www.arabnc.org
الاستقلال الوطني والقومي 28البرنامج النهائي 28المشاركون في الدورة 28البيان الصحفي للدورة 28مبادرات ومواقف المؤتمر 10 نيسان 2016 - 8 أيار 2017المشهد السياسي 28الديمقراطية وحقوق الإنسان 28العدالة الاجتماعية 28التنمية المستقلة 28التجدد الحضاري 28أمريكا والإرهاب وافتراءات على الإسلامالبيان الختامي للدورة 26
   
الصفحة الرئيسة
جدول الأعضاء المشاركين عام 1990
جدول الأعضاء المشاركين عام 1991
جدول الأعضاء المشاركين عام 1992
جدول الأعضاء المشاركين عام 1993
جدول الأعضاء المشاركين عام 1994
جدول الأعضاء المشاركين عام 1996
جدول الأعضاء المشاركين عام 2000
جدول الأعضاء المشاركين عام 2001
جدول الأعضاء المشاركين عام 2002
المشاركون في الدورة المشتركة عام 2002
المشاركون في الدورة الطارئة عام 2002
جدول الأعضاء المشاركين عام 2003
جدول الأعضاء المشاركين عام 2004
جدول الأعضاء المشاركين عام 2005
جدول الأعضاء المشاركين عام 2006
جدول الأعضاء المشاركين عام 2007
جدول الأعضاء المشاركين عام 2008
جدول الأعضاء المشاركين عام 2009
جدول الأعضاء المشاركين عام 2010
جدول الأعضاء المشاركين عام 2011
جدول الأعضاء المشاركين عام 2012
جدول الأعضاء المشاركين عام 2013
جدول الأعضاء المشاركين عام 2014
جدول الأعضاء المشاركين عام 2015
جدول الأعضاء المشاركين عام 2016
جدول الأعضاء المشاركين عام 2017
القائمة البريدية
بحث
تصغير الخط تكبير الخط 
الاقتصاد العربي 2010 - 2011 ((الاقتصاد العربي 2010 - 2011))

المؤتمر الثاني والعشرون
   27 – 28 أيار/مايو 2011
          بيروت - لبنان


الاقتصاد العربي إلى أين؟
من الريع إلى الإنتاج 2010 - 2011**

د. زياد حافظ *


* أمين عام المنتدى القومي العربي في لبنان، عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي، عضو مجلس الأمناء لمركز دراسات الوحدة العربية.
** ورقة أوّلية أعِدّت حول حال الأمة اقتصادياً لمناقشتها قبل تضمينها تقرير حال الأمة بصيغته النهائية.
- لا تعبر هذه الورقة بالضرورة عن رأي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.
*** لا يجوز نشر هذه الورقة كلاً أو جزءاً إلا بموافقة تحريرية من إدارة المؤتمر.
 

الاقتصاد العربي إلى أين؟
من الريع إلى الإنتاج


تعيش الأمة العربية صحوة تبشّر بمستقبل مشرق. أعداء الأمة يحاولون سرق الثورة العربية القائمة في عدد من الأقطار العربية. وعي الشعب هو الضمانة الوحيدة لإفشال مخططات تحالف الغرب والصهيونية. غير أن ما يهمّنا في هذه الورقة استشراف مستقبل هذه الأمة من الناحية الاقتصادية. فالخطاب السياسي القائم في الحراك الثوري الحالي يتكلّم عن الفساد والاستبداد والتبعية. وهذه المواضيع لها مضمون اقتصادي سواء في سبب الأوباء المذكورة أو ما ينتج عنها. فالواقع الاقتصادي العربي مقارنة مع دول آسيا وأميركا اللآتينية ناهيك عن الدول الغربية ضعيف للغاية وإن كانت هذه الأمة غنية بموارد طاقة ومعدنية وزراعية وأهم من كل ذلك بموارد بشرية لم يتمّ استغلالها كما يجب. لذلك يجب أن نطرح السؤال إلى أين ذاهبون؟
الإجابة على ذلك تطّلب منا تشخيصا سريعا للواقع الاقتصادي العربي والتحدّيات التي نواجهها منها المعوّقات للنمو والتنمية وتوزيع الثروة بشكل عادل ومنها العوامل والحوافز الإيجابية للتغيّير. فالتغيّير آت وعلينا أن نستعدّ له لتحديد مسار ووتيرة إيقاعه.لذلك معرفة الواقع الاقتصادي خطوة أساسية لاستشراف التغيير ألآت.
واقع الاقتصاد العربي
الأدبيات المتعددة حول حالة الاقتصاد العربي تؤكد على تراجع معدلات النمو خلال السنتين الماضيتين (2009-2010) . وتقديرات التقرير الاقتصادي العربي الموحد تفيد أن الناتج الداخلي لمجموع الدول العربية تراجع من 1,9 ترليون دولار عام 2008 إلى 1,7 تريليون دولار عام 2009. ويشكل ذلك انكماشا بنسبة 11,9 بالمائة بينما كان النمو في السنة السابقة 25,8 بالمائة . والواضح أن الأزمة المالية العالمية كانت مؤثرة في اقتصادات الدول العربية حيث صادرات السلع والخدمات تراجعت أيضا.  من جهة أخرى معدلات البطالة وفقا للبيانات المتوفرة تتراوح بين حدّ أدنى 3.9 بالمائة (الإمارات) إلى حدّ أقصى 50 بالمائة (جيبوتي).  يتمحور معدّل البطالة في معظم الدول حول15 بالمائة  علما أن هذه الأرقام والمعدّلات أقل من واقع الحال. فإذا دققنا أكثر في البيانات المنشورة نرى أن معدّل العاطلين عن العمل لأكثر من سنة يصل إلى 66.4 بالمائة في الجزائر، إلى 64 بالمائة في الكويت، إلى 69.5 بالمائة في المغرب . ليس هدف هذه الورقة الوقوف على التطوّرات الإحصائية لكافة القطاعات الاقتصادية لأنها لا تفي في رأينا بالغرض المطلوب. فالنمو في الدول العربية، ومن بعده التنمية بمعنى توزيع المنافع والخدمات والرفاهية وتحسين الوضع الاجتماعي والثقافي ليس ناتجا عن زيادة في إنتاج الثروة بل بسبب زيادة في الثروة  أو الدخل بل نتيجة البنية الريعية القائمة التي تظهر بعض مؤشرات النمو ولكن تخفي حقيقة التبعية الاقتصادية وغياب الاستقلال الوطني والأنانيات القطرية في التعاطي مع الأشقاء.
آثرنا إلى اقتباس ما كتبناه منذ بضعة سنين حول الموضوع لأن ما قلناه ما زالا قائما وصحيحا وتؤكده الأحداث يوما بعد يوم .  لا زال حتى الآن بين النخب العربية من يعتقد أن السمة الريعية في الاقتصاد العربي محدودة وبالتالي تعتبر أن سياساتها الاقتصادية والمالية صحيحة وفقا للنظريات السائدة.  غير أن الأدبيات التي تعالج مسألة الإنماء والتنمية في الوطن العربي ترتكّز على مفاهيم اقتصادية أنتجها الفكر الاقتصادي النظري الغربي بشكل عام دون الانتباه إلى أن التغيير الاقتصادي يأتي دائما بتحّولات اجتماعية وسياسية تؤثر بدورها على الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.  ومن جهة أخرى يغيب عن أدبيات الفكر القومي العربي البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في تحديد معالم النهضة العربية المنشودة لمعالجة التحديات التي تواجه المجتمعات العربية منذ أن حصلت الدولة القطرية على استقلالها أو عبر الحقبة النفطية التي طغت على بنية الاقتصادات القطرية سواء كانت منتجة للنفط أو لا.  كما أن  العولمة ومتطلباتها التي تفرضها وتتفاعل معها تلك المجتمعات بوتائر مختلفة ومتناقضة في معظم الأحوال ودون التقدم برؤية مشتركة حولها مُغيبة عن التحليل والتشخيص.  هنا نوضح ونكرر ما قلناه في محافل عديدة وفي أبحاث قدمناها أنه لا يمكن الفصل الاقتصاد عن السياسة.  فالاقتصاد ليس إلاّ السياسية ولكن بلغة الأرقام.  وغير الصحيح أن القرارات السياسية تُبنى على قواعد اقتصادي أو لمصالح اقتصادية.  فالبداية المشروع الاقتصادي مشروع سياسي يأخذ الطابع "العلمي" أو "الموضوعي" لكن في آخر المطاف هو قرار أو مشروع سياسي.  لقد أشرنا في أبحاث أن النظريات الاقتصادية ليست إلا الهندسة الفكرية لمشاريع سياسية بامتياز وذلك عبر التاريخ الفكر الاقتصادي.  أما "علمية" الاقتصاد فمسألة فيها وجهة نظر.  فالعلمية في أحسن الأحوال نسبية وتتعلق بمقتضيات الإنتاج.  أما التوزيع فهو لا يتعدّى المذاهب.  ولكن هذا حديث آخر يخرج عن إطار بحثنا هذا.
لذلك إن ما نقصده هو أن المصدر الريعي للثروة هو السمة الرئيسية للاقتصاد العربي.  لقد أشرنا في الدراسة المشار إليها أعلاه أن بنية الاقتصاد العربي مبنية أساسا على الريع وينتج عنها ثقافة مدمرّة لمستقبل القطر والأمة.  وفي اعتقادنا الأدبيات الاقتصادية العربية لم تعالج بشكل واف دور الريع في الاقتصاد والتداعيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وأهم من كل ذلك بعده الثقافي والأخلاقي في المجتمعات العربية.  كما أن الأدبيات العربية أغفلت دور بنية النظام السياسي الفئوي بشكل أساسي في تثبيت البنية الاقتصادية في إنتاج الريع كمصدر رئيسي للثروة.
لذلك سنركّز في هذا البحث على الطابع الريعي للاقتصاد العربي والثقافة الناتجة عنه.  بعد ذلك يمكننا أن نطرح لاحقا بعض التوصيات للخروج من المأزق البنيوي النظامي سواء على صعيد السياسات التي يجب إتباعها أو رصد بعض المشاريع التي يجب أن تقام.
أولا- تعريف الريع
جاء في "لسان العرب" أن الريع هو "النماء والزيادة" ، كما أضاف: قيل"هي الزيادة في الدقيق والخبز".  ومن مشتقات المصطلح "أرض مَريعة بفتح الميم، أي مُخصبة".  وينقل ابن منظور عن أبي حنيفة "أراعت الشجرة" أي كثر حملها، قال: "وأراعت الإبل: كثر ولدها".  كما أن "كل زيادة ريع".  أما البعد الثاني للمصطلح فهو مفهوم العود والرجوع كما حدّده أيضا "لسان العرب".  والبعد الثالث للمفهوم جاء من القرآن الكريم: أتبنون بكل ريع آية" بمعنى مكان مرتفع.  كما لا بد من الإشارة إلى ما جاء في "المقدمة" لابن خلدون عندما تكلّم عن "فوائد العقار والضّياع".  فيقول "أن القصد باقتناء الملك من العقار والضياع إنما هو الخشية على من يترك خلفه من الذرية الضعفاء ليكون مرباهم به ورزقه فيه ونشؤهم بفائدته ما داموا عاجزين عن الاكتساب" . فالعقار يدّر ريعا دون مجهود ما من مالكه ويعتبر من التأمين ضد المستقبل!  في هذا السياق نشير إلى أن بن خلدون ميّز قبل 400 سنة من آدم سميث بين الربح والريع عندما أنّب الضعيف الذي لا يستطيع الكسب بالسبل الطبيعية فيلجأ إلى الحفر في الأرض لاستخراج المعادن وبيعها لتمويل الترف الذي كان يتنعّم به .
هذه المفاهيم متكاملة ومتقاطعة تمّ توضيحها قبل معالجة مفهوم الريع في الاقتصاد الكلاسيكي بعدة قرون!  والريع كما جاء في "لسان العرب" يساهم في تكوين الثروة كما كانت تفهم في ذلك الحين. ومصادر الثروة آنذاك كانت التجارة والزراعة والغنيمة أي اقتناص الثروة من الغير! وعند "حصول الكثرة البالغة منه والعالي في جنسه وقيمته في المصر...ربما امتدّت إليه أعين الأمراء والولاة واغتصبوه في الغالب" . فالغنيمة مفهوم أساسي في الثقافة العربية في تحديد الثروة والأمثال عديدة نحن بغنى عن سردها في هذا البحث.
إذا، الريع في "لسان العرب" مرتبط أولا بالزراعة وخاصة بتلك الأرض الخصبة التي تنتج أكثر من غيرها.  كما أن الثروات الحيوانية هي أيضا مصدر للريع أي الزيادة الناتجة عن خصوبة الحيوان وخاصة الإبل. من هنا تتبلور مفاهيم عديدة أولاها المردود المتكاثر وغير المرتبط بمجهود ما.  فخصوبة الأرض أو الإبل ليست ناتجة عن مجهود إنساني بل بقدرة (إلهية) خارجة عن إرادة الإنسان .  من هنا تبلّور الفضل الإلهي ويعزز ذلك المفهوم عدد من الآيات القرآنية التي تربط بين الرزق ومشيئة الله والتي تمّ استخدامها عن غير صواب لتبرير المفهوم الريعي كمصدر للثروة. والمعلوم أن القرآن الكريم يحثّ بشكل واضح على العمل والنشاط الاقتصادي وأن التحوير في التفسير هو من فعل الإنسان وما رافقه من انحطاط سياسي واقتصادي وثقافي في العالم العربي والإسلامي في القرون الأخيرة. لذلك يمكن القول أن ثقافة إنتاج الثروة عبر المجهود مُغيّبة إلى حد كبير في التراث العربي وإن كانت هناك تكاليف قرآنية واضحة تحثّ على العمل من أجل الكسب.  أما مصادر الثروة فهي ناتجة إما عن الريع أو عن مجهود الآخر الذي يُغنم .

ثانيا- مصادر الريع

مصادر الريع خارجية وداخلية.  السرد السريع لتلك المصادر يكشف أن المصدر الخارجي للريع هو الأساس في العديد من الدول العربية.
1- المصادر الخارجية. (المقصود هنا أن النفط والغاز والمعادن التي تُصدّر ولا يتم استغلالها في الداخل)
أ‌- النفط.  فمن البديهي أن أوّل ما يخطر على بال أي باحث في هذا الموضوع أن ينظر إلى النفط والغاز في الوطن العربي بشكل عام ودول الجزيرة العربية بشكل خاص مع ذكر الجزائر وبلاد الرافدين كمنتجين أساسيين للنفط.  ويعتبر النفط والغاز من الثروات المحدودة بشكل عام وغير قابلة للتجديد، لكنهما يدّران الريع الاقتصادي والمالي بسبب الكلفة البديلة (opportunity cost) أي كلفة مصدر بديل للنفط والغاز والذي يجسده الفارق الكبير بين كلفة الإنتاج لاستخراجهما وسعر المبيع لكلاهما. فالفارق بين سعر المبيع وكلفة الإنتاج لا يعكس مجهودا خاصا من قبل الحكومات أو الشركات التي تستخرج النفط أو الغاز.  فما يسمّى بآليات السوق مسؤولة، عبر العرض والطلب من جهة والتحكّم بشبكات التوزيع والقوانين والتشريعات التي تحيطها وأيضا المضاربة المالية من جهة أخرى، يخلق الفارق بين الكلفة المتدنية نسبيا وسعر السوق.
ب‌- المعادن.  مصدر ثان خارجي  للريع لعدد من الأقطار العربية كالمغرب والأردن على سبيل المثال اللذان يستخرجان الفوسفاط.  لقد أشار إلى ذلك بن خلدون منذ أكثر من 600 سنة!  والريع الناتج عن استخراج تلك المعادن أقّل نسبيا من الريع النفطي أو الغازي إلا أن نفس الأحكام التي تعود للنفط والغاز يسري مفعولها على المعادن.  الفرق بين النفط والغاز من جهة والمعادن كالفوسفاط مثلا هو أن الطبيعة الإستراتيجية للنفط والغاز أكثر أهمية من الفوسفاط.  وكما في النفط والغاز فإن الصادرات للمعادن تعطي الطابع الخارجي للريع.
ت‌- الممرات الإستراتيجية.  قناة السويس مثل عن ذلك أو الأنبوب الذي يربط السويس بالبحر المتوسط ((SUMED – الشكل العصري الحديث لخطوط قوافل قريش قبل وبعد ظهور الإسلام.  فالممر المائي كان وما زال مصدرا للريع بسبب الموقع الجغرافي الإستراتيجي للنقل البحري سواء لغرض تجاري أو عسكري.  وهذه الممرات مقرونة بعامل "السيادة" المحصورة بمالك الممر – أي الدولة. فالممر الذي لا يوجد له بديل اقتصادي مقبول على صعيد الكلفة وأو الوقت يوّلد الريع.  فعائدات القناة ريع بامتياز. مثل آخر هو الجعالات التي تدفع للدول العربية من قبل الشركات النفطية أو الغازية للإمدادات الخطوط النفطية أو الغازية كما يحصل في لبنان وسوريا وبين ليبيا والجزائر من جهة وجنوب أوروبا.
ث‌- النفقات السياحية. عدد كبير من الدول العربية يتمتع بمواقع آثارية هامة ونادرة كمصر ولبنان وسوريا والأردن وتونس والمغرب على سبيل المثال. والدخل العائد للدولة "السياحية" هو نتيجة "السيادة" الداخلية والخارجية على التراث الثقافي  الذي  مكّن للدولة الحصول على الموقع الاحتكاري للمدخول. ومفهوم ممارسة "حق السيادة" أساسي في فهم تكوين الريع.
ج‌- التحويلات من المغتربين والعاملين في الخارج. تشّكل التحويلات من المغتربين والعاملين في الخارج إحدى أهم التدفقات المالية الخارجية إلى عدد كبير من الدول العربية.  والملفت للنظر أن تلك التحويلات من العاملين في الخارج تتميز باستقرارها النسبي.  فهي لا تتراجع مع تراجع النشاط الاقتصادي نتيجة حدوث صدمات مالية أو كوارث طبيعية أو نزاعات سياسية بينما تتأثر بقية التدفقات المالية .  وهذا أحد الأسباب الذي يعطي تلك التحويلات الطابع الريعي. فالدولة المستقبلة لتلك التحويلات لا تبذل أي مجهود لجني ذلك المدخول بل ربما هو خارج عن إرادتها وخاضع لإرادة مواطنيها المقيمين في الخارج.
ح‌- المساعدات الخارجية. عدد كبير من الدول العربية غير النفطية يتلقّى مساعدات منتظمة من دول أخرى ومن مؤسسات دولية.  وتشّكل هذه المساعدات جزءا هاما من موازنات الدول المستفيدة ولولاها لما استطاعت تمويل مشاريع نفقاتها الداخلية. ولسنا في إطار مناقشة جدوى وشروط تلك المساعدات التي يطغي عليها الطابع السياسي بل نكتفي بالتشديد على أن هذه المساعدات هي أيضا نوع من الريع الاقتصادي والمالي بسبب غياب "المجهود" من الدولة المستفيدة الذي لا يتعدى طبيعة "المكافاءة" السياسية للموقع الإستراتيجي للبلد أو لمواقف سياسية معينة من قبل الحكومات  في لعبة الأمم.

2- المصادر الداخلية.

أ‌- سيادة الدولة على بعض النشاطات والمرافق الاقتصادية. تشكّل الدولة الحلقة المركزية في الدورة الاقتصادية في الدول العربية سواء كانت تتدخل مباشرة في الإنتاج أو تكتفي بتنظيم النشاط الاقتصادي أو الإثنين معا. فالدولة هي المبادر الأول (entrepreneur) في الحياة الاقتصادية وسياسة الإنفاق المتبعة تحدد وتيرة النشاط القائم. ويستديم النظام السياسي القائم مع توظيف الاقتصاد الريعي لمصلحته.  وهذا ما نراه في دول الجزيرة العربية حيث الدولة هي التي تحدد وتيرة النشاط الاقتصادي عبر المناقصات والعقود التي تمنحها على القطاع الخاص.   فالخدمات التابعة لنشاطات الدولة هي وعاء الريع الموزع على المتنفذين.
من جهة أخرى فإن ممارسة السيادة على مصدر اقتصادي تأتي بالريع. والسيادة ليست محصورة بسلطة الدولة بل تُنقل إلى الفعّاليات الاقتصادية التي تمارس أيضا سيادتها على مراكز الإنتاج والتوزيع.  فالتجارة تأتي بالريع عندما يستطيع التاجر أن يُفعّل السيادة على شبكات التوزيع كالاحتكار في النقل مثلا أو التحكّم بالعرض أو خلق حاجة غير موجودة أصلا من الرغبات الاستهلاكية التي توّلد الطلب.  وإذا أردنا أن نلقي نظرة إلى التاريخ العربي نرى أن قريش كانت مسيطرة على أمور مكّة بسبب نفوذها الاقتصادي.  ذلك النفوذ كان ناتجا عن المكانة المميّزة في إعداد قوافل الصيف والشتاء التي كانت تربط حركة السلع شرقا وغربا وشمالا وجنوبا وبين الهند والصين وشرق إفريقيا وبلاد الروم وفارس.  وهذه المكانة كانت بدورها ناتجة عن دور قريش في تحقيق خطوط القوافل الآمنة التي أقامتها عبر التحالفات والمعاهدات بين مختلف القبائل في المنطقة.  لذلك مارست قريش "السيادة" في تأمين خطوط القوافل التجارية وجنت أرباحا بسبب الأمن الذي أوجدته. هذه الأرباح لم تكن مرتبطة لا بسعر أو بكلفة إنتاج السلعة بل بسبب الأمن المتوفر بمجهودها ومجهود القبائل الأخرى.  كما أن احتكار قريش لخدمات الحج (السقاية مثلا) نتجت عن نفوذ قريش وساهمت في تغذية ذلك النفوذ.    غير أن الفائض من الربح المتحقق هو الريع بعين ذاته تطبيقا للتعريف ولواقع الاحتكار في الأمن.  فالسيادة تولّد الريع.  من هنا نرى أن قريش استطاعت توظيف مكانتها السياسية والعسكرية لتأمين مصادر ثروتها أي مكانتها الاقتصادية التي هي في دورها حصّنت مكانتها السياسية والعسكرية وبالتالي اكتملت الدائرة.
ب‌- تجارة النفوذ. الريع مرتبط بالنظام السياسي السائد في مختلف الأقطار العربية.  والثروة الوطنية توزع وفقا للولاءات والقرب من رأس الهرم.  من هنا تنشأ تجارة النفوذ أو السيادة التي توزّع المكاسب والمناصب والمنافع وفقا لسلّم الأولويات القائم المبني على العلاقة بين المستفيد وصاحب النفوذ. فعلى سبيل المثال وليس الحصر إن معظم النشاطات التجارية تتمحور حول وكالات الشركات الأجنبية المحصورة بتلك الفئات والتي تطغي على التبادل التجاري الداخلي.  من جهة أخرى ينشأ الريع أيضا من خلال سياسة الإنفاق التي تقوم بها الدولة عبر المشاريع الإنشائية الضخمة التي يتمّ تلزيمها لشركات يملكها نافذون في الحكم أو حتى أفراد الحكومة .  فليس هناك تناقض بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة للمتنفذين وفقا لثقافة ملتوية، فهم يختزلون بأشخاصهم المصلحة العامة !  
ت‌- المضاربات المالية. إضافة إلى ذلك فقد ارتبطت فكرة الريع بظاهرة المضاربة لأن الريع في كثير من مزاياه المتناقضة مع الجهد والإنتاج سرعان ما يؤدي إلى قيام عقلية المضاربة التي تسعى إلى تحقيق الربح السريع وبدون مجهود إنتاجي. لذلك شهد عدد من الأقطار العربية موجات من النشاط المكثف في الأسواق المالية منذ السبعينات من القرن الماضي تزامنت مع دعوات "الانفتاح" الاقتصادي وتبنّي نظرية السوق خلافا لأحكام الاقتصاد الموجّه والتخطيط العام.  ففي مطلع الثمانينات وقعت حادثة سوق المناخ في الكويت ومن بعد ذلك في مصر في المصارف "الإسلامية" التي شهدت اختلاسات عديدة بسبب ضعف الرقابة المقصود أو غير المقصود.  كما شهدت أيضا دول الجزيرة العربية مضاربات مالية مؤخرا في مختلف الأسواق المالية التابعة لها حيث تراجعت البورصات فجأة بشكل حاد أدّت إلى إفلاس عدد كبير من المضاربين.  ومعظم المضاربين من ذوي الدخل المحدود الذين استهوتهم إمكانية الربح السريع دون بذل أي مجهود عقلي أو جسدي. وهناك روايات عن موظفين ومدرّسين تركوا مهنتهم للمضاربة بمدخراتهم للحصول في يوم واحد مثلا على ما كانوا يكسبونه في أشهر أو حتى في سنوات.
ولا بد من ذكر سياسات دول الخليج في مأسسة ثقافة الريع عبر إنشاء صناديق مالية معروفة بالصناديق السيادية تؤمن الدخل للأجيال القادمة عبر توظيف الأموال بشكل أساسي في السندات والأوراق المالية في الأسواق المالية الأجنبية.  وإذا كان وعي تلك الحكومات في إمكانية نضوب النفط محمودا إلا أن السياسة المتبعة لتأمين مستقبل الأجيال القادمة عبر تدفق الريع الناتج من الأوراق المالية لا يشجّع على تنمية ثقافة وقيمة المجهود والعمل المنتج.  ويمكن القول أن تطوّر تلك الصناديق السيادية المالية إلى مواقع متقدمة في الأسواق المالية الدولية لا يؤمّن بالضرورة مصلحة المواطنين الخليجيين العرب بل قد تجعلهم رهينة لابتزازات من قبل الدول العظمى التي تملي رغباتها على تلك الصناديق عبر إخضاعها لإرشادات صندوق النقد الدولي أو الخزينة الأميركية .
أما في لبنان فقد أقدمت الحكومة اللبنانية منذ بداية التسعينات على خلق نوع من الريع غير المشروع عبر تحويل الأموال العامة إلى مجموعة قليلة من المتمولين والنافذين المحليين والإقليميين.  تمّ ذلك عبر إصدار سندات الخزينة المقرونة بفوائد عالية جدا وغير مبررة لا على الصعيد الاقتصادي أو المالي .  فالدين العام أصبح مصدرا لريع مضمون ومكفول لحاملي تلك السندات دون أي يرافق ذلك أي مجهود إنتاجي. 
ث‌- المضاربات العقارية. هذا وقد سبقت المضاربات العقارية تاريخيا المضاربات المالية كمصدر لريع مزدوج: الريع الناتج عن المدخول (أي الإيجار) المتصاعد والريع الناتج عن ارتفاع أسعار العقار سواء للاستثمار الحقيقي أو للمضاربة.  وشهدت عدة أسواق عربية نماذج عديدة للمضاربات العقارية الموّلدة للريع أصابت بضربات قاتلة حركة الاستثمار الفعلي.  وتوزيع الأراضي في دول الجزيرة العربية كانت وسيلة فعّالة لاستمالة الولاءات لمختلف أنظمة الحكم.  فالعاهل المؤسس للمملكة العربية السعودية عبد العزيز ابن سعود اعتمد توزيع الريع عبر توزيع العقارات للمقربين ثم عبر "شراء" الدولة العقارات الموزعة بأسعار باهظة محوّلة بالتالي الريع إلى الأقارب والمحسوبين.
أما في الكويت اعتمد الحاكم آنذاك الشيخ عبد الله السالم الصباح سياسة خلق المصالح المكرسة عند الأعيان الكويتيين عبر شراء العقارات بأسعار تفوق أسعار السوق .  وسرعان ما تعمّمت هذه السياسة في مختلف دول الخليج مما أدّى إلى خلق مصالح اقتصادية وسياسية تحافظ على الكيان والنظام و تتصدّى للدعوات الوحدوية السائدة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.  واستمرت سياسة وهب العقارات للوزراء والمقربين ومن ثمة شرائها بأسعار مرتفعة مشجعة بالتالي المضاربة العقارية وممهدة لحقبة المضاربة بالأسهم كما حصل في سوق المناخ في مطلع الثمانينات-أي تثبيت المصدر الريعي للثروة في تلك الأقطار .
ج‌- الخدمات كمصدر للريع الاقتصادي. لا بد من التوقف بعض الشيء لنقاش حول طبيعة الخدمات.  هذه الخدمات نشأت مع تطوّر الاقتصاد الرأس المالي الذي رافقه تطوّر سريع وواسع في التكنولوجيا في مختلف الميادين. فقطاع الخدمات يُسمّى بالقطاع الثالث – أي بعد القطاع الأول وهو القطاع الزراعي – والقطاع الثاني أي قطاع الصناعة بشكل عام بما فيها الصناعات التحويلية والبناء والطاقة.  والقطاع الخدماتي وظيفته الأولى خدمة نشاطات القطاعين الأول والثاني.  فعلى سبيل المثال  المنتج الزراعي أو الصناعي بحاجة إلى بيع منتوجه في الأسواق ومن هنا انبثق القطاع التجاري.  فهذا النشاط الوظيفي يمكن أن يكون إما مباشرة من المنتج أو عبر وسيط.  مع الوقت وبسبب التطورات في النظام الرأس المالي والتكنولوجيا على مدى القرون أصبحت التجارة نشاطا قائما بحد ذاته متجاوزة الخدمة المباشرة للقطاعين الإنتاجيين. لم يتخلّ القطاع التجاري عن وظيفته الأولى بل استطاع أن يخلق حاجات إضافية لم تكن موجودة في الأساس كالوساطة التجارية والبيع بالجملة. وهنا بيت القصيد.  فالخدمة هي كالسلعة تنتج وتعطي قيمة مضافة يستفيد منها المجتمع. فكلما كانت العلاقة مباشرة بين منتج الخدمة والمستهلك الأخير كانت القيمة المضافة التي يستفيد منها كل من المنتج والمستهلك.  غير أن تواجد الوساطة بين المنتج والمستهلك أدّى إلى اقتناص القيمة المضافة من المنتج ومن المستهلك وامتلكها الوسيط.  هذه القيمة المضافة المقتنصة (الوجه الحديث للغنيمة!) هي نوع من الريع لأنها مردود بدون مجهود متعلّق بإنتاج القيمة المضافة.
كذلك الأمر بالنسبة للمؤسسات المالية والأسواق التابعة لها.  في البداية كان دورها الوساطة المطلوبة بين المدخّر وبين صاحب المشاريع التي هي بحاجة إلى تمويل.  فالبورصة وظيفتها الأولى كانت تأمين رأس المال للمشاريع الجديدة.  مع التطوّر الاقتصادي والمالي أصبحت مصدرا لريع مالي.  فالأوراق المالية التي تصدرها الشركات المدرجة في البورصات من أسهم وسندات طويلة ومتوسطة وقصيرة الأجل والمشتقات عنها (derivatives) كانت في الأساس لتأمين الحاجات المالية للمؤسسات.  وهنا أيضا مع الوقت تطوّرت الأمور فأصبحت تلك الأوراق مصدرا لتزايد في أسعارها بسبب المضاربة موّلدة بالتالي ريعا ماليا.  ويمكن القول أن البورصة أصبحت مصدرا أساسيا في تقدير قيمة الشركات والمؤسسات التي تأخذ بعين الاعتبار في سياساتها ما يمكن البورصة أن تقوم به تجاهها.  فالوسيط أصبح بشكل مباشر أو غير مباشر المقرر للقيمة!  في مطلق الأحوال هذا باب للنقاش بين الاقتصاديين والمسؤولين في الشركات المنتجة والمؤسسات المالية التي تقوم بالوساطة.

ثالثا- بنية الاقتصاد العربي
بناء على ما تقدّم حول تعريف الريع ومصادره يمكننا تحديد معالم الاقتصاد العربي.  فكما ذكرنا سابقا، إن السمة الأساسية للاقتصاد العربي هو طابعه الريعي.  وتؤكد البيانات الإحصائية على ذلك.  فجميع الاقتصادات العربية ريعية سواء كانت منتجة للنفط أو غير منتجة.  ففي عام 2009 شكّلت الصناعات الإستخراجية (نفط وغاز ومعادن) 56.4 بالمائة من إنتاج القطاعات الإنتاجية و38 بالمائة من الناتج الداخلي.  وإذا قسمنا الدول العربية بين دول منتجة للنفط ودول غير منتجة للنفط نجد أن النفط والغاز يشكّلان أكثر من 47 بالمائة من الإنتاج الإجمالي لتلك الدول.  ونلفت النظر أن الناتج الداخلي لتلك الدول يشكّل حوالي 70 بالمائة من الإنتاج الداخلي لجميع الدول العربية.  أي بمعنى آخر أن ثمانية دول منتجة للنفط تشكّل 70 بالمائة من الناتج الداخلي العربي.  وبما أن النفط والغاز يقاربان نصف الإنتاج الداخلي لتلك الدول نرى مدى تبعية تلك الاقتصادات للمصدر الريعي للثروة.
مؤشر آخر يدّل على "ريعية" الاقتصاد العربي.  ونقصد بذلك تنامي قطاع الخدمات على حساب القطاعات الأخرى حيث سجّل قطاع الخدمات عام 2009 ما يوازي 46 بالمائة من الناتج الداخلي بينما كان لا يتجاوز عام 2005 37 بالمائة من الناتج الداخلي .  لقد أشرنا بشكل سريع أعلاه وفي دراسة سابقة لا داعي لتكرارها أن قطاع الخدمات أصبح يميل أكثر للمصادر الريعية كما أن طبيعة تلك الخدمات أصبحت تجني الريع بدلا من القيمة المضافة للناتج القومي.  فالممارسات الاحتكارية الشائعة في قطاع التجارة عبر الوكالات الحصرية  على سبيل المثال والمضاربات المالية والعقارية أصبحت السمة الطاغية على النشاط الخدماتي في مختلف البلدان. هذه الظاهرة ليست خاصة بالمشهد العربي بل وصل الداء إلى الولايات المتحدة التي كانت أول مُصدّر للسلع في العالم حتى بضعة عقود إلى أن أصبحت الآن تستورد حاجاتها من الصين ودول آسيا وأميركا اللاتينية.  فالثروة في الولايات المتحدة مصدرها  الآن الخدمات التي تجني الريع.  وليست المضاربات المالية في الأسواق المالية إلاّ خير دليل عن رغبة جني الثروات دون مجهود يذكر.
المؤشر الثالث ل"ريعية" الاقتصاد هو دور الدولة الإنفاقي كمحرّك أساسي للاقتصاد الوطني في مختلف الأقطار.  لقد بلغت مستويات الإنفاق العام لعام 2009 ما يوازي 35 بالمائة من الناتج المحلّي، أي أن إنفاق الدولة يساهم بأكثر من الثلث في العجلة الاقتصادية.  وإنفاق الدولة يساهم في رفع المداخيل عبر عامل المضاعف أو المكرر الاقتصادي (economic multiplier  .(بما أن موارد الدول تأتي أساسا من الإيرادات النفطية  فإن الطابع الريعي يتأكد أكثر فأكثر.  فالإيرادات النفطية تشكّل بين 72 و75 بالمائة من الإيرادات العامة في الدول العربية.  أما الإيرادات الضريبية فلا تتجاوز 22 بالمائة. وضعف الإيرادات الضريبية يعكس الضعف فى النشاط الإنتاجي التي تُبنى عليه ضرائب الدخل التصاعدية.
لا بد لنا أن نلفت الانتباه إلى أن الظاهرة الريعية في الوطن العربي مترسخة منذ آلاف السنين.  فقبل وبعد ظهور الإسلام لم يكن المجهود الإنتاجي من الظواهر المحمودة.  مصادر الثروة كانت ومازالت حتى الآن الغنيمة وأو التجارة. كلاهما تستند على اقتناص مجهود الغير.  الغنيمة هي الأخذ بالقوة بينما التجارة هي أخذ القيمة المضافة أو المجهود بالتراضي.  للمزيد من التفاصيل يمكن اللجوء إلى دراساتنا المشار إليها أعلاه. وتأكيدا على الثقافة التي تنبذ المجهود نشير إلى ما قاله العلاّمة ابن خلدون في الموضوع،  أحد الذين تحدّثوا بشكل مسهب عن الاقتصاد أو بالأحرى عن النشاطات الاقتصادية في كتب التراث العربي الإسلامي هو ابن خلدون.  فقد جاء في الفصل الخامس من الكتاب الأول ما يوازي ثلاثة وثلاثين فقرة (يسميها "فصل") تعدادا للصناعات والنشاطات الاقتصادية.  فعنوان الفصل برمته معبّر وهو: "في المعاش ووجوبه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كلّه من الأحوال (وفيه مسائل)".  وابن خلدون يميّز بين النشاطات التي تؤدي إلى "معاش طبيعي" بينما "ابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي" .  وكذلك الأمر بالنسبة للخدمة المحصور وفقا لمفهومه ب"الجندي والشرطي والكاتب" . فمسؤولية الحاكم هي اقتطاع من بيت المال ما يلزم ل"يكفل أرزاقهم" عندما يقومون بالمهام المكلّفة بها.
فالمعاش الطبيعي مقرون بمجهود. "فالكسب الذي يستفيده البشر إنما هو قيم أعمالهم.  ولو قَدّر أحد عطل عن العمل جملة لكان فاقد الكسب بالكلية.  وعلى قدر عمله وشرفه بني الأعمال وحاجة الناس إليه يكون قدر قيمته، وعلى نسبة ذلك نمو كسبه أو نقصانه" . ولكن المعاش الطبيعي المقرون بمجهود لا يعطي الجاه وبالتالي تصبح الفلاحة (أي الزراعة عند ابن خلدون) مقرونة ب"المذّلة" ويستشهد بمقولة بعض الأنصار "ما دخلت هذه دار قوم إلاّ دخله الذلّ" . من هنا نرى أن العلاقة بين المجهود والكسب يتنافى مع الجاه المقرون مع كثرة المال.
أما التجارة فهي "محاولة بتنمية المال بشراء السلع بالرخص وبيعها بالغلاء، أيام كانت السلعة من دقيق أو زرع أو حيوان أو قماش. وذلك القدر يسمّى ربحا" .  وعلى ما يبدو لم تكن التجارة ذا مرتبة عالية عند ابن خلدون فهي"نازلة عن خلق الرؤساء وبعيدة من المروءة" .  وبالتالي كانت الصنائع أرفع من التجارة فهي "تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته" ، فرسوخها يكون برسوخ الحضارة.  ويعود ذلك للتكرار وطول الأمد.  نرى هنا أن ابن خلدون أعطى قيمة أساسية وأخلاقية للاقتصاد الإنتاجي كما سبق بعدة قرون نظرية آدم سميث المتعلقة بتطور السوق عبر تقسيم العمل الذي لا يكون إلاّ بالتخصص (ضرورة المعلم في الصنائع) والتكرار.  وربما هذه سابقة أيضا لنظرية الإنتاج بالسلسة التي ابتكرها هنري فورد في مطلع القرن العشرين في صناعة السيارات.
والطريف في بحث ابن خلدون أن "العرب أبعد الناس عن الصنائع" بينما "أمم النصرانية عدوة البحر الرومي أقوم الناس عليها"  ذلك لأنهم "أعرق في العمران الحضري وأبعد عن البدو وعمرانه" .  ويضمّ إلى تلك القافلة بلاد العجم والصين والهند وأرض الترك وأمم نصرانية استكثرت فيها الصنائع بينما عجم المغرب من البربر "مثل العرب" في عدم إتقانها!  فما أشبه الأمس باليوم!

رابعا- تداعيات الاقتصاد الريعي في الوطن العربي

بالإضافة إلى ثقافة اللامجهود التي تحدّثنا بشكل سريع في الفقرة السابقة هناك تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية نسردها بشكل سريع لضيق المساحة والوقت المتاح لمناقشة مضمون هذه الورقة.  أولى التداعيات تفشّي ثقافة اللامسائلة واللامحاسبة وما يرافقها من تجذير ثقافة الفساد.  الثورة العربية القائمة في عدد من الأقطار العربية هي ضد الفساد.  لقد تحدّثنا بإسهاب في دراستنا السابقة المشار إليها أعلاه عن العلاقة العضوية بين الاقتصاد الريعي والفساد وبطبيعة الحال بالنظام السياسي القائم حتى اندلاع الثورة العربية في شهر كانون الأول 2010 في تونس. 
أما على صعيد الاقتصادي فإن الطابع الريعي يتلازم مع الانكشاف الخارجي.  فالدولة الريعية لا تنتج ما يكفي حاجياتها الأساسية وتستورد من الخارج ما يلزمها.  هناك مدرسة اقتصادية ليبرالية تبرّر ذلك تحت رآية التجارة الحرّة.  فبما الاقتصادات العربية تستورد من الخارج بشكل عام ومن الشركات العملاقة المتعددة الجنسية فإن "الانفتاح الاقتصادي" يؤدي إلى تبعية واضحة تجاه الخارج.  وبما أن الأسواق القطرية ضيّقة لتبرير جدوى إنشاء مؤسسات اقتصادية تنتج السلع والخدمات ذات القيمة المضافة للثروة الوطنية تصبح تلك الأسواق مرتعا للشركات الأجنبية عبر وكلائها الحصريين الذين يجنون الأرباح غير المشروعة ويقتنصون إضافة إلى مجهود الغير ما يُسمّى بالفائض الاستهلاكي (consumers’ surplus).  ذلك الأمر يساهم بشكل مباشر في تمركز الثروات بيد القّلة المستفيدة.  هذه الأقلّية المستفيدة مقرّبة من أواسط الحكم والنفوذ وبالتالي تترسّخ العلاقة بين تلك الطبقة والنخب الحاكمة.  مثل تونس ومصر خير دليلين على ذلك ويمكن الإضافة إلى تلك القائمة الدول النفطية في الجزيرة العربية وحتى في دول غير منتجة للنفط كلبنان والأردن والمغرب. 
الدول العربية تشكو من عجز مزمن في موازينها التجارية.  فالبيانات الإحصائية تشير إلى أن الدول التي تتمتع بشيء من الفائض في ميزانها التجاري هي الدول المصدّرة للنفط.  أما إذا استثنينا النفط والغاز من الصادرات فإن العجز يكون أكبر مما هو عليه.  أضف إلى كل ذلك فإن حجم التجارة العربية الإجمالية إذا ما استثنينا الصادرات النفطية لا تتجاوز تجارة بلد صغير كسويسرا . على كل حال ندعو الاقتصاديين العرب إلى مراجعة الأسس الفكرية للنظريات الاقتصادية وتداعياتها على السياسات الاقتصادية.  فعلى سبيل المثال في قضية التجارة الحرة فإن فرضيات التجارة الحرة كما تُدرّس في الجامعات تفرض دالات إنتاجية متشابهة بين الدول المتجاورة.  فهل يمكن أن نقول أن دالات الإنتاج العربية متشابهة مع الدول المتقدمة؟  من هنا نرى زيف ووهم مفهوم "الشراكة" مع الدول المتقدمة حيث بطبيعة الحال تصبح "الشراكة" لمصلحة الطرف الأقوى أي الدول المتقدمة والمنافع العائدة للدول الناشئة ضعيفة ومحصورة بيد أقلّية نافذة في الحكم.
التجارب الاقتصادية العربية لإقامة اقتصادات غير ريعية بل منتجة تمّ محاصرتها وإسقاطها عبر "تغييّب" من بادر إليها.  تمّ إسقاط تجربة عبد الناصر وبومدين وصدام حسين عبر قتلهم أو محاربتهم وثم قتلهم.  فالنموذج المطلوب من أعداء الأمة هو النموذج القائم في بعض دول الخليج حيث تهدر الأموال في مشاريع عقارية وخدماتية لا طعم لها ولا فائدة منها. الاقتصاد المصري مقوّماته ما زالت جيّدة رغم المحاولات الحثيثة لتفكيكه عبر "الانفتاح" أو عبر الوكالات الحصرية والاحتكارات.  الحالة متكررة في معظم إن لم تكن جميع البلدان العربية.  لذلك لا بد من التفكير الجدّي في كيفية الخروج من هذه الحالة.
من تداعيات الاقتصاد الريعي الانكشاف تجاه الخارج وبالتالي التهديد بالأمن الغذائي.  فمعظم الأقطار العربية أقطار زراعية ولكن إهمال القطاع الزراعي لمصلحة القطاعات الخدماتية ساهم في إضعاف المناعة في توفير الأمن الغذائي.  معظم الدول العربية تستورد حاجاتها الغذائية.  السودان باستطاعته أن يكون المنتج والمستودع الغذائي للأمة بكاملها ولكن الحروب الداخلية حالت دون الاستثمار المطلوب في القطاع الزراعي.  الأمن الغذائي من الأولويات الحيوية.  نشير هنا إلى استعمال السلاح الغذائي في الغرب لفرض السياسات على الدول الناشئة.  كما أن الدول المتقدمة التي تدّعي تمسّكها بالتجارة الحرّة ورفع الدعم عن صادراتها ما زالت تمارس شتّى أنواع الدعم للقطاعات الزراعية في دولها وذلك على حساب القدرة التنافسية للدول الناشئة في تصدير المواد الزراعية.  لذلك تبقى الطاقات الإنتاجية للدول الناشئة ومنها الدول العربية محدودة للغاية.  لكن إذا ما توجّهت الدول العربية إلى الأسواق العربية وأصبحت مفتوحة للإنتاج العربي دون قيد أو شرط ووفقا لسياسات مدروسة ومتفق عليها فيصبح السوق العربي المكوّن من حوالي 350 مليون نسمة كافيا لاستيعاب الاستثمارات المربحة في القطاع الزراعي وبالتالي يتأمن الأمن الغذائي للأمة.  وكذلك الأمر بالنسبة للاستثمارات الأخرى في الصناع والطاقة إلخ.
والأمن الغذائي مقرون بالأمن المائي.  الحصار الذي يفرض على الأمة لمحاصرة والاستيلاء على مواردها المائية قائما.  ليست المحاولات الأخير لتعطيش مصر عبر مصادرة ينابيع النيل إلأّ المحاولة الجيوستراتيجية لمحاصرة مصر مكّنتها سياسات نظام الرئيس مبارك.  وانفصال جنوب السودان يجب أن يُقراء من ضمن القراءات المتعددة من تلك الزاوية.  كيف سيعالج النظام المصري الجديد مسألة أمنه المائي مسألة لا تستطيع الانتظار.  كذلك الأمر في لبنان حيث أطماع الكيان الصهيوني بالموارد المائية اللبنانية غير خافية على أحد.  والضغط والنفوذ الصهيوني في الدول الغربية تمّ تجييشه لمنع السلطات اللبنانية من تطوير موارده المائية التي تهدر والتي تشكّل المبرر لوضع اليد عليها من قبل العدو.  أما في سوريا والعراق فالعلاقات السيئة بينهما ومع الجارة التركية أدّى إلى عدم استثمار مياه الفرات بالشكل المقبول. ولا ننسى الموقف الصهيوني في قضية تطوير روافد نهر الأردن قبل احتلالها للضفة والسيطرة على النهر. هذه بعض النماذج لقضية الأمن المائي ونلفت النظر إلى منشورات مركز دراسات الوحدة العربية حول هذا الموضوع الذي يشكل قاعدة مكتبية معرفية يمكن اللجوء إليها للقيام بأبحاث مفصّلة عن قضايا المياه في الوطن العربي.
الانكشاف الخارجي في الاقتصاد يترجم أيضا في انكشاف سياسي تجاه الخارج. الاقتصادات الريعية غير مقاومة بطبيعتها لأنها لا تنتج. والنخب الحاكمة في تلك الاقتصادات تحتاج إلى حماية خارجية لمصالحها الريعية المتمركزة فيها. من هذا هو أحد أسباب سماح إنشاء قواعد عسكرية في بعض الدول وكأن الاستعمار الذي طرد من الباب عاد ليطل برأسه من الشباك وبموافقة تلك النخب الحاكمة. والقواعد العسكرية الأميركية الموجودة في دول الخليج العربي تساهم بشكل مباشر في تقويض إرادة النظم الحاكمة. ونؤكد هنا أن من يرسم السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة هو البنتاغون وخاصة قيادة المنطقة الوسطى وأن وزارة الخارجية الأميركية تنفذ ولا تعد تلك السياسات . لذلك نرى أن القاعدة الاقتصادية لما كان يُسمّى ب"دول الاعتدال" هي الاقتصاد الريعي الذي يخشى من أي عملية مقاومة للهيمنة والسيطرة من قبل العدو الصهيوني أو من حلفائه الغربيين مما جعل تلك الدول "تدافع" عن مصالح الغرب وتمنع مقاومة الكيان.
إن القرارات التي اتخذت في السابق لإنشاء سوق عربية مشتركة لم يتمّ تنفيذها بسبب الموقف السلبي للحكومات العربية منها. كما أن بعد رحيل عبد الناصر وبومدين تحوّلت الاقتصادات العربية إلى أسواق للسلع الأجنبية وإلى تجذير الميل ألريعي لاقتصاداتها.  وبالتالي لا يصلح التكلّم عن تكامل اقتصادي عربي وسوق عربية مشتركة في ظل الاقتصاد الريعي القائم. فكيف يمكن أن تتبادل السلع القليلة التي تنتجها الدول العربية حيث فرضيات وقوانين التكامل الاقتصادي مفقودة ومغيّبة عن قصد. ليس قدر الدول العربية أن تكون دالات إنتاجها إما محدودة أو ملغية (خارج الإطار النفطي). إن اقتصادات الدول العربية في معظمها تتحرّك لتدوير بعض الفوائض المالية الناتجة عن إنتاج وتصدير النفط. فالقطاع المالي الناشئ والناشط مهمته الأولية تدوير تلك الفوائض. وهنا يمكننا أن نستطرد بعض الشيء في تعليقنا على الأزمة المالية العالمية.  ربما ضارة نافعة.  فالخوف الذي يسيطر على عقول وقلوب المستثمرين العرب في الأسواق المالية والعقارية في الغرب يدفعهم إلى مراجعة إستراتيجيات استثماراتهم. فالالتفات إلى الاستثمار في الأسواق العربية قد يكون الحل الطبيعي والمجدي لتلك الرساميل التي تبحث عن مشاريع.  طبعا، ذلك الأمر يتطلّب مراجعة أنظمة الاستثمار ومكافحة البيروقراطية الفاسدة وتسهيل حركة رؤوس الأموال العربية في وبين الأقطار العربية.
أما على الصعيد التربوي والثقافي فإن المدارس والجامعات تخرّج أفواجا بعد أفواج من الطاقات التي تعيد إنتاج الحال القائمة. الاقتصاد ألريعي غير معني بالاستثمار في العلوم.  هنا نريد أن نشدّد أن في العصر الذهبي للحضارة العربية لم تكن السمة الرئيسية لتلك المجتمعات العربية إنتاج الثروة بل إنتاج المعرفة والتي تمّ نقلها إلى الغرب. نذكّر أن أول جامعة في العالم أنشئت في مصر في القرن العاشر الميلادي في حقبة السلطة الفاطيمية. أما نماذج المدارس والجامعات القائمة فهي مُعدّة لخدمة الأسر الحاكمة ونخبها وليس لإنتاج معرفة. وبالتالي يتجذّر الانكشاف تجاه الخارج.

خامسا- بعض التوصيات أو التوجيهات

من الواضح أن الخروج من هذه الحالة أمر صعب ويتطلّب مجهودا كبيرا.  لا يمكننا أن نزعم بأننا نمسك بسلّة من الحلول فهذا جهد جماعي يفوق طاقتنا الشخصية. غير أن العمل التدريجي في التغيير الذي قد يطول أكثر من جيل على الأقل يمكن أن يرافقه نشاطات تدعم وتدفع نحو المزيد من التحوّل المطلوب.
في البداية نؤكد أن مستقبل الدولة القطرية رهن بتطوّرها نحو حالة وحدوية ممكن أن تترجم بدولة الوحدة سواء كانت اندماجية في حدها الأقصى أو دولة اتحادية تحافظ على بعض "خصوصيات" الولايات العربية أو في حالة تنسيقية معمّقة في الحد الأدنى من تلك الحالة الوحدوية. فالدولة القطرية فشلت في تحقيق التنمية والرفاهية لمواطنيها وآن الأوان أن نفكّر بجدّية في دولة الوحدة.  و بمعنى أكثر وضوحا نقول أن محور خطابنا القومي يجب أن يكون بناء دولة الوحدة كهدف إستراتيجي لتحقيق باق الأهداف المنصوص عليها في المشروع العربي النهضوي. فبلا دولة الوحدة ليس هناك من "تنمية مستقلّة" أو حتى "مستدامة". السياسات القطرية الاقتصادية يجب أن تتحوّل إلى مواقف وإجراءات عملية لبناء دولة الوحدة. من معالم تلك الوحدة حرية التحرّك لليد العاملة بين "حدود" الولايات إسوة بحرية تحرّك رؤوس الأموال.
ثانيا- الانتقال من الواقع الريعي إلى الواقع الإنتاجي يتطلّب مشاريع مشتركة على الصعيد القومي تساهم في ترسيخ بنية تحتية اقتصادية. فعلى سبيل المثال وليس الحصر إن ربط الأقطار العربية بسكك حديدية يساهم في نقل البشر والسلع بشكل منتظم ويربط أواصر الأمة. هناك أمثال كثيرة في التاريخ القريب لدور سكك الحديد في بناء الدولة المركزية الموحّدة. الولايات المتحدة خير مثال على دور سكك الحديد في بناء الدولة الاتحادية.  مشروع آخر هو تشبيك الشبكات الكهربائية والاتصالات بين الأقطار العربية. فالحصول على الطاقة الكهربائية والمواصلاتية الوافرة والرخيصة ضرورة لإنشاء وتطوير قطاعات صناعية وتكنولوجية متقدمة. مشروع ثالث يكمن في شبكة الأنابيب الغازية والنفطية التي تربط الدول المنتجة للنفط والغاز بسائر الأقطار العربية والدول الإقليمية الكبرى المجاورة كتركيا وإيران.  هذا التشبيك يحصّن البعد الإستراتيجي للتكتل الإقليمي الذي لا بد لأن ينشىء في المنطقة في مواجهة طموحات الغرب في الاستيلاء على الثروات النفطية وغيرها.
ثالثا-  إعادة تأهيل منطق التخطيط المركزي للقطاعات الإستراتيجية.  كانت الحقبة التي بدأت بعد رحيل الرئيس عبد الناصر تهميشا لمفهوم التخطيط المركزي والاتكال المطلق على دور القطاع الخاص وآلية السوق.  في هذا الموضوع نقول أنه ليس هناك من تناقض بين دور الدولة والقطاع العام وبين دور القطاع الخاص.  هناك قطاعات إستراتيجية لا يرغب القطاع الخاص الخوض فيها لكلفتها العالية أو لأنه من الخطر جداً للأمن القطري والقومي تسليم القطاع الخاص مرافق إستراتيجية. فالتوجيه الأساسي يكون بيد الدولة والقطاع العام وذلك يتطلّب عودة التخطيط المركزي الذي يحدد الأولويات. كما أننا لا ننكر دور وفعّالية آلية السوق في تصويب الأهداف.  لكن آلية السوق لا بد من أن تخضع لمبادئ وضوابط منعا لانحرافات لا بد من أن تنجم عنها كما أشرنا في دراسات مختلفة.
رابعا- التنسيق المعمق بين السلطات التخطيطية في مختلف الأقطار سواء للمشاركة في مشاريع مشتركة بين الدول العربية أو لتفادي تنافسات مدمّرة ومكلفة ولتحويل الموارد إلى استثمارات متكاملة مع تلك المشاريع. فالتكامل المطلوب يرتكز على التخطيط المشترك خاصة فيما يتعلّق بالمرافق الإستراتيجية والبنى التحتية.
خامسا- توجيه السياسات النقدية لتذخير المدخرات العربية وتوظيفها في مشاريع إنتاجية وتفاديا لتبعية الاستثمارات الأجنبية. فالمؤسسات المالية الدولية تردد لازمة أن الاستثمار المباشر الأجنبي ضروري للنمو والتنمية في غياب المدخرات الوطنية وبالتالي على الدول المستقبلة لتلك الاستثمارات أن تمنح كافة التسهيلات ورفع القيود الضابطة لحركة الأموال الأجنبية وهذا ما يؤدي إلى المزيد من الانكشاف والتبعية. هنا أيضا التنسيق المعمق في السياسات النقدية ضرورة لأنها تمهّد لسياسات تنموية منسّقة. كما أن هذا التنسيق خطوة نحو الوصول إلى الدينار العربي الواحد.
سادسا- مراجعة البرامج التربوية لجهة تكثيف الاستثمارات في العلوم لأنها أساس المعرفة. كما أن هناك ضرورة للقيام بحملة مبرمجة لمحو الأمية في العديد من الأقطار العربي حيث وصلت إلى 53.4 بالمائة في العراق لعام 2005 لفئة 15-24 سنة، و33 بالمائة في موريتانيا، و24.5 بالمائة في المغرب، و18.1 بالمائة في السودان. هذه الإحصاءات لا تدّل على معدّل الأمية بين النساء الذي وصل إلى 59.5 بالمائة في اليمن عام 2007 و74.8 بالمائة في العراق، و56.8 بالمائة في المغرب. هذه الأرقام مذهلة وغير مقبولة أخلاقيا وسياسيا واجتماعيا على الإطلاق.  فكيف نريد تنمية مجتمع عربي عندما يكون نصف مكوّناته يرزح تحت الأمية؟

هذه بعض التوصيات والتي لم نرد أن نسرد أكثر من ذلك طالما الحكومات العربية القائمة غير معنية بالتكامل العربي والوحدة الاقتصادية العربية.  إن الثورة العربية التي ما زالت نيرانها مشتعلة حيث اندلعت وهي على أبواب أقطار أخرى مطالبة بضم الدعوة الوحدوية إلى برنامج التغيير.  فالتغيير إذا انحصر في حدود القطر سيصل إلى طريق مسدود وتصاب بخيبة آمال الجماهير التي خرجت.  إحدى مهام المؤتمر القومي العربي بث فكرة تلازم التغيير والوحدة بين أبناء الثورة.