية الفقيرة من عمال وفلاحين وطبقة وسطى مما أدى إلى مزيد من سياسات الإفقار وازدياد عدد الأغنياء وتراكم ثرواتهم، كما ازداد عدد الفقراء وازداد فقرهم.
وارتبط بهذا الواقع الاقتصادى - الاجتماعى العربى واقع سياسى لا يقل سوءاً أصبحت فيه "الدولة التسلطية" هى المسيطرة على مقاليد السلطة والثروة وفرضت معادلة احتكار السلطة، وتجريف بنية العمل العربى عبر ممارسات مؤسسات سياسية فاسدة حالت فى بعض الأحيان دون قيام تعددية سياسية حقيقية وأدت فى أحيان أخرى إلى قيام تعددية سياسية مشوهة فرضت معادلة أو لعبة سياسية قائمة على قاعدة وجود حزب أو عائلة أو قبيلة حاكمة تسعى إلى أن تظل حاكمة وإلى الأبد ووجود أحزاب معارضة تعارض فقط وقبلت أن تظل معارضة وإلى الأبد. وقد سقط أغلبها تحت ضغوط الترهيب والغواية التى تمارسها السلطات الحاكمة والتى استطاعت من خلالها أن تنتزع هذه الأحزاب من قواعدها الشعبية وتجعلها مجرد أدوات مزيفة لتجميل الوجه القبيح للدولة التسلطية والمعادلة السياسية المشوهة لمجمل العمل السياسى، وشاهد زور على فرض شرعية مزيفة لهذه الدولة التسلطية الحاكمة فى أغلب الدول العربية سواء كانت ملكية أو جمهورية، التى هى الوجه الحديث والمعاصر للدولة المستبدة، والتى تسعى إلى الاحتكار الفعَّال لمصادر القوة والسلطة فى المجتمع لمصلحة الطبقة أو القبيلة أو العائلة الحاكمة، وهى خلافاً لكل أشكال الدولة المستبدة السابقة تحقق هذا الاحتكار عن طريق اختزال المجتمع المدنى وتحويل مؤسساته إلى تنظيمات تضامنية تعمل كامتدادات لأجهزة الدولة، كما أنها خلافاً لكل أشكال الدول المستبدة الأخرى، تخترق النظام الاقتصادى وتسيطر على مقاليد الثروة إما بالمصادرة أو بالفساد، وتعتمد اعتماداً مفرطاً على الأجهزة الأمنية لدرجة توريط الجيوش فى مهمة فرض الأمن الداخلى لحماية النظام الحاكم وفرض استمراريته بالترويج لمعادلة "الاستمرار والاستقرار"، أى أن استمرار هيمنة النظام الحاكم هو الضمان الأفضل للاستقرار الذى هو البديل المباشر للفوضى التى تحرص على أن تجعلها قرينة لدعوة التغيير لمصادرة هذه الدعوة واعتبارها ومن يقومون بها المصدر الأساسى لتهديد الاستقرار، أى تهديد الشرعية القائمة التى من خلالها تتمكن هذه القوى الحاكمة من ترسيخ سيطرتها على الحكم.
هذه التحولات الداخلية العربية أخذت تدفع النظام العربى إلى القبول بالشراكة مع "إسرائيل" وفق توجيهات أو تعليمات الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش عندما جاء فى يناير 2008 إلى المنطقة وزار عدداً من الدول العربية الصديقة وطالبها بالشراكة مع إسرائيل والعداء لإيران. تحولات تفرضها مصالح مشتركة نابعة من تلك التطورات الداخلية العربية وتحالفها مع قيادة النظام الرأسمالى العالمى. فالعجز الراهن فى النظام العربى الرسمى لم يكن وليد صدفة ولم يكن أيضاً مجرد إملاءات أمريكية وإسرائيلية، ولكنه عجز يمكن وصفه بـ "الاختيارى" أو "الإرادى"، فقيادة هذا النظام التى اختارت طريق التسوية وأعلنت أن السلام هو خيارها الاستراتيجى، كانت تقول أن الحرب أو المقاومة أصبحت خيارات محظورة، ولعل هذا ما يفسر كيف تحولت "دول المواجهة" إلى "دول طوق" وكيف تحول الطوق من حصار للدولة الصهيونية إلى "سياج حماية" لهذه الدولة والحيلولة دون أى تلاقى بين جماهير الشعب العربى التواقة إلى دعم المقاومة وبين الشعب الفلسطينى فى الداخل، تماماً كما حدث فى الموقف الرسمى العربى من الأزمة العراقية، فقد انقسم هذا النظام الرسمى العربى على نفسه بين صامتين عاجزين، وآخرين قبل بعضهم بالتعاون المباشر مع جريمة الغزو واكتفى آخرون بالتواطؤ غير المباشر وهو التواطؤ الذى كشف عن نفسه باستمرار الموقف العربى الصامت من الاحتلال الأمريكى للعراق والتحامل على المقاومة والإصرار على الخلط بينها وبين الإرهاب فى محاولة هروبية من تحمل مسؤولية الدفاع عن العراق والمشاركة فى تحديد مستقبله وحماية وحدته وعروبته المعرضتين للتهديد.
وهكذا نستطيع أن نقول أن مواقف النظام الرسمى العربى من الصراع ضد الكيان الصهيونى وتراجعه عن تحمل مسؤولية القضية الفلسطينية، ومواقفه من الغزو الأمريكى على العراق وتدميره واحتلاله، ومواقفه من الحرب الإسرائيلية على لبنان ثم الحرب على غزة لم تكن تعبر عن مجرد فشل أو عجز فى أداء النظام بقدر ما كانت تعبر عن خيارات وتوجهات كشفت عن نقاط مهمة للتلاقى بدوافع مصلحة طبقية وسياسية مع المشروع الإمبريالى الغربى – الصهيونى.
هذه الخيارات لم تؤد فقط إلى حدوث انتكاسات فى المصالح الاستراتيجية العربية وفى الأمن القومى العربى بل إنها حالت دون بلورة مشروع قومى نهضوى حضارى عربى للأمة قادر على التفاعل مع المشاريع الإقليمية الأخرى لدرجة يمكن القول معها إنه إذا قبلنا بوجود نظام إقليمى للشرق الأوسط، فإن العرب أضحوا بسبب هذه الممارسات والتحالفات، خارج مركز هذا النظام وأصبحوا مجرد أطراف تجرى صراعات القوى الإقليمية الفاعلة فى مركز هذا النظام على أراضيهم.
فدراسة توزيع القوة داخل نظام الشرق الأوسط ودراسة أنماط التفاعلات والتحالفات تكشف عن وجود ثلاث قوى إقليمية كبرى فى هذا النظام تعبر عن ثلاثة مشاريع متصارعة ومتنافسة على قيادة النظام والهيمنة عليه هى على الترتيب: إسرائيل التى تمارس دور القوة الإقليمية الساعية للهيمنة والزعامة الإقليمية، وإيران القوة المناوئة أو الرافضة لهذه الهيمنة والزعامة والساعية إلى فرض نفسها كمهيمن إقليمى بديل، أما القوة الثالثة فهى تركيا، الحريصة بحكم مصالحها وبحكم توجهات الحزب الحاكم حالياً (حزب العدالة والتنمية ذو التوجهات الإسلامية) على لعب دور "الموازن الإقليمى" الحريص على تأمين أداء النظام وضبط تفاعلاته من خلال أدوار الوساطة التى يقوم بها وسعيه لحل الصراعات بدافع من مصالحه مع كافة الأطراف مع "إسرائيل" ومع إيران ومع الدول العربية.
هذا الصراع والتنافس بين القوى الإقليمية الثلاثة وبين مشروعاتها السياسية دفع بكل من إيران وتركيا إلى القيام بأدوار متعددة مع العرب تتنوع بين الصراع والتنافس والتعاون فى مجالات متنوعة وفق أهداف ومصالح المشروعين الإيرانى والتركى، وهى الأهداف التى جعلت إيران تساند المقاومة العربية فى لبنان وفلسطين وتعاديها فى العراق، وجعلت تركيا تحافظ على تحالفها الاستراتيجى مع إسرائيل وتحرص على دعم التعاون مع إيران والعرب.

ثانياً: المشروع السياسى للمقاومة
هذا التشخيص لواقع التحديات التى تواجه الأمة العربية يقول أن المقاومة لهذه التحديات ليست إلا خيار الحد الأدنى، هى خيار رد الفعل دون المبادرة بالفعل، لذلك فإنها لا يمكن أن تنهض بالأمة فى غياب مشروع سياسى استراتيجى يحقق النهضة والتقدم ويقود الأمة ليس إلى مواجهة التحديات والانتصار عليها فقط بل إلى تجديد عصر انتصاراتها وإبداعاتها.
فى مواجهة كل تلك التحديات لا يمكن للمقاومة إلا أن تكون حقاً وواجباً مقدساً و"فرض عين" على كل إنسان عربى بكل ما لديه من طاقات وقدرات، ولكن هذه المقاومة يجب أن تتجاوز المفهوم التقليدى المحدود الذى يتلخص فى موقف الرفض لواقع الاحتلال والانخراط فى ممارسات متنوعة سياسية وفكرية واقتصادية وعسكرية تؤدى إلى إنهائه، والتحول إلى حركة تحرر ناهضة وصاحبة مشروع للتقدم يعبر عن نفسه فى رؤى استراتيجية تحكم أداء هذه الحركة.
فواقعنا العربى الراهن شهد منذ منتصف عقد الستينيات من القرن الماضى ظهور العديد من حركات المقاومة العربية على أنقاض حركة التحرر العربية التى عبرت عن المشروع القومى الذى كان يقوده جمال عبد الناصر باسم الأمة العربية كلها. ظهرت حركات مقاومة وطنية وقومية وعلمانية ودينية، وهذه الحركات انقسمت على نفسها ومارست الصراع ضد بعضها البعض أكثر من ممارسته ضد العدو الذى تأسست من أجل مقاومته، وبعضها انتهى به المطاف إلى التحالف كلياً أو جزئياً مع هذا العدو. ولذلك لم تستطع هذه المقاومة تأسيس ثقافة جامعة وشاملة للمقاومة، لقد عبرت عن ثقافات متعددة متنافسة ولم يستطع أى منها أن يتحدث باسم الأمة أو يعبر عن مشروعها نظراً لغياب هذا المشروع ونظراً لعجز هذه الحركات عن التوحد فى شكل حركة تحرر عربية قادرة على حمل مشروع عربى متكامل قادر على منافسة ومصارعة المشروعات الأخرى التى تستهدف الأمة: الشعب الواحد والتاريخ الواحد واللسان الواحد والدين الواحد على نحو ما تحدثت وثيقة "كامبل بنرمات" التى أسست للمشروع الإمبريالى الصهيونى.
إن التحدى الذى يواجه الأمة الآن ويواجه كل بؤر وحركات المقاومة العربية ليس مجرد امتلاك أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية للمقاومة، ولكن تأسيس حركة تحرر عربية ترتكز على مشروع عربى للنهضة، وتمارس من خلاله دورها فى التحرير والوحدة والتنمية والنهوض.
هذا الاستنتاج تفرضه ضراوة الصراع المفروض الآن على الأمة. فالأمة ليست فى مواجهة محاولات غزو واحتلال لأراضى عربية فقط كى تكتفى بمقاومتها أو الركون لسياسات دفاعية، بل هى تواجه مشروعات استئصالية لوجودها المادى والمعنوى، يكفى أن نشير هنا إلى استنتاج مهم وصل إليه جون كيرى مرشح الرئاسة الأمريكى الأسبق بعد زيارته للمنطقة عقب تولى إدارة الرئيس باراك أوباما مسؤولياتها.
ففى محاضرة له بمركز سابان/ بروكنجز (واشنطن – 4/3/2009) قال أن "صعود إيران (سياسياً وأمنياً فى المنطقة) أدى إلى ظهور استعداد غير مسبوق لدى الدول العربية المعتدلة للتعاون مع إسرائيل". ويضيف كيرى أن "الدول العربية المعتدلة تتعاون اليوم مع إسرائيل بأشكال لم يكن ممكناً تخيلها قبل سنوات معدودة"، ويرى كيرى أن هذا التعاون العربى – الإسرائيلى سيؤدى إلى إرساء "أساس متين" للمضى نحو السلام.
لو قارنا هذا التطور الذى يقود دولاً عربية للتعاون مع "إسرائيل" بما جاء فى نصوص وثيقة مؤتمر بازل الصهيونى لعام 1897 ووثيقة "كامبل بنرمان" لعام 1907 اللتين تحددان الأسباب والأهداف الاستراتيجية من تأسيس الكيان الصهيونى وهو الإبقاء على تخلف العرب والحيلولة دون صعودهم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً والعمل على تعميق انقساماتهم وتجزئتهم والحيلولة دون وحدتهم، لأدركنا أن هذا التطور والسلام الذى يمكن أن يتحقق وفقاً له يستهدف وجود الأمة حاضراً ومستقبلاً، ولاكتشفنا مدى الانحراف الراهن فى أداء النظام الرسمى العربى أو بعض أعضائه وهو الانحراف الذى يفضح أنماط تحالفات هذه الأطراف الآن.
ولذلك فإن مواجهة هذه التحديات لن تكون فقط بمقاومتها بل بتأسيس المشروع العربى النهضوى الذى تهدف هذه التحديات إلى الحيلولة دون ظهوره، وبقيام حركة تحرر عربية قادرة على تنفيذ هذا المشروع وقيادة نضالات الأمة فى مواجهة التحديات وبناء المستقبل.
وهكذا نجد أنفسنا أمام ضرورة امتلاك رؤية استراتيجية لمشروع النهضة العربية، وهذه الرؤية يمكن أن ترتكز على ثلاثة محاور أساسية هى: حركة التحرر العربية باعتبارها الأداة التنظيمية القائدة المسؤولة عن إنجاز هذه الرؤية، والمشروع النهضوى الحضارى، وآليات وبرامج التنفيذ.

حركة التحرر العربية
لم تستطع أى من حركات المقاومة العربية التى انبثقت للدفاع عن الأمة ضد العدو الخارجى سواء كانت قومية أو علمانية أو دينية أن تتحول إلى حركة تحرر لسبب مهم هو أنها ظلت أسيرة أيديولوجيتها وانتماءاتها الضيقة، الأمر الذى حرم الأمة من بلورة ثقافة للمقاومة قادرة على خلق الوعى بالمخاطر التى تستهدف الأمة وبالمهام النضالية المطلوب إنجازها، ولذلك فإن ولادة التيار المقاوم ستبقى أسيرة تجسيد هذا الوعى وهذه الثقافة، وهذا لن يحدث إلا بتأسيس حركة تحرر عربية جامعة لكل تيارات الأمة: الإسلامية والقومية واليسارية والليبرالية الوطنية، تضم كل أطياف المقاومات العربية وكل مؤسسات المجتمع الأهلية والجماهيرية وحركات الاحتجاج الجماهيرية، شرط أن تتأسس هذه الحركة على أسس ديمقراطية فى تكوينها ومؤسساتها وأدائها دون سيطرة أو هيمنة من أى طرف مشارك، وأن تتمتع بالقدر الأعلى من الشفافية والمحاسبة فى الأداء وأن تملك من أدوات الرقابة والمحاسبة ما يجعلها دائماً بمنأى عن أى شطط أو تعسف أو انحراف.
إن الحركات الشعبية المنتشرة فى كثير من الدول العربية الآن هى علامات رائدة على ما يمكن أن تكون عليه حركة التحرر العربية المأمولة، من ناحية الاعتماد على العضوية الفردية وليس على العضوية الحزبية، بحيث لا تكون تكراراً لتجارب الجبهات الحزبية التى فشلت فى معظمها داخل كثير من الدول العربية.
لقد كانت جبهات الأحزاب محكومة بالأهداف الخاصة بكل حزب، وأيديولوجيته الجامدة والمنغلقة الحاكمة لأدائه وبرنامجه السياسى وديكتاتورية بنيته التنظيمية وافتقاده للحراك الديمقراطى الداخلى، ومن ثم كانت مجرد جبهات أو تحالفات انتخابية سرعان ما تواجه التفكك والتحلل بعد تلك الانتخابات، وكانت أيضاً جبهات مؤقتة بأداء غرض معين فى مواجهة السلطات الحاكمة، ولكنها ولكل ما تتمتع به من ممارسات انتهازية وسلطوية سرعان ما تنفجر إما بسبب خلافات داخلية أو اختراقات سلطوية من مؤسسات النظام الحاكم. أما تجارب الجبهات الحزبية التى استطاعت الصمود لفترة طويلة فإنها كانت فى الغالب خاضعة لحزب قائد أو مهيمن أو مسيطر تشاركه بعض الأحزاب السلطوية الضعيفة العاجزة عن المنافسة والطامعة فى الحصول على فتاة ممارسة السلطة، ويكون بقاءها مرهوناً بما تقدمه من تجميل للوجه غير الديمقراطى القبيح لذلك الحزب الحاكم المهيمن.
إن الحركة التحررية الجديدة يجب أن تكون شعبية بقدر ما تعكسه من المبادرات الفردية للأعضاء ولمن ينتسب إليها متجاوزة الانتماءات الحزبية والأطر الأيديولوجية الضيقة، وأن تضم كافة التيارات الوطنية الفاعلة داخل الأقطار العربية وعلى الأخص منها: التيار القومى والتيار اليسارى الاشتراكى والتيار الليبرالى والتيار الإسلامى وخاصة المؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية وبالأهداف التحررية للمشروع النهضوى العربى الذى تسعى حركة التحرر العربية من أجل إنجازه.
إن الوعى بحقيقة وخطورة التحديات التى تواجه الأمة الآن وفداحة المهام التى يجب أن تقوم بها حركة التحرر العربية تفرض على كل تيار من هذه التيارات أن يكون واعياً بأنه وحده لن يستطيع مواجهة التحديات ولن يكون قادراً على إنجاز المهام النضالية الهائلة المطلوب إنجازها، إن التجربة العملية العربية الراهنة تؤكد أنه ليس فى مقدور أى تيار من التيارات المكونة للحركات الوطنية العربية أن يواجه التحديات ويحقق المهام المطلوبة أياً كانت قوته. إن تحالفاً يجمع كل هذه التيارات بكافة تعدديتها وتنوع انتماءاتها هو وحده القادر على مواجهة التحديات وإنجاز المهام.
لقد شهدت بعض الساحات العربية تجارب ناجحة من هذا النوع الشعبى الديمقراطى الذى يجمع كل التيارات الوطنية معتمداً على العضوية الفردية وعلى الوعى بتلك الحقيقة، وقد استطاعت هذه الحركات أن تحقق إنجازات مهمة وأن تدفع بالقوى الشعبية وخاصة العمالية منها إلى اقتحام ساحة العمل الوطنى السياسى والاجتماعى الأمر الذى يؤشر إلى أن أداء ودور مثل هذه الحركات عامل شديد الأهمية لتفعيل الحياة السياسية العربية وتحريك الركود المستحكم بها، والدفع بقوى التغيير الحقيقية وخاصة الطبقات الشعبية من عمال وفلاحين وكل الكادحين للتخلى عن ترددها والدخول بقوة كطرف كامل فى التجربة الوطنية للتغيير. إن تجربة الحركة المصرية للتغيير "كفاية" فى مصر هى نموذج لما يمكن أن تكون عليه حركة التحرر العربية الجديدة من حيث عمومية التجربة دون تقيد بخصوصياتها، وأن تكون العضوية فردية، وأن تكون جامعة لكل التيارات الوطنية.
إن قوة حركة التحرر العربية المأمولة لن تكون فقط بشعبيتها ولكن أيضاً بديمقراطيتها، فهى يجب أن تقدم النموذج الأمثل للتكوين وللأداء الديمقراطى وأن يكون على رأس مهامها فرض الديمقراطية كقيمة سياسية عليا لأهدافها الاستراتيجية ولمشروعها النهضوى الذى يجب أن تسعى إلى تحقيقه.

المشروع النهضوى الحضارى لحركة التحرر العربية
تكتسب حركة التحرير العربية أهميتها وقيمتها من كونها تستهدف أولاً مواجهة التحديات والأخطار التى تتهدد الأمة على كافة المستويات الوطنية والقومية والإقليمية والعالمية، ومن كونها تستهدف ثانياً النهوض بالأمة وتحقيق الأهداف العليا كى تكون جديرة بأن تكون شريكاً فاعلاً ومؤثراً فى النظام العالمى وأن تكون ممتلكة لكل مصادر القوة والتفوق والمنعة التى تجعلها عصية على الاستهداف من القوى المعادية.
إن تحقيق هذا كله لا يمكن أن يحدث إلا من خلال امتلاك مشروع نهضوى حضارى تجمع عليه كافة القوى والتيارات السياسية العربية قادر على بناء "مجتمع الكفاية والعدل والحرية" وامتلاك القدرات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية الكفيلة بصون وحماية الأمن القومى العربى وتحرير الأراضى العربية المغتصبة والمحتلة، فضلاً عن امتلاك القدرات الذاتية للتحديث والتطور والتجدد الحضارى التى تمكن الأمة من التخلص من كل قيود التخلف والتراجع وامتلاك قدرات النهوض والتقدم وتحقيق وحدتها المأمولة.
إن المشروع النهضوى العربى الذى يجب أن تسعى حركة التحرر العربية الجديدة إلى تحقيقه هو مشروع صنع المستقبل العربى ذاته فى مواجهة المعضلات والتحديات الست الأساسية الراهنة: الاحتلال والتجزئة والتخلف والاستغلال والاستبداد والتأخر والتراجع والجمود الحضارى، من خلال الأهداف والمهام النضالية القادرة على مواجهة هذه التحديات والمعضلات التى تتفاقم يوماً بعد يوم.
إن حركة التحرر العربية يجب أن تسعى إلى تحقيق أهداف ست لمواجهة تلك المعضلات الست: هدف التحرر والاستقلال الوطنى والقومى لمواجهة حالة الاحتلال والخضوع للهيمنة الأجنبية التى تتفاقم يوماً بعد يوم، والحرية والديمقراطية لمواجهة الاستبداد الداخلى الذى تجسده الدولة التسلطية المتحالفة مع قوى الهيمنة الخارجية، والعدل القانونى والاقتصادى والاجتماعى والسياسى لمواجهة الظلم والاستغلال الاقتصادى والاجتماعى والاحتكار السياسى للسلطة، والتنمية المستدامة القادرة على تحقيق مجتمع الكفاية لمواجهة التخلف والتبعية، والنضال المتجدد والمتواصل من أجل تحقيق الوحدة العربية يبقى هو الرد الحاسم ليس فقط لمواجهة التجزئة التى فرضت على الأمة فى عقود طويلة مضت من الخارج ولكن أيضاً لمواجهة مشروع إعادة التقسيم الذى يسعى المشروع الإمبراطورى الأمريكى – الصهيونى إلى فرضه على الوطن العربى بالتعاون مع أطراف داخلية منحرفة الولاء الوطنى والقومى ارتضت أن تكون بؤراً للعمالة الأجنبية ومرتكزات للتبعية والهيمنة. أما التجدد الحضارى والتحديث المتواصل وتحرير الفكر العربى من انغلاقه وجموده وانفتاحه الحر على كل مصادر التنوير والثقافة الحرة فهو الكفيل لمواجهة كل قيود التعثر والتأخر التاريخى وحماية الهوية القومية العربية من كل محاولات الانحراف بها إلى مزالق هويات طائفية أو عرقية أو نزعات شعوبية بغيضة تهدف إلى فرض خطط إعادة التقسيم الراهنة.
إن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يحدث دفعة واحدة أو بشكل متزامن، لأن ذلك يفوق كل قدرات الأمة ولا يتناسب مع ضخامة التحديات التى تواجهها، ولكن الأمر يستلزم أولاً وضع استراتيجية واضحة لتحقيق الأهداف ترتكز أولاً على تحديد ما يمكن تسميته بـ "هدف الاختراق" أى الهدف النموذجى الذى يمكن من خلاله الانطلاق لبدء مشروع النهضة والقادر على جذب الأمة وتمكينها من تحقيق باقى الأهداف عبر سلسلة من المهام النضالية المتداخلة فيما بينها. ويستلزم ثانياً السعى لامتلاك القدرات والآليات والأدوات اللازمة للبدء فى تحقيق وإنجاز المشروع النهضوى بأهدافه الست.
إن المقاومة هى الهدف الاختراقى الذى يمكن من خلاله الانطلاق نحو تأسيس المشروع النهضوى العربى، إذ لا يمكن التوجه نحو تحقيق أى هدف من أهداف المشروع النهضوى فى ظل الحالة العربية الراهنة من السكون والركود الحاكمة لأداء المجتمعات العربية، وفى ظل هذه الحالة من تردى بعض أنظمة الحكم العربية فى الانخراط بمشروعات تعاون وتحالف مع المشروع الإمبريالى الأمريكى – الصهيونى.
إن تفجير حالة مقاومة عامة فى الأمة والتوجه نحو فرض التغيير السياسى الداخلى باتجاه إعادة امتلاك الشعب للسلطة والثروة يمكن أن يقود إلى الانخراط فى إنجاز باقى الأهداف وفرض معادلة سياسية جديدة وفق عقد اجتماعى سياسى جديد يؤسس لمجتمع النهضة العربية مجتمع العدل والحرية، العدل بمفهومه الشامل: الاجتماعى، والقانونى، والسياسى، والحرية بمعناها الشامل: حرية الفرد، وحرية المجتمع، وحرية الوطن التى تتحقق بها وحدته.
فحرية الوطن هى الركن الأهم فى بناء مجتمع الحرية، فهى تستلزم تأمين استقلاله وسيادته الوطنية وإكسابه القوة والمنعة والاستعصاء ضد كل محاولات فرض الهيمنة والتبعية والتقسيم الجديد للخرائط السياسية، وتأمين حرية القرار الوطنى من أية ضغوط أو شروط أو إملاءات خارجية، ورفض أية سياسات تنتقص من استقلالية وسيادة القرار الوطنى التى هى التعبير المباشر عن حرية وسيادة الوطن ومصالحة الاستراتيجية.
إن بناء مجتمع العدل والحرية يستلزم أن يتزامن معه النضال من أجل بناء مجتمع الكفاية والتقدم عبر مشروع تنموى مستقل ومتواصل وقادر ليس فقط على مواجهة قيود التخلف ولكن تمكين الأمة أيضاً من امتلاك قدرات التقدم. فتوسيع قاعدة الثروة الوطنية عبر مثل هذا المشروع التنموى المتكامل المرتكز على العلم والتكنولوجيا لن يوفر فقط الشرط الموضوعى اللازم لتحقيق العدل الاقتصادى والاجتماعى المطلوب، حيث أنه لا عدل بدون كفاية، وإلا سيكون العدل مشوهاً ومقزماً فى "العدل فى الفقر" دون العدل المقترن بالرخاء، ولكنه سيفرض أيضاً الانخراط فى العمل من أجل تحقيق الوحدة العربية أو سيقود حتماً إلى فرضها كضرورة لابد منها لتحقيق مجتمع الكفاية إذ أنه لا أمل فى تنمية حقيقية فى ظل ندرة الموارد وعدم تكاملها فى كل قطر عربى. إن السوق العربية الواحدة هى التى تملك شرط تكامل الموارد وتنوعها وهى التى توفر القدرة الحقيقية على بناء مشروع تنمية قادر على تحقيق مجتمع الكفاية الذى هو الشرط الموضوعى لتحقيق مجتمع العدل وعلى الأخص فى جوانبه الاقتصادية والاجتماعية، والتخلص من عثرات "الدولة الفاشلة" التى باتت سمة مميزة للدولة الوطنية العربية الراهنة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فهى لم تفشل فقط فى بناء مجتمع الكفاية والعدل والحرية بل إنها عجزت، نتيجة لذلك، فى الدفاع عن الأمن والسيادة الوطنية والقومية والحفاظ على عزة وكرامة الأمة التى يجرى انتهاكها من جانب أطراف وقوى دولية وإقليمية تمتلك مشروعاتها للسيطرة والهيمنة فى ظل غياب المشروع القومى العربى.

القدرات والآليات اللازمة للمشروع
الاندفاع فى تحقيق هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق فى ظل الظروف والتحديات العربية الراهنة التى سبق التأكيد عليها دون قيام حركة شعبية حرة قادرة على تنظيم الجماهير هدفها امتلاك ناصية المشروع النهضوى الحضارى والاندفاع به نحو المستقبل، وقادرة قبل هذا على تجاوز كل قيود الأطر التنظيمية والأيديولوجية المنغلقة التى حالت طيلة عقود طويلة مضت دون تحقيق جبهات نضالية عربية حقيقية وذلك عبر العديد من الآليات أو الشروط اللازمة لتحقيق هذا المشروع، ويمكن تحديد أربعة آليات أو شروط أساسية لهذا الغرض هى:
الشرط الأول هو تأسيس حركة التحرر العربية التى تجسد هذه الحركة الشعبية وهو الشرط الأساسى الذى يحقق هدف بناء تحالف شعبى عربى عريض يضم كافة التيارات الفاعلة فى المجتمعات العربية والقادرة على التوحد على هذا المشروع النهضوى الحضارى وتحمل مسؤولية السعى إلى تحقيقه.
أما الشرط الثانى فهو أن تمتلك هذه الحركة مشروعاً للمقاومة، وأن يكون شعار المقاومة العربية هو أداة النضال الحقيقية لتحرير الأرض المغتصبة والمحتلة، وتحرير الإرادة العربية السليبة، وبناء ثقافة مقاومة قادرة على القضاء على ثقافة الاستسلام والخضوع وهرولة نظم حكم ونخب عربية ورجال أعمال نحو الالتحاق بركب التبعية والتطبيع، هذه المقاومة يجب أن تكون عبر كل الوسائل الممكنة والمبتكرة، فإضافة إلى المقاومة العسكرية والحرب ضد الاحتلال على أى أرض عربية يجب بلورة مقاومة سياسية وأخرى فكرية وثالثة اقتصادية للمشروعات المعادية.
فالمقاومة السياسية مدخلها تجسيد خطر المشروعات المعادية وتفعيل الوعى بحتمية المشروع العربى وأدائه النضالى من خلال المقاومة، وبلورة ثقافة جامعة للمقاومة تعبر عن ذلك التيار العربى الشامل المقاوم الذى تمثله حركة التحرر العربية، ورفض كل أشكال الاستسلام ووضع نهاية لخيار الاستسلام العربى بالدعوة إلى إلغاء وتجميد كافة اتفاقيات السلام مع العدو الصهيونى، ورفض أى اتفاقيات فى العراق مع العدو الأمريكى، والتصدى لكل أشكال الاختراق الفكرية والثقافية الرامية إلى طمس الهوية القومية والحضارية للأمة، وجعل المشروع النهضوى العربى بأهدافه الست مشروعاً للنضال اليومى.
ويرتبط بهذه المقاومة السياسية والثقافية مقاومة أخرى اقتصادية يمكن أن تأخذ ثلاثة أنماط من المقاومة، الأول هو السلبية المتمثلة فى مقاطعة الدولة المعادية أو دولة الاحتلال ومقاطعة مشروعيتها ومنتجاتها. والثانى، هو استخدام كل الوسائل السلمية بلا استثناء من أجل منع الدولة المعادية أو المحتلة من استغلال ثروات الأمة سواء فى شكل الاستنزاف المباشر، إذا كانت أرض الأمة خاضعة للاحتلال، أو فى صورة الاستنزاف بمساعدة حكومة أو جماعة عميلة. والثالث، هو بناء قواعد قوية لاقتصاد وطنى حقيقى يكون أساساً راسخاً لتمويل كفاحها من أجل الاستقلال السياسى، ولتمويل بناء قدراتها العسكرية الكافية للدفاع عن الأمة ومقدراتها.
هذا النوع من المقاومة استطاع أن يحقق فى جانبه الأول خسائر هائلة للكيان الصهيونى، لكن تفعيل الجوانب الأخرى يمكن أن يقود إلى حالة نهوض حقيقية للأمة على طريق بناء مشروعها النهضوى الحضارى. فالمقاطعة للكيان الصهيونى منذ نشأته وحتى احتلال العراق أصابت إسرائيل بخسائر بلغت زهاء 92 مليار دولار وهو ما أدى إلى فرض العزلة على الاقتصاد الإسرائيلى.
أما الشرط الثالث فهو تكوين شبكة متكاملة من أدوات التعامل الجماهيرية تضم القطاع الأوسع من منظمات وجمعيات المجتمع المدنى من نقابات وجمعيات حقوقية وقانونية غير حكومية وأدوات إعلام من صحافة وتليفزيون وأدوات ثقافة من سينما ومسرح وغيرها، إضافة إلى توظيف كل أدوات الاتصال الإلكترونية وقبل هذا وذاك الارتكاز على قطاع واسع من المفكرين والمثقفين والطلائع الشبابية القادرة على التبشير بالمشروع النهضوى وتحمل مسؤولية تأسيس حركة التحرر العربية والاندفاع بها نحو تحقيق الأهداف المطلوب إنجازها وفق برنامج عمل استراتيجى وآخر مرحلى يأخذ فى اعتباره الأهداف الاستراتيجية والمرحلية التى يجب إنجازها وفق خطة محددة وعلى مدى زمنى واضح ومحدد.
الشرط الرابع أو الآلية الرابعة هو تحالف حركة التحرر العربية مع الحركة الشعبية العالمية المناهضة للإمبريالية الجديدة والعولمة والمناصرة للشعوب المضطهدة. لقد استطاعت حركة التحررالعربية فى عقدى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى أن تؤسس لحركة تحرر عالمية ممثلة فى حركة عدم الانحياز، واستطاعت أيضاً أن تقوى وتصلب من حركتها وأن تؤسس قوة عالمية حليفة قادرة على دعم النضال العربى، وهذا ما يجب أن يعيه المشروع التحررى العربى الجديد، أن يسعى وهو يؤسس حركته الجديدة للتحرر العربى إلى تأسيس حركة عالمية جديدة، حركة شعبية ديمقراطية أقرب إليه من أى تشكيل عالمى آخر لمناهضة المشروع الإمبراطورى الأمريكى – الصهيونى المدعوم بقوة الرأسمالية العالمية المتوحشة وبحركة العولمة وآلياتها ومؤسساتها وشركاتها العدوانية.
إن اختفاء الاتحاد السوفيتى وتفكك المعسكر الاشتراكى الذى كان يُعد ظهيراً داعماً لحركة التحرر العالمية وفى القلب منها حركة التحرر العربية وما ترتب عليه من مساعٍ أمريكية لفرض نظام عالمى إمبراطورى يعتمد على نظام القطب الواحد قد شجع القوى والمؤسسات العالمية الإمبريالية على دعم هذا المشروع والانقضاض على حريات شعوب العالم الثالث وتشجيع الولايات المتحدة على التورط فى سياسات عدوانية ضد الشعوب وإهدار استقلالها وسيادتها الوطنية والارتكاز على استراتيجيات عسكرية أكثر عدوانية الأمر الذى بات يدفع فى حال غياب الموازن العالمى أو القطب العالمى المنافس وعجز القوى العالمية الأخرى عن تأسيس نظام عالمى متعدد الأقطاب قادر على موازنة القوة الأمريكية المتغطرسة، إلى التعويل على الشعوب وحركة الشعوب للتصدى لهذا المشروع الإمبراطورى الأمريكى الصهيونى.
لقد شهد العالم طيلة السنوات الماضية إرهاصات لتأسيس مثل هذه الحركة التحررية العالمية الشعبية الديمقراطية ممثلة فى ظهور العديد من منظمات حقوق الإنسان والحركات الشعبية المناهضة للعولمة.
إن ما حدث فى يوم 12 فبراير/ شباط 2003 حيث تظاهر واحتشد أكثر من ثلاثة ملايين مواطن فى جميع أرجاء العالم تضامناً مع قضايا العرب فى فلسطين والعراق، ورفضاً للعولمة الأمريكية والاستعمار الجديد والمشروع الإمبراطورى الأمريكى يؤكد أن هناك فرصاً مواتية لتشكيل مثل هذه الحركة التحررية العالمية لتكون ظهيراً داعماً لحقوق وسيادة الأمم والشعوب والتصدى لكل نوازع الهيمنة والسيطرة الإمبراطورية الأمريكية. خصوصاً مع تنامى دور اليسار اللاتينى الجديد وبروز زعامات مؤمنة بهدف إعادة تأسيس حركة تحرر عالمية جديدة أمثال الزعيم الفنزويلى هوجو شافيز.
إن قيام مثل هذه الحركة سيكون بمثابة البديل الموضوعى لحركة عدم الانحياز أو الظهير الشعبى المساند لهذه الحركة، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تفجر حركات تحرر شعبية فى كافة أنحاء العالم الثالث وفى مقدمتها الوطن العربى كى تستطيع هذه الحركات الشعبية تأسيس حركة تحرير شعبية عالمية فى مؤتمر عالمى على غرار مؤتمر بلجراد عام 1961 وقبله مؤتمر باندونج عام 1955.
مثل هذا المؤتمر فى حالة قيامه سيحدث تحولاً مهماً فى بنية النظام العالمى وسيكون قادراً على ضبط أدائه وآلياته والحد من هيمنة مؤسسات الرأسمالية العالمية المتوحشة وعلى الأخص المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى ومنظمة التجارة العالمية والشركات العالمية متعددة الجنسيات، وسيكون هذا التحول فى صالح دعم حريات الشعوب وحقها فى نظام عالمى أكثر عدلاً وأكثر انضباطاً وأكثر توازناً فى تفاعلاته بما يحول دون نجاح المشروع الإمبراطورى الأمريكى – الصهيونى ويدعم حقوق الشعوب والأمم فى الحرية والعدل والتقدم والنهوض. وهذه مهمة أساسية على جدول أعمال حركة التحرر العربية المأمولة بل هى أحد أهم معالمها وخصائصها.